تابعنا على

دفءُ نار

أربع متلازمات… أضيف إليهم خامسة

نشرت

في

يتراءى لي أحيانا وأنا أرقب سلوك التونسيين من حولي أنّ أربع متلازمات كبرى أصبحت تميّزنا على خلاف خلق الله خلال السّنوات الأخيرة.

منصف الخميري Moncef Khemiri
<strong>منصف الخميري<strong>

وهي تِباعا متلازمة ستوكهولم ومتلازمة أليس في بلاد العجائب ومتلازمة كوتار والمتلازمة الاكتئابية. ولكن هناك اضطرابا نفسيا آخر لم يأت عليه الأطباء والمختصون وهو متلازمة تونس.

والمتلازمة  syndrome تعريفا هي مجموعة من العلامات و الأعراض الطبية المرتبطة مع بعضها البعض والمتعلقة غالبًا بمرض أو اضطراب معين . وتستمدّ اسمها العربي من تزامن أو تلازم جملة من المؤشرات المنبِئة بوجود خلل ما في نفسيّة الفرد.

أولا : متلازمة ستوكهولم

هي الإجابة النفسية التي تُلاحظ لدى الضحايا (ضحايا الاختطاف بصورة خاصة) المتمثلة في علامات التعاطف والمحبّة وحتى الاحترام تجاه الخاطف أو المعتدي مهما كان حجم الخطر المطروح كما في حالات الاغتصاب والعنف الزوجي ضد النساء والاعتداءات على الأطفال… وأصل التسمية أنه في سنة 1973 بستوكهولم عاصمة السويد تمّ احتجاز 4 موظفين داخل بنك وعند الافراج عنهم أظهر هؤلاء تعاطفا غير طبيعي مع محتجزيهم رافضين الادلاء بشهادات ضدهم في محاولة للدفاع عن المختطِفين.

ينطبق هذا الاضطراب تماما حسب رأيي على فئة التونسيين الذين يستغلّون أي حدث سلبي بعد 2011 ليتحسّروا بمرارة شديدة على زمن مضى (وبالرغم من مواطن الضوء فيه) إلا أنه يظل زمنا أغبر والدليل البسيط أنه دفع بالاحتقان الاجتماعي إلى أعلى درجاته وهيّأ تربة خصبة لينمو جنين العنف والإرهاب في رحم الفقر المعمّم والمحسوبية وعنجهية المقرّبين والأصهار وتغوّل الأمن واستباحة القوانين وخاصة “كتم الأنفاس” بالمعنى الحرفي للكلمة.

ثانيا : متلازمة أليس في بلاد العجائب

أو متلازمة تودTODD  وهي اضطراب عصبي يتغير بموجبه إدراك الشخص لذاته وللزمان والمكان. يتغير الادراك البصري للأشياء بالتضخيم أو بالتصغير. التمظهر الأكثر تداولا هو سوء إدراك الشخص المُصاب لصورته الشخصية حول نفسه. يتصور أن جسده يعاني من انحرافات مورفولوجية على غرار التمدّد في الأطراف والتكلّس في بعض الأعضاء ما يسبّب ذعرا يبلغ حدّ حالة الهلع.

اعتقادي أننا أُصبنا كتونسيين بهذه المتلازمة التي جعلتنا غير واثقين بأنفسنا، كلنا يعتقد أن تشوّهات كبرى أصابت صورتنا في العالم حتى تحوّلت النخوة إلى نكسة والفخر إلى مشاعر بخسة… تحت تأثير تميّزنا إرهابيا في كل أصقاع العالم وإبداعنا في التنكيل المبرّح بالفرصة التي وهبنا إياها التاريخ في 2011 لولوج نادي المجتمعات النّاجية. وكأنّنا أصبحنا نعيش تونسيّتنا خلسة بين شعوب العالم.

ثالثا : متلازمة كوتار

هي متلازمة النُّكران التي شخّصها سنة 1880 طبيب الأعصاب الفرنسي جيل كوتار. ويكون الشخص المعني مقتنعا أنه مات بعدُ أو أنه غير موجود أصلا. يكون لديه انطباع أن جسده بصدد التحلّل أو يفتقر الى الدم أو بعض الأعضاء الداخلية. الاشخاص المُصابون، نادرا جدا ما يشعرون بضرورة مراجعة الطبيب لاقتناعهم الباتّ أن علاجهم مستحيل. ويلاحظ هذا الاضطراب بصفة خاصة لدى الاشخاص الذين يعانون من الانهيارات العصبية أو من انفصام الشخصية الذهانية.

