يتراءى لي أحيانا وأنا أرقب سلوك التونسيين من حولي أنّ أربع متلازمات كبرى أصبحت تميّزنا على خلاف خلق الله خلال السّنوات الأخيرة.
<strong>منصف الخميري<strong>
وهي تِباعا متلازمة ستوكهولم ومتلازمة أليس في بلاد العجائب ومتلازمة كوتار والمتلازمة الاكتئابية. ولكن هناك اضطرابا نفسيا آخر لميأت عليه الأطباء والمختصون وهو متلازمة تونس.
والمتلازمة syndrome تعريفا هي مجموعة من العلامات و الأعراض الطبية المرتبطة مع بعضها البعض والمتعلقة غالبًا بمرض أو اضطراب معين . وتستمدّ اسمها العربي من تزامن أو تلازم جملة من المؤشرات المنبِئة بوجود خلل ما في نفسيّة الفرد.
أولا : متلازمة ستوكهولم
هي الإجابة النفسية التي تُلاحظ لدى الضحايا (ضحايا الاختطاف بصورة خاصة) المتمثلة في علامات التعاطف والمحبّة وحتى الاحترام تجاه الخاطف أو المعتدي مهما كان حجم الخطر المطروح كما في حالات الاغتصاب والعنف الزوجي ضد النساء والاعتداءات على الأطفال… وأصل التسمية أنه في سنة 1973 بستوكهولم عاصمة السويد تمّ احتجاز 4 موظفين داخل بنك وعند الافراج عنهم أظهر هؤلاء تعاطفا غير طبيعي مع محتجزيهم رافضين الادلاء بشهادات ضدهم في محاولة للدفاع عن المختطِفين.
ينطبق هذا الاضطراب تماما حسب رأيي على فئة التونسيين الذين يستغلّون أي حدث سلبي بعد 2011 ليتحسّروا بمرارة شديدة على زمن مضى (وبالرغم من مواطن الضوء فيه) إلا أنه يظل زمنا أغبر والدليل البسيط أنه دفع بالاحتقان الاجتماعي إلى أعلى درجاته وهيّأ تربة خصبة لينمو جنين العنف والإرهاب في رحم الفقر المعمّم والمحسوبية وعنجهية المقرّبين والأصهار وتغوّل الأمن واستباحة القوانين وخاصة “كتم الأنفاس” بالمعنى الحرفي للكلمة.
ثانيا : متلازمة أليس في بلاد العجائب
أو متلازمة تودTODD وهي اضطراب عصبي يتغير بموجبه إدراك الشخص لذاته وللزمان والمكان. يتغير الادراك البصري للأشياء بالتضخيم أو بالتصغير. التمظهر الأكثر تداولا هو سوء إدراك الشخص المُصاب لصورته الشخصية حول نفسه. يتصور أن جسده يعاني من انحرافات مورفولوجية على غرار التمدّد في الأطراف والتكلّس في بعض الأعضاء ما يسبّب ذعرا يبلغ حدّ حالة الهلع.
اعتقادي أننا أُصبنا كتونسيين بهذه المتلازمة التي جعلتنا غير واثقين بأنفسنا، كلنا يعتقد أن تشوّهات كبرى أصابت صورتنا في العالم حتى تحوّلت النخوة إلى نكسة والفخر إلى مشاعر بخسة… تحت تأثير تميّزنا إرهابيا في كل أصقاع العالم وإبداعنا في التنكيل المبرّح بالفرصة التي وهبنا إياها التاريخ في 2011 لولوج نادي المجتمعات النّاجية. وكأنّنا أصبحنا نعيش تونسيّتنا خلسة بين شعوب العالم.
ثالثا : متلازمة كوتار
هي متلازمة النُّكران التي شخّصها سنة 1880 طبيب الأعصاب الفرنسي جيل كوتار. ويكون الشخص المعني مقتنعا أنه مات بعدُ أو أنه غير موجود أصلا. يكون لديه انطباع أن جسده بصدد التحلّل أو يفتقر الى الدم أو بعض الأعضاء الداخلية. الاشخاص المُصابون، نادرا جدا ما يشعرون بضرورة مراجعة الطبيب لاقتناعهم الباتّ أن علاجهم مستحيل. ويلاحظ هذا الاضطراب بصفة خاصة لدى الاشخاص الذين يعانون من الانهيارات العصبية أو من انفصام الشخصية الذهانية.
