تابعنا على

جور نار

إفريقيا لبعض التونسيين: أبنائي الأعزّاء … شكرا !

نشرت

في

يوم أفريقيا.. احتفال عالمى بتأسيس الاتحاد الأفريقى.. وإحياء لخطط تطوير  القارة - اليوم السابع

 فكّرت طويلا هذا الأسبوع قبل أن أكتب … فما فائدة الكلام أمام الهيجان الشعبي الحاليّ و أمام ما نعيشه من تشنّج و توتّر على جميع المستويات… و لكن  و أمام ما شاهدته من فيديوهات لا إنسانيّة و ما تابعته من صيحات فزع و ما طالعته من كتابات و تعاليق إقصائية متطرّفة، قررت أنّي نعبّر و ما  هي إلا بعض ملاحظات أكتبها و أمضي …

<strong>عبير عميش<strong>

ملفّ الأفارقة من جنوب الصّحراء (الإجصيون كما يطلق عليهم) هو ملف متشابك يتداخل فيه الأمني مع الإنساني و الاقتصادي مع الاجتماعي و الحقوقي مع الثقافي و لابدّ من مراعاة هده الجوانب في التعامل معه

إنّ الحرص على الأمن الوطني و سيادة البلاد و احترام قوانينها من البديهيات التي لا جدال فيها و لا يمكن لأحد أن يرفضها، و لكنّ ذلك يمكن أن يتحقق دون التنكيل بالآخرين و تعريضهم للخطر … و قد كان بإمكان وزارة الدّاخلية و مختلف المصالح المعنيّة  تطبيق القوانين و معالجة الأمر على الميدان و التعامل مع الإجصيين  بطريقة تدريجية دون بروباغندا و إثارة للرّأي العامّ و دون  انتهاك لكرامتهم، و ذلك بالتنبيه على من لا يملكون وثائق قانونيّة منهم و إمهالهم فترة معقولة لتسوية وضعياتهم  و تيسير الإجراءات الإداريّة عليهم للتسريع  في ذلك، و التخاطب مع سفراء بلدانهم بطريقة دبلوماسية تضمن تدخّلهم و تعاونهم لحلّ الأزمة و  تحفظ لتونس حقوقها و صورتها أمام الرّأي العام الدّولي .

و إنّ  محاربة شبكات الاتجار بالبشر أمر ضروري دفاعا عن  البلاد من ناحية و حماية لإنسانية الإنسان من ناحية أخرى . و هي شبكات دولية ممتدة و ظاهرة عالمية منتشرة تحتاج تعاونا و حشدا أمميا  في أجواء أكثر هدوءا  … و كان بإمكان تونس التصرّف بطريقة براغماتية  تحمي حقوقها و تضمن مصالحها، و ذلك باستعمال هذه الظاهرة كورقة ضغط على البلدان الأوروبية التي تريد منا لعب دور شرطي البحر الأبيض المتوسط و حارس حدوده الجنوبية  … و لكنّ التشنّج الشعبي و الرّسمي جعل صورتنا تهتزّ لدى الأمم الأخرى و صرنا رسميّا بلدا عنصريّا  ينتهك حقوق الإنسان

بلاغ رئيس الجمهوريّة  بداية هذا الأسبوع – و إن تراجع عنه نسبيّا في لقائه منذ يومين بوزير الدّاخلية – ضاعف من النزعة العنصرية لدى الشعب التونسي و ساهم في إذكاء حملات التجييش ضدّ الإجصيين و أضفى مشروعية على تصرّفات البعض و همجيتهم، فاعتدوا على الأجانب و أطردوهم من بيوتهم ليلا وسلبوهم أموالهم و أتلفوا أمتعتهم و أحرقوها أو افتكوها، و اعتدوا عليهم في وسائل النقل العمومي ماديا و لفظيا حتى من كان منهم يحمل أوراق إقامة قانونية – بل إنّ الاعتداءات  طالت حتى أصحاب البشرة السوداء من المواطنين-  و تمّ التعامل معهم جميعا على أساس أنّهم مجرمون يقتلون و يسرقون و يعتدون على السكان، و  يرغبون في افتكاك بلادنا و تغيير ” تركيبتنا الديموغرافيّة ” و ثوابتنا و عاداتنا و تقاليدنا، و وُضِعوا جميع في نفس السلّة  و أُخِذ الجميع بجريرة البعض و صار العقاب جماعيّا لتصرّفات فرديّة .. و كأنّ المواطنين  ملائكة ليس فيهم من يعتدي و يسرق و يغتصب و يقتل …

أ لم يفكر الرئيس قبل إصدار بلاغه في وضع الشركات و المؤسسات التونسية في الدول الإفريقية ؟ أ لم يفكّر في أمن جاليتنا من عمّال و خبراء في البلدان الإفريقية و في ردّة فعل هذه البلدان و شعوبها؟  أ لم يفكّر في صورة تونس و التونسيين في العالم ؟ أ لم يتوقع أن تندد البلدان الإفريقية بما ورد في بلاغه ؟