متلازمة كوتار هذه تظهر لدى كثير من التونسيّون الذين “ياكلو في القوت ويستنّو في الموت” ومن يُردّدون بدون انقطاع “أنت لست حيّا كي تموت” و “ياخي آش معجّبك فيها هالعيشة الكلبة” و “رانا مُتنا مُوتان” و “شوولنا الكبدة شويان” و “كلولنا قلوبنا ماكلة”و “ميّتين بالحيا”،إلخ… يُشعرك التونسيون أحيانا أن مجرّد البقاء على قيد الحياة هو ذنب لا يُضاهيه ذنب وجب التكفير عنه بألف صلاة وصلاة.

رابعا : المتلازمة الاكتئابية أو اضطراب الاكتئاب الشديد

  هو اضطراب نفسي يتمثل في حالة مزاجية مكتئبة بصفة مستمرة تكون في الغالب مصحوبة بتدنّ في تقدير الذات و فقدان الاهتمام بالأنشطة المُمتعة وشعور دائم بانخفاض الطاقة، والمشاكل الجسدية بدون سبب واضح. ويمكن أن تؤثر الاضطرابات الاكتئابية الرئيسية سلبًا على حياة الشخص أو حياته العملية والدراسية، فضلاً عن النوم وعادات الأكل والصحة العامة.  وتُقدّر بعض الدراسات العلمية أن نحو 50٪ من الناس الذين يموتون انتحارا كانوا قد عانوا من الاكتئاب أو اضطرابات مزاجية  أخرى.

إن أحسن دليل على إصابة الكثير من التونسيين بهذه المتلازمة هو ترتيب تونس في مؤشر السعادة على المستوى العالمي. في 2020  كان ترتيبنا 136/165 بمجموع يساوي 4.39 (البلد الأول هو فنلندا بــــ 7.80 والبلد الأخير أفغانستان بـــ 2.56) حسب تصنيف “التقرير الدولي للسّعادة” الذي نشرته شبكة الحلول للتنمية المستدامة التّابعة للأمم المتحدة (ويعتمد هذا التصنيف مقاييس الدخل الفردي والصحة الجيدة وحرية الاختيارات الحياتية الشخصية وتمثّل الأفراد لظاهرة الفساد الحكومي)

____إلى جانب كل هذه المتلازمات التي اشتغَلَتْ عليها المدارس الطبية وتم إقرارها على نحو كوني باعتبارها أعراضا يشترك فيها المصابون وقابلة للتشخيص، تجدني راغبا بشدة في إضافة متلازمة أخرى أسمّيها متلازمة تونس (والحال أن عديد العواصم العالمية لها متلازماتها المعترف بها في القاموس الطبي العالمي مثل ستوكهولم وليما وباريس . وأقول مرورا إن متلازمة باريس هي صدمة نفسية تُصيب السُّواح اليابانيّين عندما يصطدمون بالهوة الشاسعة بين صورة باريس “البطاقة البريدية” وحقيقة باريس في الواقع).

ومتلازمة تونس هي عبارة عن اضطراب نفسي حادّ يُصيب فئة واسعة جدا من سكان البلد وحتى من بعض زائريها الأجانب وتتمثل أعراضه في التعبير عن انشداد مرضيّ لبلد تجتمع فيه كل أنواع الزواحف والضّباع والطيور الكاسرة ولكن التّونسي يهيم به عشقا ولا يقبل عنه وطنا آخر بديلا. تُتاح أمامه فرص مؤكّدة للاستقرار بأرقى المراكز الحضارية في العالم ولكنه يعود دائما إلى الحضن الذي أهانه أحيانا ونكّل به وأبعده و قسا عليه معتبرا أنها أسباب غير كافية لقطع الحبل السُرّي بشكل نهائي. أعرف شخصيا رجلا طيبا سافر إلى نيويورك بعد إلحاح ابنته المُقيمة هناك رغبة منها في إهداء والدها سفرة متميّزة. رتّبت له عشاء صحبة أخيها في أفخر المطاعم في حيّ مانهاتن… وبعد انتهاء المأدبة، قال الأب مازحا أعلم جيدا أن الفاتورة باهظة والأطباق شهية … لكن “سامحني بنيتي كم وددت تناول محمّصة بالقديد  أو ملثوث بالرّاس في دارك و علاش هالتعب الكلّ وبصراحة أسبوع كامل في أمريكا ياسر عليا، توحشت تونس”.