متلازمة كوتار هذه تظهر لدى كثير من التونسيّون الذين “ياكلو في القوت ويستنّو في الموت” ومن يُردّدون بدون انقطاع “أنت لست حيّا كي تموت” و “ياخي آش معجّبك فيها هالعيشة الكلبة” و “رانا مُتنا مُوتان” و “شوولنا الكبدة شويان” و “كلولنا قلوبنا ماكلة”و “ميّتين بالحيا”،إلخ… يُشعرك التونسيون أحيانا أن مجرّد البقاء على قيد الحياة هو ذنب لا يُضاهيه ذنب وجب التكفير عنه بألف صلاة وصلاة.
رابعا : المتلازمة الاكتئابية أو اضطراب الاكتئاب الشديد
هو اضطراب نفسي يتمثل في حالة مزاجية مكتئبة بصفة مستمرة تكون في الغالب مصحوبة بتدنّ في تقدير الذات و فقدان الاهتمام بالأنشطة المُمتعة وشعور دائم بانخفاض الطاقة، والمشاكل الجسدية بدون سبب واضح. ويمكن أن تؤثر الاضطرابات الاكتئابية الرئيسية سلبًا على حياة الشخص أو حياته العملية والدراسية، فضلاً عن النوم وعادات الأكل والصحة العامة. وتُقدّر بعض الدراسات العلمية أن نحو 50٪ من الناس الذين يموتون انتحارا كانوا قد عانوا من الاكتئاب أو اضطرابات مزاجية أخرى.
إن أحسن دليل على إصابة الكثير من التونسيين بهذه المتلازمة هو ترتيب تونس في مؤشر السعادة على المستوى العالمي. في 2020 كان ترتيبنا 136/165 بمجموع يساوي 4.39 (البلد الأول هو فنلندا بــــ 7.80 والبلد الأخير أفغانستان بـــ 2.56) حسب تصنيف “التقرير الدولي للسّعادة” الذي نشرته شبكة الحلول للتنمية المستدامة التّابعة للأمم المتحدة (ويعتمد هذا التصنيف مقاييس الدخل الفردي والصحة الجيدة وحرية الاختيارات الحياتية الشخصية وتمثّل الأفراد لظاهرة الفساد الحكومي)
____إلى جانب كل هذه المتلازمات التي اشتغَلَتْ عليها المدارس الطبية وتم إقرارها على نحو كوني باعتبارها أعراضا يشترك فيها المصابون وقابلة للتشخيص، تجدني راغبا بشدة في إضافة متلازمة أخرى أسمّيها متلازمة تونس (والحال أن عديد العواصم العالمية لها متلازماتها المعترف بها في القاموس الطبي العالمي مثل ستوكهولم وليما وباريس . وأقول مرورا إن متلازمة باريس هي صدمة نفسية تُصيب السُّواح اليابانيّين عندما يصطدمون بالهوة الشاسعة بين صورة باريس “البطاقة البريدية” وحقيقة باريس في الواقع).
ومتلازمة تونس هي عبارة عن اضطراب نفسي حادّ يُصيب فئة واسعة جدا من سكان البلد وحتى من بعض زائريها الأجانب وتتمثل أعراضه في التعبير عن انشداد مرضيّ لبلد تجتمع فيه كل أنواع الزواحف والضّباع والطيور الكاسرة ولكن التّونسي يهيم به عشقا ولا يقبل عنه وطنا آخر بديلا. تُتاح أمامه فرص مؤكّدة للاستقرار بأرقى المراكز الحضارية في العالم ولكنه يعود دائما إلى الحضن الذي أهانه أحيانا ونكّل به وأبعده و قسا عليه معتبرا أنها أسباب غير كافية لقطع الحبل السُرّي بشكل نهائي. أعرف شخصيا رجلا طيبا سافر إلى نيويورك بعد إلحاح ابنته المُقيمة هناك رغبة منها في إهداء والدها سفرة متميّزة. رتّبت له عشاء صحبة أخيها في أفخر المطاعم في حيّ مانهاتن… وبعد انتهاء المأدبة، قال الأب مازحا أعلم جيدا أن الفاتورة باهظة والأطباق شهية … لكن “سامحني بنيتي كم وددت تناول محمّصة بالقديد أو ملثوث بالرّاس في دارك و علاش هالتعب الكلّ وبصراحة أسبوع كامل في أمريكا ياسر عليا، توحشت تونس”.