تونس التي كانت تحظى بسمعة ممتازة  في مجالها الإفريقي نظرا إلى دبلوماسيتها الناجحة و دفاعها عن قضايا التحرر، و كفاءات أبنائها و سمعة تعليمها و جامعاتها التي تخرّج منها عديد الأفارقة الذين يحتلون اليوم مناصب مهمة و سيادية في بلدانهم، و يعترفون بجميل تونس و يدافعون عنها و يعتبرون سفراء غير رسميين يحسنون الترويج  لها و لصورتها…  و في الوقت الذي يطلب فيه كلّ العالم ودّ إفريقيا  باعتبارها سوقا مازالت قادرة على التّطوّر و تحقيق النّموّ، و تتصارع الدّول و تتسابق على وضع استثماراتها في البلدان الإفريقية، صارت تونس اليوم نموذجا سيّئا  و محلّ تنديد من بلدان الجوار بدل أن نعمل على توطيد علاقاتنا بهده الدّول و على توظيف وجود أبنائها لمصلحتنا، وأن نسوي وضعياتهم دون لغط أو إثارة للرّأي العام

أ لم يفكّر الرئيس و باقي المسؤولين في وضع المهاجرين التونسيين  غير الشرعيين في أوروبا؟ أ لم يغادر عشرات الآلاف في السّنة الماضية وحدها نحو صربيا و السواحل الإيطاليّة؟ أ  نرضى أن يعامَل أبناؤنا بنفس الكيفيّة و أن يقع استغلالهم و تجييش الرّأي العامّ في بلدان إقامتهم ضدّهم؟ أ لا نخشى عليهم من صعود الأحزاب اليمينية المتطرّفة و من التضييقات التي تسلّط عليهم؟ أ لم يرتكب أبناؤنا جرائم في حق الأوروبيين في بلدان إقامتهم؟ هل نرضى بأن يوصم كلّ مهاجرينا بالإجرام أو الإرهاب و يتحمّلون ذنبا لا يد لهم فيه؟    أنرضى أن يطردوا من أعمالهم أو يلقى بهم إلى الشارع كردّة فعل على تنامي أعدادهم أو أخطاء بعضهم ؟

حسب الأرقام الرسمية المعهد الوطني للإحصاء  لسنة 2020، عدد الأجانب في بلادنا لم يبلغ 60 ألف و عدد الأفارقة من دول جنوب الصحراء يقدّر بـ 21 ألفا و 500   بين مقيمين شرعيين و غير شرعيين .. و حتى و إن تضاعف العدد في السنتين الأخيرتين بسبب تنامي ظاهرة الهجرة و بسبب الظروف الإقليمية و السّياسية  فإنّ الرقم لا يمكن أن يشكّل خطورة بدرجة ما تمت إثارته من جدل … و هو نفس العدد تقريبا للمقيمين من دول المغرب العربي فلماذا لم يتحرّك الشعب ضدّ باقي الجنسيات من عرب و أجانب؟  أم لأنّ لونهم غير مميّز و لا يمكن التفطن إليهم و إلى أعدادهم بسهولة ؟

في مثل هذه الأيام من السنة المنقضية كان الشباب التونسي مستعدّا لاستقبال الروسيّات والأوكرانيّات الهاربات من الحرب .. نفس الشعب كان منذ أيام قليلة مستعدّا أيضا لاستقبال السّوريات و التركيات  لإيوائهنّ بعد أن هدم الزلزال بيوتهنّ … نفس هذا الشعب  أيضا تثور ثائرته اليوم ضدّ الأفارقة من جنوب الصّحراء و لا أدري كيف يمكن أن يفسّر علماء النّفس و الاجتماع هذه الازدواجية في الخطاب و التعامل

و لكنّ الأكيد أننا شعب يقطر عنصريّة و ما يحصل هذه الأيام ليس اكتشافا بل تأكيد لحقيقة مرّة .. في البلد الذي لا يتجاوز عدد سكانه سكّان عاصمة من العواصم الكبرى أو ضاحية من الضواحي الصينية و لا تتجاوز مساحته مقاطعة من مقاطعات بعض البلدان

نقطر عنصريّة في بعضنا البعض و بين جهاتنا فلا نقبل أن يتزوّج ابن المدينة من ابنة الرّيف و لا ابن الجنوب  من ابنة الشمال و لا ابنة السّاحل من ابن الدّاخل و لا ابن العرش الفلاني من ابنة العرش الفلتاني … و أحيانا يرفضون حتى تشغيلهم أو تأجير منازلهم لهم و إلاّ فمن أطلق عبارات من نوع كاجيبي و زيرويت و جبري و قعر و  نزوح و من وراء البلايك و من أطلق نعوتا من نوع الساحلي بيه و الصفاقسي عليه و الجربي كذا  و الجماعة هاذوكم حاشى دين الإسلام (أو حاشى المحل) و الجماعة الأخرين سرّاق و غيره و غيره .

فإذا كنّا نتصرّف بهذه العقليّة فيما بيننا  و نحن أبناء بلد واحد فكيف نستغرب تصرّفاتنا مع أصحاب جنسيات إفريقيا جنوبي القارة؟

أكمل القراءة
تعليق واحد

تعليق واحد

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار