تابعنا على

جلـ ... منار

تأثير الهالة

نشرت

في

عامر صديقي – الاسم مستعار طبعًا – كان يملك تلك الطلعة الوقور الموحية بالثقة. حتى ونحن طلاب كان مهيبًا له نظرة هادئة راضية تشع بالحكمة وفهم الكون. لا أعتقد أنني رأيته في أي لحظة من حياتي من دون شعر شائب، خاصة شعر الفودين الذي يذكرك بشيب «جمال عبد الناصر». لابد أنه ولد شائب الشعر. بينما كنا نحن الصبية المراهقين نبدو كذلك بالضبط: صبية مراهقون شديدو الخفة والسخف.

أحمد خالد توفيق

كان عامر يدخل أي امتحان شفهي، فينبهر به الأستاذ على الفور ويكتفي ببعض الأسئلة السطحية ثم يشكره ويصرفه، بينما نفس الأستاذ كان يؤمن أن باقي الطلبة أوغاد شديدو الرقاعة يجب أن يعاقبوا بغلظة. وكانت الفتيات يؤمن أنه وسيم موح بالثقة ويحُمن من حوله بلا توقف لكنهن لا يجرؤن على الاقتراب من ينبوع الحكمة هذا.

على أن عامرًا كان إذا تركت له فرصة الكلام والاسترسال فيه يكشف عن أحمق حقيقي مسطح الآراء من طراز (النفوس تغيرت – التلفزيون يعرض مسلسلات عارية).. حمار حقيقي جدير بمقولة «آن للشافعي أن يمد رجليه». لكن برغم هذا لم نكن نمد أرجلنا في حضرته، فقد ظل موحيًا بالثقة حتى بعد كل هذا الكلام الفارغ.عامر كان ُيستدعى لفحص الجيران منذ كان في السنوات الأولى من الكلية، وكانت له نظريات خاصة مدمرة؛ منها أن أي غيبوبة هي نتيجة لنقص البوتاسيوم وأي تفاعل حساسية يحتاج لحقنة أدرينالين. عالج الكثيرين جدًا منذ كان طالبًا لا يعرف اسم عقار واحد، ومن الغريب أن المرضى كانوا يشفون من تلقاء أنفسهم.

في سنة الامتياز كنت أسهر وحدي في استقبال الطوارئ، وقد قمت بإدخال حالة لمريضة مصابة باشتباه التهاب في الزائدة الدودية .. الطبيب المقيم قال هذا وطلب أن نلاحظها، لكن المريضة كانت هستيرية وأهلها مجانين.. كانت تصرخ في فراشها طيلة الوقت وتقول تعبيرات أدبية رائعة على غرار (أنا قلبي شجرة بيقطعوا جدورها – أنا بطني خراج مفتوح) وهي تعبيرات تكفل لي جائزة نوبل في الأدب لو كنت قد دونتها. مع كل شكوى منها يهرع أحد أقاربها إلى غرفتي ليصارحني بأن المستشفيات مكان قذر، وأنا لا أصلح طبيبًا.. إلخ… المشكلة أنها بالفعل كانت قد تلقت أفضل علاج ممكن.

تصادف أن وصل صديقي عامر، وهو كعادته وقور موح بالثقة يلبس بدلة كاملة.. فتوسلت له أن يلعب دور طبيب أكبر سنًا ويفحص هذه المريضة ويطمئن أهلها. هذا ما فعله بالضبط.. دخل العنبر فتفرق أهلها من حول الفراش وساد صمت رهيب. وقفت جواره متظاهرًا بالذل.. هذا هو الأستاذ الكبير الذي سيقول كلمته الأخيرة. ظلت المريضة تنظر له في رهبة فتحسس نبضها وهز رأسه، ثم قال في ثقة:

“أنت أفضل حالاً.. لكن لابد من الانتظار قليلاً. فقط أرجو ألا تزعجوا د. أحمد فهذا يجعله متوترًا، والمتوترون يرتكبون أخطاء”