ومتلازمة تونس هي أيضا أن تجرؤ على إشهار تونسيّتك في وجه العالم رغم يقينك بأن صورتك علقت بها بعض الأوحال خاصة خلال السنوات الأخيرة وأن جوازك بات أحيانا مسترابا واسمك مدعاة للشبهة والارتياب.
إن أفضل ما نطق به الشعراء في متلازمة تونس هي آخر قصيدة للشاعر العاشق لتونس الأعماق الأستاذ لزهر الضاوي والتي يقول مطلعها :
هي فنانة تشكيلية تونسية اختارت أن تنتهج مسارا فنيا يجمع بين روح البحث والمغامرة حيث الفن والابداع وعبر علاقة تجمع بين شغف الفن وعمق الجانب الأكاديمي، وذلك عبر أنشطة متعددة منها البحث العلمي والمعارض منذ موسم سنة 2005 الى حد اليوم لتؤثث معرضا لانتاجاتها بباريس وبفضاء سيدي علي عزوز بنابل ومعرض الربيع لبول كلي بالمركز الثقافي الدولي بالحمامات وبقصر خير الدين بالمدينة العتيقة بتونس ومعرض تكريم الفنان الراحل عبد الرزاق الساحلي بالمركز الثقافي الدولي بالحمامات ومعرض جماعي للمعهد العالي للفنون الجميلة بنابل وورشة عمل الإبداع بالمعهد العالي للفنون والحرف بسليانة والمعرض الجماعي “الإبداع الفني”للأكاديمية العربية للفنون الجميلة والمعرض الجماعي للاتحاد العالمي للفنانين التشكيليين العرب بالعراق والمعرض الشخصي بالمركز الثقافي بئر الأحجار بمدينة تونس العتيقة والمعرض الجماعي للمنتدى الدولي للفنون التركية العربية بتركيا ومعرضها الشخصي “الصمود”تضامنا مع الحق الفلسطيني وغزة بفضاءات المركز الثقافي بئر الأحجار بتونس.
والى جانب خبراتها الفنية تتعدد أنشطة د. ضحى علية كمحاضرة وباحثة في المعهد العالي للعلوم الإنسانية بجندوبة ومدرّسة بالمعهد العالي للفنون والحرف بمدينة سليانة ومكونة ضمن(رسومات الحاسوب) في مركز تكوين “بلا حدود” بمدينة نابل لتتوّج المسيرة بحصولها خلال سنة 2022 على دكتوراه في دراسات السينما والسمعيات البصرية والوساطة الفنية وتقنيات الفنون في تخصص تقنيات الفنون لتخرج بخبرتها الاكاديمية الى العالم المفتوح والعام من خلال تنظيمها ومشاركتها في معرض تكريم الأديب محمد البشروش بالمركز الثقافي دار شعبان بولاية نابل و معرض “الزلباني” بمركز ابن خلدون الثقافي بتونس، كما أدارت نادي الرسم بالمركز الثقافي بنابل.
اما بالنسبة لمنشورات ضحى علية ومحاضراتها، فمنها مشاركتها في أشغال عدة ندوات دولية بتونس والمغرب والجزائر واسبانيا بمحاضرات حول معنى الحقيقة في الفيلم الوثائقي”محبة فنسنت” و”فان غوغ بين الواقع والافتراضي” و”الفيلم الوثائقي:الجماليات والمعنى” و”تحويل الواقع التصويري إلى صورة سينمائية من خلال أعمال فان غوغ”، و”الإبداع في العمل في الأدب المعاصر” و”أهمية المعنى في لوحات فان غوغ في العالم السينمائي والرقمي” و”الحضور الدائم للتراث الإفريقي في الفن المعاصر من خلال التهجينات الذاتية لدى أورلان” و”عوالم أنثروبولوجيا في فنون إفريقيا: خصائص الثقافات المتعددة والشعوب المتجذرة”.
