جور نار
إلى أين يأخذنا انقلاب قيس سعيد … أم ينقلب قيس على سعيّد؟
نشرت
قبل 3 سنواتفي
من قبل
محمد الأطرش Mohamed Alatrashأين نحن ذاهبون بما يأتيه ساكن القصر؟ هل سيأخذنا الحقد إلى ما لم نكن نريده، أم سيغلب العقل والمنطق ساكن قرطاج درءا للأسوأ؟ سيقول البعض ماذا تقول يا هذا وماذا تهذي؟
أقول إننا فعلا في نفق مظلم قد لا نخرج منه أبدا، فرئيسنا يعيش أكبر ورطة عرفها في حياته، ولن ينجح في الخروج منها دون أن يحكّم فعلا عقله، وأن يبتعد عمن حوّلوا وجهته إلى أكثر مما كان يريد وينوي…فمن حوّل وجهة رئيسنا يا ترى؟ الإجابة في غاية البساطة، من صفقوا له ومن صرخوا باسمه طويلا هم من حوّلوا وجهة الرئيس إلى دائرة الانتقام والثأر والتصرّف كأنه السلطان أو الإمبراطور الذي يملك نصف البلاد والعباد…
قيس سعيد يعيد نفس الخطأ الذي وقعت فيه معارضة بن علي سنة 2011، فمعارضة بن علي لم تكتف بإصلاح أوضاع البلاد والبحث عن حلول لمشاكلها ومشاغل شعبها بل بحثت عن الانتقام والثأر لنفسها، ولجميع قواعدها من كل من انتموا وخدموا منظومة بورقيبة وبن علي…فجاءت بسهام بن سدرين وفرحات الراجحي وبعض الأغبياء والحمقى أمثال عماد دغيج وريكوبا وعاثوا في البلاد فسادا بمساعدة اتحاد الشغل الذي أطلق العنان لحقده الدفين، وحرّر مبادرة الانتقام لقواعده، من خلال روابط حماية الثورة المزعومة…فسحلت كفاءات البلاد، ووقع طرد أغلب من كانوا يشرفون على أكبر المؤسسات العمومية، وانتقمت من الصفوف الأولى والثانية والثالثة من كفاءات الإدارة التونسية، ثأرا منها ومن انتمائها وعملها مع منظومة بن علي، وجاءت بالصف الرابع والخامس وأهدتهم أغلب المواقع العليا التي لم يحلموا بها سابقا فأعلنوا مقابل ذلك البيعة، والولاء للحاكم الجديد النهضة ومن معها…
ثم أعلن علي العريض وبمساعدة من الاتحاد حملة واسعة لتسوية وضعيات كل القطاعات فاصبح العامل البسيط متصرفا عاما…والرقيب العادي في المؤسسة الأمنية ملازما والملازم عقيدا، فغرقت ميزانية البلاد في وحل خلاص الأجور، وانتفخت كتلة الأجور إلى أن وصلت سنة 2020 إلى حجم ما كانت عليه ميزانية الدولة سنة 2010… وهكذا سقطت البلاد في نفق لم تخرج منه إلى يومنا هذا…فمنظومة النهضة ومن معها لم يحققوا ولو وعدا واحدا من وعودهم لمن خرجوا آخر سنة 2010 وبداية سنة 2011 على منظومة بن علي…فلم يتغيّر حال العاطلين ولا حال المظلومين، بل ساءت كل أمور البلاد وتدهورت أوضاع كل العباد، فتضاعف عدد العاطلين وغرق الآلاف منهم في المتوسط بعد ان اختاروا الموت هربا من جحيم بلاد احتلها التتار، أما “الطرابلسية” عنوان فساد عهد بن علي كما يسمونهم، فقد دخلوا السجون وافلست مؤسساتهم بعد أن جاء لإدارتها “طرابلسية جدد” ممن لا يفقهون في إدارة شؤون الدولة والمؤسسات..