ومتلازمة تونس هي أيضا أن تجرؤ على إشهار تونسيّتك في وجه العالم رغم يقينك بأن صورتك علقت بها بعض الأوحال خاصة خلال السنوات الأخيرة وأن جوازك بات أحيانا مسترابا واسمك مدعاة للشبهة والارتياب. 

إن أفضل ما نطق به الشعراء في متلازمة تونس هي آخر قصيدة للشاعر العاشق لتونس الأعماق الأستاذ لزهر الضاوي والتي يقول مطلعها :

ماعاد شيْء في بْلادنا عاجِبْني

غير الحنينْ لترابها..غالِبْني

نرقد نبات نسِبّ..وكيف نصَبّح

نلقى هَواها وريحها..جالبني

وصوت الحديد وأغلالها..كي تضبّح

ودموعها على خدودها تعاتبني

نرمي القلم ..نحلف ماعادش نكتب

نلقى ” الحَجر في وادها” .. كاتبني

 

 

أكمل القراءة
تعليق واحد

تعليق واحد

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

دفءُ نار

رمضان.. و حالة الطوارئ الغذائيّة…

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبير عميش:

حالة طوارئ لدى العائلات، فمنذ أيام وحتى قبل حلول شهر رمضان بدأ الاكتظاظ والازدحام… حركة المرور تكاد تكون مشلولة… طوابير من السيارات أمام المغازات الكبرى وصفوف أمام محلات صنع المرطبات والحلويات وأمام باعة اللحوم والدواجن والأسماك والخضر والغلال والفواكه والتوابل… وما تسمع كان “آش حضّرت لرمضان؟” وتتواصل هذه اللهفة وهذه المظاهر حتى بعد حلول الشهر.

حالة طوارئ لدى الدولة، وهي تُطمئن الشعب عبر بلاغاتها بأنها تمكنت من تخزين لا أدري كم من مليون بيضة وأنها ضخّت كميات إضافية من الزيت النباتي المدعّم ومن السكر والفارينة، وحالة استنفار لدى المسؤولين الذين يؤكدون على تسعير اللحوم وعلى الصرامة في مراقبة عمليات البيع ويهدّدون المخالفين ويتوعدونهم (لكن في بلادنا ديما الواقع يخالف الكلام والمواد المدعومة ناقصة أو مفقودة وأسعار الحكومة موش هي أسعار الواقع).

حالة طوارئ في الإذاعات والتلفزات ، فلا تجد سوى أحاديث عن قضْية رمضان ومواكبة لواقع الأسواق ولا تسمع إلاّ برامج الطبخ والتصنيف ولا تتابع إلا إعلانات عن الطعام هذا للإفطار وهذا للسهرة وهذا للسحور…

حالة طوارئ في الشوارع والمجالس، فلا ترى إلا اللهفة في العيون ولا تسمع إلا اشنوّة المنيو الليلة؟ وحديثا عن الشوربة والبريك والسلايط والطبق الرئيسي والحلويات ولوازم السهرة.. كل هذا من أجل شهر الصيام الذي يفترض أنّه مجعول للتراحم والاحساس بالفقراء والزهد والاعتدال.. فرمضان في جوهره ليس شهر الإفراط في الطعام، بل شهر التخفف، وضبط النفس، وتغيير العادات الغذائية، وفرصة للتخلص من التخمة والسكريات والوزن الزائد. والصوم هو مدرسة للصبر والتوازن، لا موسما لمضاعفة الاستهلاك…

لكن في بلادنا وفي البلدان العربية خرج رمضان من غايته ومقاصده الأساسية ليصبح شهر الاستهلاك بامتياز إلى درجة أن البعض يستدين أو يقترض لمجاراة نسق الاستهلاك العالي، وصارت المائدة هي الغاية وصرنا نرى القيمة في تعدّد الأطباق، ونسينا أنّ رمضان فرصة لإصلاح علاقتنا مع ذواتنا ومع أجسادنا وأنّه ليس سباقا نحو الموائد… بل عودة نحو القيم… وأنه شهر الرحمة موش شهر اللحمة، وشهر الرأفة موش شهر اللهفة.