وتعتبر الفنانة الدكتورة ضحى علية ان”الفن التشكيلي مجال ابداع و بحث وفق أسئلة الذات حيث الذهاب الى جواهر الأشياء استكناها و قصّدا للكامن في الذات من نظر وحلم وتأويل تجاه الواقع بما ينطوي عليه من عناصر تطرح خصوصياتها الطبيعية والجمالية الدالة على الأهمية والقيمة قولا بالقراءة و التفحص. انها سيرة الفن في كونه الترجمان و المحيل الى عوالم من دهشة الحال وما يحف بها من ممكنات هي العبارة في تجلياتها و ابداعها بعين فنان. هي عين القلب لا عين الوجه”
والمميّز في أعمال ضحى علية التشكيلية ان التجريب يبرز كعنصر متحرك في ذاتها، يأخذها الى مناطق من التخييل والابتكار مرورا بأطوار باحثة عن بناها المتجددة فسرديات مختلفة ..و في هذا السياق يمكن النفاذ الى تجربة الفنانة الدكتورة التي سعت في تمشيها الجمالي الى الاشتغال على تعبيرية فنية مخصوصة فيها الكثير من الافصاح عن ممكنات العلاقة بين الفن التشكيلي وفن آخر يشترك معه في الجمالية وهو الفن السينمائي حيث الصورة والمشهدية الجمالية.
هذا التميّز هو عصارة تجربة سنوات تقول عنها صاحبتها التي تعددت معارضها الفنية بين جماعية وشخصية منها مشاركتها مؤخرا مع فنانين وفنانات في رواق بباريس وضمن عنوان”اشراقة تونسية” ومشاركاتها العلمية والفكرية عبر مداخلات في اختصاصها الفني ضمن ملتقيات معنية بالفن وجوانبه الابداعية و الأكاديمية. وتقول عنها إنها “تجربة تتميّز بالتفرّد والتنوّع، حيث سعيتُ جاهدة إلى استكشاف مختلف التقنيات الفنية، بدءا من التقنيات التقليدية مثل الرسم والحفر والتصوير الفوتوغرافي، وصولا إلى التقنيات المعاصرة والحديثة، وفي أعمالي الأخيرة، حاولت المزج بين هذه التقنيات المختلفة، إيمانًا مني بأن هذا التداخل يساهم في خلق ثراء بصري وتقني ومفاهيمي أعمق، كما أسعى دائمًا إلى البحث التشكيلي في مجال العلم المرئي، لما ينطوي عليه من غموض ودلالات مفتوحة تتيح إمكانات واسعة للتأويل والتجريب، وتشكل فضاءً خصبًا للتعبير الفني. الى جانب هذا أهتم بموضوع التهجينات والتداخلات الفنية وخاصة تجلياتها في مجال الفنون البصرية والسينما”.
اما عن بحثها الاكاديمي فتضيف” يندرج بحثي ضمن تفكير نظري وجمالي حول الانتقال من الصورة التشكيلية إلى الصورة السينمائية، متخذًا من أعمال فنسنت فان غوغ مرجعًا أساسيًا، باعتبار أن لغته التشكيلية تمثّل مجالا خصبًا للتجريب والتفاعل بين الفنون. وفي إطار أطروحتي اشتغلتُ على التداخلات الفنية بين الرسم والسينما، من خلال تحليل الكيفيات التي يتمّ بها استملاك لغة فان غوغ التشكيلية وتحويلها وتحريفها داخل كتابة سينمائية معاصرة، حيث لا يتعلّق الأمر بمجرد اقتباس أو تمثيل للوحات، بل بعملية ترجمة جمالية عميقة، تتحوّل فيها اللمسة اللونية، والمادة، والإيقاع التشكيلي إلى عناصر بنيوية في السرد السينمائي”.
وقد اعتمدت في هذا السياق على التجربة الفيلمية لكلٍّ من “دوروتا كوبييل” و”هيو ويلشمان” وخاصة فيلم” Loving Vincent”الذي يقترح مقاربة فريدة للوثائقي المتحرّك. اذ من خلال تقنية تقوم على رسم كل لقطة من لقطات الفيلم يدويًا بأسلوب فان غوغ، يقدّم المخرجان شكلا من السينما التشكيلية، حيث تندمج الصورة السينمائية مع اللوحة المتحركة، وهكذا يصبح الفيلم فضاءً للتهجين، تكتسب فيه اللوحة بعدًا زمانيًا وحركيًا خاصًا بالسينما. وقد قمت بتحليل هذه التجربة بوصفها شكلا من التداخل الفني، حيث يدخل نسقان جماليّان مستقلاّن وهما الرسم والسينما، في علاقة تفاعل وتراكب وتحويل متبادل. ذلك ان الفيلم لا يكتفي بتمثيل أعمال فان غوغ، بل يقوم بإعادة تفعيلها ومنحها مادّية جديدة وأفقًا مختلفًا للتلقي، ويمكن النظر إلى هذه العملية بوصفها نوعًا من بعث جديد للعمل الفني ينتقل فيه من الفضاء المتحفي إلى جهاز سينمائي غامر، كما يقودني هذا البحث إلى طرح جملة من الإشكالات النظرية الأساسية، من بينها مسألة تحوّل العمل الفني عبر الاقتباس، وإعادة النظر في مفهوم المؤلف، وتحولات وضعية الصورة بين ثباتها التشكيلي وحركتها السينمائية، إلى جانب دور التقنيات المعاصرة في إعادة تشكيل الممارسات الفنية”.