أما الاتحاد فقد حرر المبادرة لفروعه الجهوية والمحلية للتصرف في البلاد والعباد كما يحلو لهم وكما يريدون…فاصبح الفساد “مهيكلا” و”منظما” و”مؤطرا” ومعترفا به، وأصبح الاتحاد خلال عهدتي العباسي والطبوبي حاكما بأمره يفعل ما يريد كما يريد حيث يريد …فالاتحاد لم يترك حكومة واحدة لم يساومها ولم يهددها بالإضرابات، وبمقاطعة العودة المدرسية، وبغلق مواقع الإنتاج، فهو من كان وراء كل غلق لمؤسسات الدولة …وهو من كان وراء كل اعتصام أمام مواقع الإنتاج وهو من كان وراء هروب أغلب المستثمرين الأجانب من البلاد إلى دولة شقيقة…
أما النهضة فقد استغلت “باتيندة” التحدّث باسم الله لتطلق العنان لفصائلها المتشدّدة تكفّر الناس وتهددهم بالويل والثبور وعظائم الأمور، كما أنها فتحت المجال واسعا أمام رحلات التسفير إلى سوريا لإسقاط نظام بشار، في محاولة غريبة عجيبة لإعادة مجد الفتوحات الإسلامية …فالتحى نصف الشعب خوفا ونصفه الآخر طمعا وتقرّبا، وبقي بعض الفقراء يقاومون هنا وهناك بعد ان ارتمت أغلب النخب الوطنية في حضن شيخ النهضة…فكبرت النهضة وأصبحت غولا بمساعدة أغبياء اليسار، فاليسار كان أيضا من أكبر أسباب ما تعيشه البلاد اليوم فهو من خرج بعد 14 جانفي مهددا مولولا، ومطالبا بنصب المشانق لكل من انتموا لمنظومة بن علي، وكأنه اكتشف المقابر الجماعية، أو كأنه عاش الإبادة الجماعية فأغلب قيادات اليسار كانت تعمل سرا مع بن علي…فاليسار هو من كان وراء حل الحزب الحاكم، وهو من كان وراء المحاكمات غير الشرعية للعديد من الشخصيات الوطنية، بعضها مات قهرا وبعضها لا يزال يعاني من مخلفات ما عاشه وما عاناه…واليسار هو من كان وراء هجرة أغلب أصوات المنظومة القديمة إلى النهضة في انتخابات 2011 حين فتح الغنوشي بيته داعيا الجميع دخوله …هكذا كان حالنا مع من يسمونها “ثورة”…ثورة الحقد والانتقام والثأر ..
هذا السيناريو الذي عاشته البلاد مع معارضة بن علي نعيشه اليوم بكل تفاصيله مع قيس سعيد فالرجل لم يكن ينوي أول مرّة الاستحواذ الكامل على سلطات البلاد والتحكّم في تفاصيل الدولة، بل كان يريد فقط الثأر نفسه وإستعادة ما افتكّته منه “حكومة المشيشي” سيئة الذكر، فماذا حصل إذن ليصبح قيس سعيد خاطبا لودّ العرش كاملا دون نقصان؟
مباشرة بعد استغلاله لخروج الشعب غضبا من حكومة المشيشي والنهضة ومن معهما وإعلانه وجود خطر داهم ووجوب الانقلاب على المنظومة الحاكمة التي يعتبر هو أحد أهمّ أطرافها بتفعيل الفصل 80 من الدستور، خرجت علينا فرق الانشاد وسلاميات المدح و”الزغراطات” والمئات ممن خرجوا علينا سنة 2011 يطالبون بنصب المشانق، نفس الجوقة التي أهدت الحكم للنهضة سنة 2011 خرجت مباشرة بعد قرار ساكن قرطاج لتدعمه، وتسانده وتصرخ باسمه وتنصبه ملكا على البلاد، هؤلاء لم يكتفوا بــ”القوادة” بل عادوا لصنيعهم القديم الشيطنة وخلق الروايات الخيالية والثأر والانتقام، هؤلاء الذين فشلوا في كل المحطات التي مرّت بها البلاد عادوا طمعا في أن يتصدّق عليهم ساكن قرطاج ببعض الفتات ويشركهم معه في حكم البلاد، فخطابهم اليوم هو خطاب حاقد إلى أبعد الحدود…خطاب تحريضي وخطاب يدعو إلى الانتقام من منظومة بورقيبة وبن علي ومنظومة السنوات العشر ومنظومة 2019 التي يرأسها ساكن قرطاج الحالي…هؤلاء لم يكتفوا بالانقلاب على منظومة حكم المشيشي والنهضة ومن معهما، وهو الأمر الذي قبل به الجميع حتى بعض من كانوا مع المنظومة، وأنا أحد أكثر من طالبوا بإسقاط حكومة المشيشي حين كتبت يوما واحدا قبل انقلاب ساكن قرطاج مقالا في نفس هذه الجريدة عنوانه “هل اصبح المشيشي خطرا على البلاد؟”…