أكمل القراءة

دفءُ نار

بورِك رمضانكم

نشرت

في

(اللوحة من تصميم الفنان الكبير محمد الأطرش)

Motif étoiles

أكمل القراءة

دفءُ نار

مُراكمة اللّغات بدلاً من تحاذُفها*  

من أجل تعزيز القدرات التواصليّة للتلميذ، عوضا عن تعليم القواعد الحجريّة منذ الطفولة الأولى

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منصف الخميري:

تفاعلا مع ما يجري من نقاش في الآونة الأخيرة حول واقع تدريس اللغات في بلادنا وتراتبيّتها الهيكلية وتدنّي المستوى العام للتلميذ التونسي، لا فقط في اللغات الأجنبية بل وفي اللغة العربية الأم كذلك، يهمّني أن أدلي ببعض الملاحظات بهدف الوقوف على بعض أوجه هذه “العلّة” الحقيقية التي تُعيق نجاح بناتنا وأبنائنا وتميّزهم وبهدف صياغة بعض المقترحات التي قد تساعد على تجاوز واقع الحال.

ما يُلاحظ أوّلا

أن المستوى العام لتلاميذنا في اللغات وكذلك في الفلسفة باعتبارها مادة مؤثرة وباعثة على التفكير المنطقي على طول مسار التلميذ حتى في التعليم العالي وفي المسارات العلمية والهندسية (أنظروا في هذا الصدد الاثار الفلسفية والفكرية المُبرمجة سنويا في الاقسام التحضيرية العلمية للمدراس الهندسية الفرنسية الكبرى) كما تعبّر عنه المعدلات المُحرزة في الباكالوريا، هو مستوى متدنّ للغاية لا يُساعد في كل الأحوال على مباشرة دراسات جامعية تتطلب مهارات لغوية وتواصلية كبيرة مهما كان حقل الاختصاص. إذ أن :

  • 54.41 % من المُحرزين على الباكالوريا تحصلوا على 10 أو أقل من عشرة في مادة العربية في كل الباكالوريات مجتمعة (76180 ناجح سنة 2025).
  • 39.37%  تحصلوا على عشرة أو أقل في مادة الفرنسية
  • 32.64 %  تحصلوا على عشرة أو أقل في مادة الانكليزية
  • 60.12 %  تحصلوا على عشرة أو أقل  في مادة الفلسفة

وهذا يعني أن ضعف مستوى ناشئتنا في لغتهم الأم يُثير مخاوف أكبر من تلك التي يُثيرها ضعف المستوى في اللغات الأجنبية، بالرغم من “اليُسر العام” في اختبارات امتحان العربية في الباكالوريا التي تُضاهي مستوى امتحان التاسعة أساسي كما يُقرّ بذلك السادة المتفقدون. وقد يعود هذا “الجفاء” إزاء الفُصحى إلى وعي تلميذ اليوم بأن اللغة العربية لن تعترض سبيله في جميع المسارات الجامعية إلا إذا اختار شعبة اللغة والآداب العربية من ناحية، ومن جهة أخرى إلى عدم سعي الدولة منذ عقود – رغم براعتها في تصريف اللغة- إلى تفعيل العربية لتكون لغة ناقلة للعلوم والتكنولوجيا والمعارف المختلفة، كما هو الحال بالنسبة إلى الصينية أو اليابانية أو الفارسية أو التركية عندما تمّ تحطيم الأسطورة القائلة بأن “العلوم تلينُ –طبيعيا- للّغات الأوروبية”. مع الاعتراف كذلك بأن الانزياح القائم اليوم بين العامّيّة والفصحى la diglossie في لغتنا يزيد الأمر تعقيدا إضافيا لا تعاني منه بلدان أخرى مثل روسيا أو الصين أو كوريا الجنوبية.

ثانيا : تدنّي مستوى تلاميذنا في اللغات هو عابر لجميع الباكالوريات، لكنه أكثر فداحة في شعب مدرسية بعينها : الاداب، والاقتصاد والتصرف، والإعلامية أساسا.

إن نسبة التلاميذ الذين لا يحصلون على المعدّل في العربية تساوي 70% في الباكالوريا آداب و69 % في الباكالوريا اقتصاد وتصرف و 65.38 %  في علوم الاعلامية (هل تشابه النسب الثلاثة هو مجرد صدفة ؟ لا أعتقد شخصيا ذلك) . بينما لا تتجاوز هذه النسبة الـ 14.11%  في باكالوريا رياضيات ! ومن المفارقات  أيضا أن نسبة الحاصلين على أكثر من عشرة في مادة العربية تصل إلى 65.71 % في باكالوريا علوم تجريبية بينما لا تتجاوز 25.89 % في باكالوريا آداب على سبيل المثال.

ولتدعيم هذه الحقائق، فإن :

من تحصلوا على عشرة أو أكثر في الفرنسية باكالوريا آداب، تساوي نسبتهم  30.30 %  مقابل 81.58 % في باكالوريا رياضيات.

أما من تحصّلوا على أكثر من عشرة في مادة الانكليزية فنسبتهم تساوي 36.27 % في باكالوريا آداب في حين تبلغ 86.68 % في الرياضيات و 47.47 % في العلوم التقنية و 58.14 % في العلوم التجريبية.

وفي مادة الفلسفة، كانت معدلات الشعب العلمية أفضل من باكالوريا آداب، حيث بلغت على سبيل المثال نسبة المتحصلين على عشرة فما أكثر  46.19 %   في الاداب مقابل 54.17 %  في الرياضيات.

ذلك يعني – في ما يعنيه- أن ما تكسبه منظومتنا التربوية من جودة على مستوى تملّك اللغات بفضل جيوب التميّز في الباكالوريات العلمية بصورة خاصة، سرعان ما يتلاشى على مستوى المعدلات العامة جرّاء تدهور مستوى الملتحقين بشكل جُزافي يفرضه غياب البدائل الأخرى نحو شعب الآداب والاقتصاد والتصرف وعلوم الاعلامية بصورة خاصة.

وبناءً على ذلك، يصحّ القول بأن أزمة اللغات في مدرستنا التونسية هي أزمة مُركّبة تتداخل فيها طبيعة البيداغوجيا المُعتمدة في تدريس “التكلّم الصّرف المُنهمر دون كلفة أو وجل”  قبل “كيف نتكلّم ووفق أي قواعد نتكلّم” ومستوى تكوين المُدرّسين وغياب التوجهات الوطنية الواضحة (غير الشعاراتية) للدولة وهيكلة التعليم وما يُعرض من شعب ومسالك إلى جانب ما يغيب من معابر ومختصرات.  

ثالثا : النحو الداخلي بواسطة الشفاهي والتواصل في وضعيات ذات معنى بالنسبة إلى التلميذ بدلا من قصفه منذ بدايات ابتهاجه بمفاتن اللغة، بما اختلفت فيه البصرة والكوفة والتمييز بين المفاعيل عندما يبدأ التأويل.

يبدو أن تلميذنا التونسي لا يُقبل على درس اللغة – مهما كانت هذه اللغة- بشكل فيه فرحة التعلّم وبهجة التعبير عن مشاعره والدّفع بما يعتقده صحيحا أو خاطئا…خوفا من الاصطدام بقواعد اللغة الصمّاء والاشتباك غير محمود العواقب مع شرطة العدد والمعدود والممنوع من الصرف وخشية التّيه في متاهات اللغو والوقوع في شراك حِباله التي كلما صعدت درجة وإلا وزاد طولها ورعونتها. من الأمثلة الناجحة اليوم ـأكثر من غيرها- في إقدار الأطفال على تعلّم اللغات (الوطنية والأجنبية على قدم المساواة) هي اللوكسمبورغ وسنغافورة، حيث تُمارس ما يُسمّى بالمقاربات الانغماسية في تدريس اللغات (يعجبني شخصيا أكثر تعبير تعلّم اللغات بواسطة المعايشة أو بواسطة الغَمر، كما في تقنية السّقي الزراعي) بحيث لا تكون اللغات “مواد مستقلة بذاتها تُدرّس بشكل قواعدي صرف” بل تكون بمثابة  قنوات للريّ اللغوي غَمرا أحيانا وقطرة قطرة أحيانا أخرى، من خلال وضعيات لعبيّة مرحة وألعاب أدوار تواصليّة مُحفّزة … خاصة في المراحل التعليمية الأولى. فلا يتمّ بالنتيجة تبجيل البعد الهيكلي (النحو) على البعد الاستعمالي الحيّ (الحياة) حتى لا يُكبّل اللسان قبل أن ينطق بعدُ.  

يقول أصحاب هذا التوجّه بأنه لا يجب أن نُعطي الطفل دروسا تشريحية حول مهمة العضلات والأنسجة والأوتار من أجل تعليمه كيف يمشي، لأن الانسان يتعلم المشي من خلال فقدان التوازن والمحاولة والخطأ والغريزة… فإذا كان النحو هو التركيبة البنيوية للغة فالكلام هو حركتها.

رابعا وأخيرا : لا نُواجه ظاهرة ضعف تلاميذنا في اللغات، بالعقاب والمنطق المردود بعد الباكالوريا !

بعد حصولها على معدّلات الباكالوريا للتلاميذ وأعدادهم في كل المواد التي تمّ اجتياز الامتحان فيها، تعمد وزارة التعليم العالي إلى احتساب ما تُسمّيه بمجموع النقاط لترتيب التلاميذ وتوزيعهم على مختلف مسالك التكوين لديها (اعتماد الحساب مع الاستئناس باختيارات كل مترشح للتوجيه الجامعي وكيفية ترتيبها).

هنالك إجراءان لافتان للانتباه في هذا الخصوص وجب التوقّف عندهما :

– يتكوّن هذا المجموع من عنصرين أساسيين هما المعدل العام للتلميذ في الباكالوريا ضارب 4 يُضاف إليه 6 ضوارب خصوصية أخرى موزّعة على المواد الأساسية في كل شعبة من شعب الباكالوريا (مثلا بالنسبة إلى الرياضيات يُضاف الى المعدل العام ضاربان للرياضيات وضارب ونصف للعلوم الفيزيائية ونصف ضارب لعلوم الحياة والأرض وضاربان للفرنسية والانكليزية …). بمعنى أن معدلات التلميذ في الباكالوريا، المتدنية بصورة عامة  تُحتسب مرتين في هذه الحالة : مرة في المعدل العام ومرة ثانية في الضوارب الخصوصية…بما يجعل منه إجراءً عقابيا لا موجب له، يُعيق التلميذ في الحصول على ما يرغب فيه بدلا من تحييد هذه الهِنات وتذليل تبعاتها.

– إضافة أعداد الفرنسية والانكليزية إلى مجموع النقاط (المُحتسبة بعدُ في المعدل العام) برّرته وزارة التعليم العالي حين إقراره بـ “ضرورة تحفيز تلميذ الباكالوريا على تحسين مستواه في اللغات الأجنبية” وهذا ضرب من الديماغوجيا الصرفة لأن التلاميذ لا يهمّهم الاطلاع على كل هذه التفاصيل الفنية إلا بعد نجاحهم النّاجز ومواجهة استحقاقات ما بعد الباكالوريا.

ونقول في النهاية بدون أي تحفّظ إن:

إيجاد روافد إسناد لغوي خارجي في العائلة والمحيط ووسائل الاعلام (لا وجود لأي برنامج إذاعي أو تلفزي جادّ أو ترفيهي حاليا في تونس يُعنى باللغة أو الثقافة) وحسم ازدواجية تدريس العلوم باللغة العربية ثم اللغة الفرنسية بشكل جريء وبعيد عن الهوويات الكريهة والتمسك بـ “فرنسية” لم نخترها على حدّ سواء، ومراجعة الطرائق التي نُدرّس بها اللغات، وإيجاد الحوافز المُجزية لمدرّسي اللغات خاصة في المناطق المنسيّة حتى ننهض بمستواهم .. وغيرها قد تشكّل حزمة من الاختيارات التي تُساعد على إطلاق ألسنة ناشئتنا بما يُصلّب عودهم دراسيا وشغليّا، ويُخرجهم من مُربّع اليُتم الحضاري وفقدان السّند اللغوي المطلوب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* التحاذف، كلمة فرضها سياقها في علاقة بدعوة البعض إلى قلب الهرميّة المعتمدة وجعل لغات معينة تحذف أخرى.

أكمل القراءة

صن نار