وأضافت الدكتورة أنه من خلال هذه الدراسة “بيّنت أن التداخلات الفنية لا تقتصر على تقاطعات شكلية فحسب، بل تشكّل فضاءات حقيقية للإبداع وإعادة ابتكار اللغات الفنية، حيث تغدو أعمال فان غوغ في هذا الإطار، مجالا تجريبيًا مميّزًا، يكشف قدرة السينما على استيعاب الذاكرة التشكيلية وتحويلها وإطالة أمد حضورها”.
وبهذا تنحت الدكتورة ضحى علية مسيرتها الفنية والابداعية والعلمية لتواصل التوغل في تجربتها بحثا وإبداعأ في تلازم بين الابداعي و العلمي وفي توق للآفاق الممكنة عبر المغامرة في عالم متغير ومتعدد ومتسارع المستجدات والمستحدثات التقنية والفكرية و الابداعية.
ما يُبهرني شخصيا في رؤية ألبير جاكار لما يسمّى بالموهبة هو جُرأته العلمية وتفرّده برؤى تحليلية تخرج عن المألوف لتترك مجالا واسعا للتّنسيب وموقعا يليق بالأطفال المختلفين وكل أولئك الذين تضعهم التصنيفات العلمية المزعومة (كما يقول هو) على هامش الذّكاء والنّبوغ وتُعطيهم فرصة للتميّز مهما كان ملمحهم ومستوى نتائجهم المدرسية وترتيبهم في المناظرات والاختبارات.
<strong>منصف الخميري<strong>
كثيرة هي الأدبيات التربوية والعلمية التي تحدّثت عن هذا الصنف من الأطفال، فيطلقون عليهم تسمية الأطفال الموهوبين تارة أو الأطفال ذوي الإمكانيات العالية enfants à haut potentiel تارة أخرى أو كذلك الأطفال ذوو الذكاء المُبكّرprécoces . لكن عالم نفس النمو وأستاذ علوم التربية الأمريكي هوارد غاردنر شكّك في نهاية سبعينات القرن الماضي في إمكانية وجود الذكاء الواحد والكوني لأنه لا يعدو كونه “اقتدارا خصوصيا يتمثل في فهم الأشياء” وبالتالي لا مناص من تصريف الذكاء في الجمع في إطار ما أسماه بنظرية الذكاءات المتعدّدة … وذلك في 8 مجالات أساسية متنوّعة (الذكاء اللغوي والذكاء المنطقي الرياضي والذكاء الموسيقي والذكاء البصري الفضائي والذكاء البدني الحركي والذكاء العلائقي والذكاء البيئي والذكاء العاطفي).
وهذا نصّ الحوار الذي أجرته مجلة نوفيل أوبسرفاتور مع ألبير جاكار (أوت 2013).
الأطفال الموهوبون، هل تؤمنون بوجودهم، نعم أم لا ؟
لا طبعا، أنا لا اومن بذلك مُطلقا، وسبق لي أن تصادمت في هذا الخصوص مع عالم السلوكيات ريمي شوفان الذي نشر سنة 1975 مؤلفا أطلق عليه “النوابغ”. لا يمكن حسب نظري أن يوجد نوابغ وذلك لسببين : أولا في كلمة نوابغ surdoués هناك “أعلى” بمعنى متفوق وما يتبع ذلك من تصنيف و تراتبية، لكن النابغة هو أعلى من ماذا أو مِن مَن ؟ عندما نفكر بأن هذه التراتبية هي مبنية على مقياس وحيد وهو قيس حاصل الذكاء QI المزعوم، ندرك سريعا أن الأمر متعلق بفكرة مجنونة. قيس الذكاء ؟ ادعاء تحويل هذا الواقع متعدد الأشكال إلى رقم حزين ؟ هذا غباء. ثم لماذا مثلا لا نؤسس حاصلا للجمال QB ؟ عندما أقترح هذا، الناس يبتسمون هازئين. لكن على الناس الذين يردّون الفعل على هذا النحو أن يهزؤوا بنفس الطريقة من حاصل الذكاء.