بعض هؤلاء الذي هرولوا إلى دائرة قيس سعيد خدعوه وأوهموه أنه قادر على إخراج البلاد مما هي فيه، وأن كل الوسائل التي بحوزته ستجعله يكسب الرهان بسهولة، فكان أن جاؤوا بقائمة من تقرير عبد الفتاح عمر لرجال أعمال اقترضوا الكثير من الدولة سنوات حكم بن علي، وأوهموه أن استرجاع هذه الأموال من رجال الأعمال سيكفيه عناء التفكير في كيف يخرج البلاد مما هي فيه اقتصاديا…فسقطوا في شرّ أفكارهم الشيطانية فتلك القائمة سوّت وضعياتها ولم تعد صالحة لأي إجراء أو محاسبة…وبعد الخيبة الأولى نصحوه بالعمل على استرداد “الأموال المنهوبة” فبحث في الأمر فلم يجد جوابا يكفيه عناء التفكير في وضع البلاد الاقتصادي …هكذا أوهموا ساكن قرطاج بأنه سيخرج البلاد مما هي فيه ببساطة…لكنهم أوقعوه في الخطأ…فماذا فعل بعد ذلك؟ انطلق في حملات لمقاومة الفساد دون أية دراسة للملفات، فأصبحت كل الأسماء التي يشتبه في فسادها “فايسبوكيا” تحت الإقامة الجبرية ومعرّضة لهتك الأعراض والادعاءات الكاذبة من لدن جوقة التصفيق والمدح والثناء من أغبياء اليسار ومصفقي ساكن قرطاج الذي اساؤوا إليه أكثر مما نفعوه…
بعد أكثر من شهر شعر قيس سعيد بأنه في ورطة كبيرة، لن يخرج منها بالسهولة التي كان يتصورها والتي أوهموه بها…فحكم بلاد تعيش أزمة خانقة لن يكون بالسهولة التي رسمها بعض الاغبياء ممن امتلأت قلوبهم حقدا على كل خصومهم، وعلى كل من حكم البلاد قبلهم…فقيس سعيد انساق وراء مزاج من هم حوله فاستعدى أغلب مكونات المشهد السياسي، فبقي وحيدا دون سند سياسي غير عشرات الآلاف من المصفقين وحسن الزرقوني الذي أدخل ساكن قرطاج في أحلام قد لا تتحقّق لو واصل على هذا النحو…فالتصفيق لن يوفر موارد رزق للعاطلين ولن ينعش خزينة الدولة ولن يدفع ديون البلاد لمستحقيها ولن يوفر أجور العملة والموظفين…
فماذا سيفعل يا ترى؟ لا شيء غير الهروب إلى الأمام من خلال “لا عودة إلى الوراء” التي أعادها ألف مرّة…فالرجل سيعلن تعليق العمل بالدستور أو الاستغناء عنه تماما، أي نعم الاستغناء عن الدستور الذي وفّر له فرصة الانقلاب دستوريا على رفاقه في المنظومة فهو وإن أنكر ذلك، جزء من هذه المنظومة…وبذلك سيكشف لكل العالم أن ما فعله هو انقلاب كامل الشروط لا غبار للاستثناء فيه…وهذا الانقلاب لن يقبل بالسهولة التي ربما أوهموه بها سواء كان ذلك خارجيا أو داخليا … وكشفه للانقلاب سيتركه فعلا وحيدا في مواجهة أوضاع البلاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فكل القوى الأخرى ستتكتل ضدّه لترفض أي دستور سيصاغ في غرف مظلمة من أصدقاء ساكن القصر وهم كثر وبعضهم بدأ فعلا في كتابة القصائد المدحية لمولاهم من خلال ما يكتبونه من مقالات