والسبب الثاني ؟
آه نعم. في كلمة موهوب أيضا هناك “النبوغ” doué. أي المتمتع بموهبة. من وهبه هذا النبوغ ؟ الطبيعة بالتأكيد. الكنديون ابتدعوا كلمة douance بمعنى القدرة على النبوغ (قليلا أو كثيرا). وبما أن كل ما تمنحنا إياه الطبيعة يكون مسجلا في جيناتنا، فيجب الاعتقاد بأن هناك جينات مسؤولة عن الذكاء (جينات للذكاء). بينما ليس هناك إلا جينات للغباء تدمر العقل. لكن الغباء ليس نقيض الذكاء لأن الغباء مرض. بنفس المنطق هناك قنابل “شريرة” أو كريهة باستطاعتها على سبيل المثال تدمير قصر فرساي ولكن لا وجود لقنابل “طيبة” تكون قادرة على إعادة بنائه بواسطة جينات الذكاء فقط. الجينات ليس لها أي علاقة بترابطية توصيل الخلايا العصبية.
هناك على كل حال – وهذا شيء بارز في المدرسة مثلا- تلاميذ لامعون أكثر من غيرهم ؟
نعم لقد قلتها بنفسك : لامعون. لكن هل يعني ذلك أنهم أذكياء ؟ الذكاء هو مَلَكة الفهم. بينما أن تفهم شيئا ما بشكل حقيقي هو دائما مسار طويل. الذكاء الحقيقي هو أن تفهم كونك لم تفهم. و المثال النموذجي هو إنشتاين عندما كان تلميذا بنتائج مدرسية هزيلة لم يكن بالتأكيد طفلا موهوبا ولكن أتصور أنه لا أحد باستطاعته الادعاء أنه لم يكن ذكيا. لكن أن نفهم كوننا، “لم نفهم بعدُ” هو شيء أكثر ذكاء من الاعتقاد بأننا فهمنا. وهي خاصية الطفل الذي يزعم أنه موهوب. هذا الأخير يتميز خصوصا بالثقة في النفس وبالتعوّد على فرض نفسه أو القدرة على الظهور. هي ببساطة مسألة مغامرة اجتماعية.
حدث ذات مرة أن ألقى عليّ شاب عمره 14 سنة في إعدادية “ذات منسوب عال من المشاكل” بالضواحي الباريسية السؤال التالي “سيدي، هل يستطيع المرء أن يصبح عالم جينات إذا كانت لديه سوابق عدلية ؟“
سؤال أربكني جدا. هذا الشاب لم تكن لديه سوابق عدلية… لكنه كان يدرك أن ذلك آت لا محالة. لم يكن تلميذا متفوقا أو لامعا لكنه توصل إلى فهم العديد من الأشياء. الذكاء هو دائما تتويج لمغامرة فردية، مضمّخة بمؤثرات خارجية، وهو أمر لا علاقة له بعلم الجينات أو علم الوراثة.
لكن كيف نحدد الذكاء وما هي طريقة تشكّله ؟
يمكن أن نربط الذكاء بعدد التشابكات العصبية ؟ أو الترابطات بين الخلايا العصبية ؟ بينما هناك حوالي 100 مليار من الخلايا العصبية مترابطة من خلال حوالي 10 ملايين من مليارات التشابكات العصبية. يتضح إذن للحين أن علم الجينات يعجز تماما عن التدخل في كل هذا. 30 مليونا من التشابكات تنشأ في كل ثانية، فكيف تريدون من البرنامج الجيني أن يراقب ظاهرة على هذا النحو من التعقيد؟ وبالضرورة فإن تشكل هذه التشابكات العصبية محكوم بالمعلومات والمؤثرات المتأتية من الخارج. و بالتالي فإني أعتقد مثلا في هذا الخصوص أن المداعبات المتأتية (أو لا) من الأم تلعب دورا هاما في بناء الذكاء وتشكله.
هل تقصدون أن الأطفال الموهوبين هم الذين تمتعوا بملاطفات من أوليائهم بشكل أكبر أو أفضل من نظرائهم ؟
ذلك مجرد وجه من وجوه المسألة. بشكل أعمق، أعتبر أن الأطفال الذين يتم وسمهم بالموهبة هم أطفال أسرع من الآخرين في علاقة ببعض المواضيع. و لكن السرعة هي مجرد مكون من مكونات ما نسميه بالذكاء. ليس ثمة أي داع للاعتقاد أنها المكون الأكبر. ما الفائدة من فهم شيء ما وتمثّله في سن الـ13 قبل سن الـ 15 أو الـ 18 ؟ المهم هو أن ننتهي إلى الفهم، وبصفة عامة عندما تقول “سريعا” قد يعني ذلك “سطحيا”، الموهوبون هم أناس سطحيون.
للأسف، هنا كما في مناطق أخرى من العالم، نحن نستسلم لهذه الموضة العبثية : تثمين السرعة، المسيطرة على المجتمع الحالي. لنتوقف عن الخلط بين السرعة والتتويج أو المنتهى لأننا نعرف منذ زمن بعيد أنه لا فائدة من الجري… أنا الذي أدرّس علم الجينات لطلبة السنة الأولى طب، أكتشف على سبيل المثال أن الفتيات (في المعدّل) أفضل من الذكور. هل يعني ذلك أن الذكور أقل ذكاء ؟ أعتقد أن هنالك تفسير منطقي أكثر : في هذه السنّ بينما تكون الإناث بصدد التفكير بدراستهن يكون الذكور بصدد التفكير بالفتيات.
*ولد ألبير جاكار في ديسمبر 1925 وتوفي يوم 11 سبتمبر 2013 بباريس.
من مؤلّفاته : الله؟ تربية بدون سلطة ـ صحراء ـ سعيد مثل طفل يرسم ـ أتهم الاقتصاد المنتصر ـ إليك أنت ايها الذي لم تولد بعد ـ محاولات في صفاء الذهن ـ أنا من أين أتيت ؟ أنا والآخرون ـ طوباويتي ـ بعض الفلسفة لغير الفلاسفة ـ في تمجيد الاختلاف…
حطام تمثال الشابي في عين دراهم أو آثار القدم الهمجية
سياسيّا :
“عادة ما يَختزل رجل السياسة حياته ونظرته للحياة في بعض الجمل التبسيطية التي يتكئ عليها ليفهمه العامة ويتعاطفوا معه، بحيث لا يجلب الجمهور بواسطة البراهين بل يُغريه بواسطة المقولات الجاهزة” (الروائي البلجيكي فرانك أندريات)
<strong>منصف الخميري<strong>
أعتقد أننا بحاجة أكثر من ماسّة اليوم إلى الحسم والبتّ نهائيا وبسرعة في كل المُتخلّدات بذمّة العشرية الضالة والآسنة وكل ما اعتراها من شبهات تواطؤ مع أعتى المخابرات وما ضلعت فيه من رصد لأفضل الأسطح لممارسة القنص المهيّج واستيلاء على أراض ومبان واقعة في مناطق الغموض العقاري والتحضير العسكري الجدي لبناء مجتمع جديد يكون فيه الحديث عن “قُصّوا الشوارب واعفوا اللحي” أكثر استراتيجية من “علّموا أطفالكم الثقة بالنفس وقبول الآخرين باختلافاتهم”…وتعقّب كل من ساهم في إلحاق نسيجنا الاقتصادي بالعواصم التي أغدقت عليه ريعا بلا حساب… والمرور بعد ذلك فورا إلى “تطبيع” الحياة السياسية والانطلاق في العمل دون هوادة على كل الجبهات وكأننا خرجنا لتوّنا من حرب مُدمّرة.
ثقافيا :
لدينا في تونس مواقع أثرية وحضارية نادرة جدا على المستوى العالمي تُضاهي أبو سنبل مصر وبيترا الأردن وماتشو بيتشو البيرو … فقرطاج التي تؤثّث كتب التاريخ في أغلب بلدان العالم باستطاعتها أن تكون وجهة الانسانية بأسرها، وينسحب هذا على مسرح الجم وقصور تطاوين وعين الذهب بجبل السرج ومتحف باردو (ثاني أشهر متحف افريقيّا بعد المتحف المصري) … ولكن أضواءها مُطفأة والترويج لها منكدة.
من ناحية أخرى، عندما تشاهد وضع المنازل التي سكنها أو المواقع التي مرّ بها كبار شعرائنا وأدبائنا ومُبدعينا والحالة الرثّة التي باتت عليها تلك البيوت والأماكن المُهملة، ينهال عليك شعور بأنك تعيش في بلد يقتات من أكل أجداده والتنكيل بهم واصطياد بؤر الضوء في تاريخه ليخنقها ويخمدها.
تربويا :
بدلا من التفكير بالأسوإ في منظومتنا التربوية (تفاقم ظاهرة الانقطاع واستشراء ترويج “الأقراص” غير المزيّفة في الوسط المدرسي وتدني المكتسبات المعرفية وتراجع أداء المدرّسين…)، دعونا للحظة نُفكّر بالأنصع والأمتع حيث أن المدرسة التونسية التي أنجبت مهندسين أكفاء يجوبون العالم وأطباء مقتدرين تعترف بمهارتهم مستشفيات الكون والعديد من الأكاديميين المتألّقين في جامعات ومخابر البحث عبر عواصم المعمورة… نفس هذه المدرسة تظل قادرة على الاستمرار في تأدية وظيفتها تلك لو تتوفر نفس الإرادات الفولاذية التي أرست دعائمها عبر التاريخ. هذه جريمة في حدّ ذاتها أن ندع سقف مدرستنا يتهدّم أمام أعيننا خاصة على رؤوس الفقراء ومتوسّطي الحال لأن هنالك آلاف العائلات التي بمقدورها إيواء منظوريها تحت أسقف أخرى.
اجتماعيا :
طفل يبلغ سن السادسة عشر ولا يعرف الفرمبواز والجينواز وشابّة مزهوّة بقدّها لا تفرق بين الدودون والبومبرز والباركا واللاغينغ وشاب لم يفكر يوما باستخراج جواز سفر لأنه لا يحلم بعبور المتوسط إلا حارقا أو محترقا وتونسيون ينامون بنفس الملابس التي اشتغلوا بها نهارا وعاملات فلاحيات تنام الديكة أكثر منهنّ وتلميذ في مدرسة نائية يستخدم كل ذكائه ليفلت من حصة الفحص الطبي الجماعي لكي لا يكشف عن بطنه التي علق بها بعض الحشن لغياب الماء في منزل والديه وتلميذة يُفرض عليها أن تُفتّق لغتها الغضّة حتى تقول “عْملنا soupe في العشاء” وليس حساءً حافيا غير متبوع بأي شيء، و”أبي يجلب السلع من الخارج حتى لا تقول مُهرّب”… كلها عناوين لدولة بغلة ارتقت سياساتها المتتابعة بحفنة من الناس وتركت أغلبيتنا العظمى نسفّ التراب والسراب. (سفّ الدقيق أي تناوله يابسا غير معجون).
ديبلوماسيا :
من المؤكد أن الموقف المؤيّد لوضع العشرية الكبيسة بين مُعقّفين أقرب بكثير إلى الوجاهة من الموقف المنادي بالرجوع إلى حلبة الصياح والنباح والتراشق بالرماح، وبالتالي فإن مهمة إقناع العالم بأن لا أحد أبكاه غلق البرلمان من التونسيين سوى بعض الذين ساءهم “عدم استكمال إجراءات الحصول على رخصة صيد أو ما يعادلها”…لم تعد بالمهمة الصّعبة. يكفي إذن أن تُكلّف نخبة صادقة من الفنانين والرياضيين الدوليين وقدماء الديبلوماسيين وكبار الجامعيين المعروفين عالميا بنقل ما أصبح عليه مزاج التونسيين غداة 25 جويلية وحالة الارتفاع المهول في عدد المترددين على عيادات الطب النفسي في القطاعين الخاص والعام جرّاء مشاهدة فطريّات الديمقراطية وعطن المسار الديمقراطي طوال النهار على امتداد سنوات طويلة…حتى يقتنع العالم بأسره بأننا لا نبحث عن أكثر من استرداد بلدنا الذي خفتت ألوانه واختلّت أوزانه واستقصروا حيطانه خلال العشرية الماضية. (تذكروا في هذا الخصوص ما فعله بورقيبة الإبن وصديقه فرانك سيناترا لفائدة تونس أيام اعتداء حمام الشط أو ما فعله السفير الوسيم الشريف قلال مع عائلة كيندي لفائدة جبهة التحرير الوطني الجزائرية إبان الاستقلال).
تعليق واحد