وتدوينات عن القانون وتفاصيل القانون …فهم يخلقون المبررات والحجج ليكون مولاهم على حقّ…وليكون لهم غدا أقرب موقع من مولاهم في أحد قصور الحكم…كما أن الرجل سيعدّل أو سيعدّ قانونا جديدا للانتخابات وسيعلن عن حكومة جديدة أعان الله من سيكون وزيرا أول على رأسها فهو من سَيُحَمِّلهُ ساكن قرطاج مسؤولية كل المصائب التي ستعرفها البلاد اقتصاديا واجتماعيا في قادم الأشهر قبل أن يعلن إقالته…ثم وفي مرحلة أخيرة سيعلن ساكن قرطاج عن موعد للانتخابات التشريعية فماذا لو رفض الجميع دستور مولانا….وما سيفعله مولانا…ماذا لو قاطعوا كل من يقرره مولانا…هل فكّر في أمر كهذا مولانا أم أن من أوهموه أنه المنقذ نسوا أن ينبهوه إلى تبعات كل ما يفعله وما يأتيه؟
خلاصة قولي…كل ما تعيشه البلاد ومنذ أكثر من عشر سنوات يحكمه المزاج والحقد والرغبة في الثأر والانتقام عند البعض منّا…فاليوم وحين نستمع إلى أي خطاب من ساكن قرطاج نشعر بمنسوب مرتفع جدا من الحقد ورغبة جامحة في الانتقام من الجميع…والأحقاد لا تقاوم الفساد أبدا…وما لم نترك المزاج جانبا…ونتخلص من الأحقاد التي تنخر صدورنا فلن نخرج مما نحن فيه…نحن في عين الإعصار، ولا أحد من كبار قومنا تفطّن للخطر الداهم الذي لم يتفطّن له ساكن قرطاج…فكم سيدوم الاعصار يا ترى…وهل ستشرق الشمس بعده أم سيعمّ الظلام…؟؟ وإلى أين يأخذنا انقلاب قيس سعيد، أم ينقلب قيس على قيس؟
تصفح أيضا
عبد الكريم قطاطة:
فترة التسعينات كانت حبلى بالاحداث والتغييرات في مسيرتي المهنية منها المنتظر والمبرمج له ومنها غير المنتظر بتاتا …
وانا قلت ومازلت مؤمنا بما قلته… انا راض بأقداري… بحلوها وبمرّها… ولو عادت عجلة الزمن لفعلت كلّ ما فعلته بما في ذلك حماقاتي واخطائي… لانني تعلمت في القليل الذي تعلمته، انّ الانسان من جهة هو ابن بيئته والبيئة ومهما بلغت درجة وعينا تؤثّر على سلوكياتنا… ومن جهة اخرى وحده الذي لا يعمل لا يخطئ… للتذكير… اعيد القول انّه وبعد ما فعله سحر المصدح فيّ واخذني من دنيا العمل التلفزي وهو مجال تكويني الاكاديمي، لم انس يوما انّني لابدّ ان اعود يوما ما الى اختصاصي الاصلي وهو العمل في التلفزيون سواء كمخرج او كمنتج او كلاهما معا… وحددت لذلك انقضاء عشر سنوات اولى مع المصدح ثمّ الانكباب على دنيا التلفزيون بعدها ولمدّة عشر سنوات، ثمّ اختتام ما تبقّى من عمري في ارقى احلامي وهو الاخراج السينمائي…
وعند بلوغ السنة العاشرة من حياتي كمنشط اذاعي حلّت سنة 1990 لتدفعني للولوج عمليا في عشريّة العمل التلفزي… ولانني احد ضحايا سحر المصدح لم استطع القطع مع هذا الكائن الغريب والجميل الذي سكنني بكلّ هوس… الم اقل آلاف المرات انّ للعشق جنونه الجميل ؟؟ ارتايت وقتها ان اترك حبل الوصل مع المصدح قائما ولكن بشكل مختلف تماما عما كنت عليه ..ارتايت ان يكون وجودي امام المصدح بمعدّل مرّة في الاسبوع ..بل وذهبت بنرجسيتي المعهودة الى اختيار توقيت لم اعتد عليه بتاتا ..نعم اخترت الفضاء في سهرة اسبوعية تحمل عنوان (اصدقاء الليل) من التاسعة ليلا الى منتصف الليل …هل فهمتم لماذا وصفت ذلك الاختيار بالنرجسي ؟؟ ها انا افسّر ..
قبل سنة تسعين عملت في فترتين: البداية كانت فترة الظهيرة من العاشرة صباحا حتى منتصف النهار (والتي كانت وفي الاذاعات الثلاث قبل مجيئي فترة خاصة ببرامج الاهداءات الغنائية)… عندما اقتحمت تلك الفترة كنت مدركا انيّ مقدم على حقل ترابه خصب ولكنّ محصوله بائس ومتخلّف ..لذلك اقدمت على الزرع فيه … وكان الحصاد غير متوقع تماما ..وتبعتني الاذاعة الوطنية واذاعة المنستير وقامت بتغييرات جذرية هي ايضا في برامجها في فترة الضحى .. بل واصبح التنافس عليها شديدا بين المنشطين ..كيف لا وقد اصبحت فترة الضحى فترة ذروة في الاستماع … بعد تلك الفترة عملت ايضا لمدة في فترة المساء ضمن برنامج مساء السبت … ولم يفقد انتاجي توهجه ..وعادت نفس اغنية البعض والتي قالوا فيها (طبيعي برنامجو ينجح تي حتى هو واخذ اعزّ فترة متاع بثّ) …
لذلك وعندما فكّرت في توجيه اهتمامي لدنيا التلفزيون فكرت في اختيار فترة السهرة لضرب عصفورين بحجر واحد… الاول الاهتمام بما ساحاول انتاجه تلفزيا كامل ايام الاسبوع وان اخصص يوما واحدا لسحر المصدح ..ومن جهة اخرى وبشيء مرة اخرى من النرجسية والتحدّي، اردت ان اثبت للمناوئين انّ المنشّط هو من يقدر على خلق الفترة وليست الفترة هي القادرة على خلق المنشط ..وانطلقت في تجربتي مع هذا البرنامج الاسبوعي الليلي وجاءت استفتاءات (البيان) في خاتمة 1990 لتبوئه و منشطه المكانة الاولى في برامج اذاعة صفاقس .. انا اؤكّد اني هنا اوثّق وليس افتخارا …
وفي نفس السياق تقريبا وعندما احدثت مؤسسة الاذاعة برنامج (فجر حتى مطلع الفجر) وهو الذي ينطلق يوميا من منتصف الليل حتى الخامسة صباحا، و يتداول عليه منشطون من الاذاعات الثلاث… طبعا بقسمة غير عادلة بينها يوم لاذاعة صفاقس ويوم لاذاعة المنستير وبقية الايام لمنشطي الاذاعة الوطنية (اي نعم العدل يمشي على كرعيه) لا علينا … سررت باختياري كمنشط ليوم صفاقس ..اولا لانّي ساقارع العديد من الزملاء دون خوف بل بكلّ ثقة ونرجسية وغرور… وثانيا للتاكيد مرة اخرى انّ المنشط هو من يصنع الفترة ..والحمد لله ربحت الرهان وبشهادة اقلام بعض الزملاء في الصحافة المكتوبة (لطفي العماري في جريدة الاعلان كان واحدا منهم لكنّ الشهادة الاهمّ هي التي جاءتني من الزميل الكبير سي الحبيب اللمسي رحمه الله الزميل الذي يعمل في غرفة الهاتف بمؤسسة الاذاعة والتلفزة) …
سي الحبيب كان يكلمني هاتفيا بعد كل حصة انشطها ليقول لي ما معناه (انا نعرفك مركّب افلام باهي وقت كنت تخدم في التلفزة اما ما عرفتك منشط باهي كان في فجر حتى مطلع الفجر .. اما راك اتعبتني بالتليفونات متاع المستمعين متاعك، اما مايسالش تعرفني نحبك توة زدت حبيتك ربي يعينك يا ولد) … في بداية التسعينات ايضا وبعد انهاء اشرافي على “اذاعة الشباب” باذاعة صفاقس وكما كان متفقا عليه، فكرت ايضا في اختيار بعض العناصر الشابة من اذاعة الشباب لاوليها مزيدا من العناية والتاطير حتى تاخذ المشعل يوما ما… اطلقت عليها اسم مجموعة شمس، واوليت عناصرها عناية خاصة والحمد لله انّ جلّهم نجحوا فيما بعد في هذا الاختصاص واصبحوا منشطين متميّزين… بل تالّق البعض منهم وطنيا ليتقلّد عديد المناصب الاعلامية الهامة… احد هؤلاء زميلي واخي الاصغر عماد قطاطة (رغم انه لا قرابة عائلية بيننا)…
عماد يوم بعث لي رسالة كمستمع لبرامجي تنسمت فيه من خلال صياغة الرسالة انه يمكن ان يكون منشطا …دعوته الى مكتبي فوجدته شعلة من النشاط والحيوية والروح المرحة ..كان انذاك في سنة الباكالوريا فعرضت عليه ان يقوم بتجربة بعض الريبورتاجات في برامجي .. قبل بفرح طفولي كبير لكن اشترطت عليه انو يولي الاولوية القصوى لدراسته … وعدني بذلك وسالته سؤالا يومها قائلا ماذا تريد ان تدرس بعد الباكالوريا، قال دون تفكير اريد ان ادرس بكلية الاداب مادة العربية وحلمي ان اصبح يوما استاذ عربية ..ضحكت ضحكة خبيثة وقلت له (تي هات انجح وبعد يعمل الله)… وواصلت تاطيره وتكوينه في العمل الاذاعي ونجح في الباكالوريا ويوم ان اختار دراسته العليا جاءني ليقول وبكلّ سعادة …لقد اخترت معهد الصحافة وعلوم الاخبار… اعدت نفس الضحكة الخبيثة وقلت له (حتّى تقللي يخخي؟) واجاب بحضور بديهته: (تقول انت شميتني جايها جايها ؟؟)… هنأته وقلت له انا على ذمتك متى دعتك الحاجة لي ..
وانطلق عماد في دراسته واعنته مع زملائي في الاذاعة الوطنية ليصبح منشطا فيها (طبعا ايمانا منّي بجدراته وكفاءته)… ثم استنجد هو بكلّ ما يملك من طاقات مهنية ليصبح واحدا من ابرز مقدمي شريط الانباء… ثم ليصل على مرتبة رئيس تحرير شريط الانباء بتونس 7 ..ويوما ما عندما فكّر البعض في اذاعة خاصة عُرضت على عماد رئاسة تحريرها وهو من اختار اسمها ..ولانّه لم ينس ماعاشه في مجموعة شمس التي اطرتها واشرفت عليها، لم ينس ان يسمّي هذه الاذاعة شمس اف ام … اي نعم .عماد قطاطة هو من كان وراء اسم شمس اف ام …
ثمة ناس وثمة ناس ..ثمة ناس ذهب وثمة ناس ماجاوش حتى نحاس ..ولانّي عبدالكريم ابن الكريم ..انا عاهدت نفسي ان اغفر للذهب والنحاس وحتى القصدير ..وارجو ايضا ان يغفر لي كل من اسأت اليه ..ولكن وربّ الوجود لم اقصد يوما الاساءة ..انه سوء تقدير فقط …
ـ يتبع ـ
عبد الكريم قطاطة:
المهمة الصحفية الثانية التي كلفتني بها جريدة الاعلان في نهاية الثمانينات تمثّلت في تغطية مشاركة النادي الصفاقسي في البطولة الافريقية للكرة الطائرة بالقاهرة …
وهنا لابدّ من الاشارة انها كانت المرّة الوحيدة التي حضرت فيها تظاهرة رياضية كان فيها السي اس اس طرفا خارج تونس .. نعم وُجّهت اليّ دعوات من الهيئات المديرة للسفر مع النادي وعلى حساب النادي ..لكن موقفي كان دائما الشكر والاعتذار ..واعتذاري لمثل تلك الدعوات سببه مبدئي جدا ..هاجسي انذاك تمثّل في خوفي من (اطعم الفم تستحي العين)… خفت على قلمي ومواقفي ان تدخل تحت خانة الصنصرة الذاتية… اذ عندما تكون ضيفا على احد قد تخجل من الكتابة حول اخطائه وعثراته… لهذا السبب وطيلة حياتي الاعلامية لم اكن ضيفا على ايّة هيئة في تنقلات النادي خارج تونس ..
في رحلتي للقاهرة لتغطية فعاليات مشاركة السي اس اس في تلك المسابقة الافريقية، لم يكن النادي في افضل حالاته… لكن ارتأت ادارة الاعلان ان تكلّفني بمهمّة التغطية حتى اكتب بعدها عن ملاحظاتي وانطباعاتي حول القاهرة في شكل مقالات صحفية… وكان ذلك… وهذه عينات مما شاهدته وسمعته وعشته في القاهرة. وهو ما ساوجزه في هذه الورقة…
اوّل ما استرعى انتباهي في القاهرة انّها مدينة لا تنام… وهي مدينة الضجيج الدائم… وما شدّ انتباهي ودهشتي منذ الساعة الاولى التي نزلت فيها لشوارعها ضجيج منبهات السيارات… نعم هواية سائقي السيارات وحتى الدراجات النارية والهوائية كانت بامتياز استخدام المنبهات… ثاني الملاحظات كانت نسبة التلوّث الكثيف… كنت والزملاء نخرج صباحا بملابس انيقة وتنتهي صلوحية اناقتها ونظافتها في اخر النهار…
اهتماماتي في القاهرة في تلك السفرة لم تكن موجّهة بالاساس لمشاركة السي اس اس في البطولة الافريقية للكرة الطائرة… كنا جميعا ندرك انّ مشاركته في تلك الدورة ستكون عادية… لذلك وجهت اشرعة اهتمامي للجانب الاجتماعي والجانب الفنّي دون نسيان زيارة معالم مصر الكبيرة… اذ كيف لي ان ازور القاهرة دون زيارة خان الخليلي والسيدة زينب وسيدنا الحسين والاهرام… اثناء وجودي بالقاهرة اغتنمت الفرصة لاحاور بعض الفنانين بقديمهم وجديدهم… وكان اوّل اتصال لي بالكبير موسيقار الاجيال محمد عبد الوهاب رحمه الله… هاتفته ورجوت منه امكانية تسجيل حوار معه فاجابني بصوته الخشن والناعم في ذات الوقت معتذرا بسبب حالته الصحية التي ليست على ما يرام…
لكن في مقابل ذلك التقيت بالكبير محمد الموجي بمنزله وقمت بتسجيل حوار معه ..كان الموجي رحمه الله غاية في التواضع والبساطة… لكن ما طُبع في ذهني نظرته العميقة وهو يستمع اليك مدخّنا سيجارته بنهم كبير… نظرة اكاد اصفها بالرهيبة… رهبة الرجل مسكونا بالفنّ كما جاء في اغنية رسالة من تحت الماء التي لحنها للعندليب… نظرة المفتون بالفن من راسه حتى قدميه…
في تلك الفترة من اواخر الثمانينات كانت هنالك مجموعة من الاصوات الشابة التي بدات تشق طريقها في عالم الغناء ..ولم اترك الفرصة تمرّ دون ان انزل ضيفا عليهم واسجّل لهم حوارات… هنا اذكر بانّ كلّ التسجيلات وقع بثها في برامجي باذاعة صفاقس… من ضمن تلك الاصوات الشابة كان لي لقاءات مع محمد فؤاد، حميد الشاعري وعلاء عبدالخالق… المفاجأة السارة كانت مع لطيفة العرفاوي… في البداية وقبل سفرة القاهرة لابدّ من التذكير بانّ لطيفة كانت احدى مستمعاتي… وعند ظهورها قمت بواجبي لتشجيعها وهي تؤدّي انذاك وباناقة اغنية صليحة (يا لايمي عالزين)…
عندما سمعت لطيفة بوجودي في القاهرة تنقلت لحيّ العجوزة حيث اقطن ودعتني مع بعض الزملاء للغداء ببيتها… وكان ذلك… ولم تكتف بذلك بل سالت عن احوالنا المادية ورجتنا ان نتصل بها متى احتجنا لدعم مادي… شكرا يا بنت بلادي على هذه الحركة…
اختم بالقول قل ما شئت عن القاهرة.. لكنها تبقى من اعظم واجمل عواصم الدنيا… القاهرة تختزل عبق تاريخ كلّ الشعوب التي مرّت على اديمها… نعم انها قاهرة المعزّ…
ـ يتبع ـ
محمد الزمزاري:
انطلقت الحملة الوطنية المتعلقة هذه المرة بالتقصي حول الأمراض المزمنة وكان مرض السكري وأيضا مرض ضغط الدم هما المدرجان في هذه الحملة.
يشار إلى أن نسب مرضى السكري و ضغط الدم قد عرفت ارتفاعا ملفتا لدى المواطنين و بالتحديد لدى شريحة كبار السن مما يكسي اهمية لهذه الحملات التي تنظمها وزارة الصحة العمومية بالتعاون المباشر مع هيئة الهلال الأحمر التونسي.. وقد سنحت لنا الفرصة لحضور جزء مهم من الحملة في بهو محطة القطارات الرئيسية بساحة برشلونة، لنقف على تفاعل عديد المواطنين المصطفّين قصد الخضوع لعملية التقصي بكل انضباط وكان جل الوافدين طبعا من كبار السن، كما لوحظ تواجد عدد كبير من ممثلي الهلال الأحمر ومن الأطباء بمكتبين ويساعدهم بعض الممرضين.
الغريب انه لدى تغطيتى العارضة لهذه الحملة المتميزة التي تهدف اساسا إلى توعية المواطنين وحثهم على تقصي الأمراض بكل انواعها بصور مبكرة، بالاعتماد على كافة قنوات الاتصال وأهمها الإعلام الذي لن يكون الا داعما لهذا الهدف الإنساني لكن احد اعوان الهلال الأحمر فتح معي بحثا ان كنت من التلفزة الوطنية ملاحظا ان القناة المذكورة هي الوحيدة المسموح لها بالقيام بالتغطية ولم يكتف بهذا بل أكد ان الأطباء لا يحبون التصوير.
طبيعي اني لم اتفاعل مع هذا الجهل وضحالة المعرفة باهداف الحملة بالإضافة إلى عمليات التقصي الفعلي ..ولما تجاوز في الإلحاح طلبت منه الاستظهار بصفته هل هو منسق الحملة حتى يمكنني أن امر إلى المسؤول عنها بصفتي صحفيا ..وواصلت عملى أمام انكماش هذا العون التابع للهلال الأحمر حسبما يدل عليه زيه.
وبعيدا عن هذا، لا يفوت التنويه بالجهود الكبيرة التي يتحلى بها طاقم الاطباء و الممرضين و متطوعي الهلال الاحمر، الذين يجهدون انفسهم لانجاح هذه الحملة سواء داخل بهو محطة السكك الحديدية او عبر بعض الفرق التي تعمل على التعريف بجدوى التقصي حتى خارج البهو الكبير.
صن نار
- ثقافياقبل 14 ساعة
قريبا وفي تجربة مسرحية جديدة: “الجولة الاخيرة”في دار الثقافة “بشير خريّف”
- جور نارقبل 14 ساعة
ورقات يتيم … الورقة 89
- ثقافياقبل يوم واحد
زغوان… الأيام الثقافية الطلابية
- جلـ ... منارقبل يوم واحد
الصوت المضيء
- جور نارقبل يومين
ورقات يتيم ..الورقة 88
- ثقافياقبل 3 أيام
نحو آفاق جديدة للسينما التونسية
- صن نارقبل 4 أيام
الولايات المتحدة… إطلاق نار في “نيو أوليانز” وقتلى وإصابات
- صن نارقبل 4 أيام
في المفاوضات الأخيرة… هل يتخلى “حزب الله” عن جنوب لبنان؟