كساحر جاء من لا مكان ترك الفراش وأنا أتبعه في رعب وتوقير متذكرًا كل حرف في كتاب (فن صناعة النجم) الذي يشرح لك كيف تجعل من شخص ما محط الاهتمام. وخارج العنبر وقف يرد على أسئلة أهلها المتلاحقة. أهلها الذين تجاهلوني تمامًا وحالهم يقول: لماذا لا يجلس هؤلاء الأطباء العظام في الاستقبال ويفحصون الحالات بدلاً من المعتوهين الذين نقابلهم؟ وعندما انفردت وعامر في غرفة الاستقبال أطلقنا الضحكات المكتومة. وهكذا مرت الليلة كلها دون أن تصرخ المريضة أو يضايقني أهلها. وفي الصباح تبين أنها غير مصابة بشيء.

بالطبع لك أن تتوقع أن عامرًا افتتح عيادة صغيرة في أحد أحياء المدينة، ونال وظيفة بالجامعة. كانت عيادته مزدحمة دائمًا برغم أن قدراته الطبية لا تتجاوز قدرات طالب طب. وقد زود العيادة بنظام ملفات إلكتروني بسيط، فصار بالنسبة للمرضى الطبيب الذي يفحصهم بالكمبيوتر.

قرأت فيما بعد تعبير «Parvenu» الذي يعني الشخص الذي يبدو على غير حقيقته.. الأستاذ الجامعي الذي يملك حشدًا من الشهادات دون أن يفقه شيئًا. خطر لي أن هذا المصطلح خلق من أجل عامر. هناك كذلك تعبير «Halo effect»، تأثير الهالة.. الشعر الأبيض المحيط برأسه كهالة يقنع المرضى والباحثين المنافسين.

تأكدت من تأثير الهالة عندما كان يدخل امتحانات الترقية، فلا يسألونه تقريبًا.. غالبًا يتبادلون معه عبارات المزاح ثم يرقونه… في إحدى المرات لم يكن لديهم وقت كاف فقاموا بترقيته. ثم إن صاحبنا سافر للخليج.

توقعت له أن يعود مضروبًا بالأحذية، لكني توصلت إلى أنه يملك خليطًا من تأثير الهالة ومن الحظ المخيف.. يقضي في الخليج خمسة أعوام وهو لا يفقه شيئًا، وبرغم هذا هم يحبونه. ويرسل لي صورًا وسط أصدقاء يلبسون الغطرة والجلباب يعانقونه في مرح. ثم يرجونه بحرارة أن يبقى معهم للأبد لكنه يعتذر لأن مستقبله في الجامعة ينتظره. هكذا عاد من هناك حمارًا ثريًا ينظر له المجتمع بتوقير وإجلال.

هكذا في سن الأربعين توصلت إلى أن سر النجاح في الحياة ليس أن تكون بل أن تبدو.. وعليك أن تمتلك حظًا مذهلاً يشبه حظ الجندي الذي سقطت قنبلة في حجره ولم تنفجر، وفهمت مشاعر البطة دونالد – أو بطوط – تجاه ابن عمها المحظوظ المستفز.

لكن عامرًا أصر في ذلك الوقت – لدى عودته من الخليج – على أن يهاجر لكندا، وقد نصحته مرارًا أن يبقى بقدراته المتواضعة هذه، لكنه أصر. قلت لنفسي إن حظه الجبار وتأثير الهالة لن يخذلاه أبدًا.

بعد أعوام سمعت أنه متورط في كارثة.. يبدو أن نظام التأمين لم يخدمه أو شيئًا من هذا القبيل، وهو قد تسبب في عاهة مستديمة لمريض.

قلت لنفسي إن الدروس المستفادة هي أن الحظ الحسن لا يجب أن يظل حسنًا للأبد، وتأثير الهالة ليس فعالاً دائمًا خاصة في بلاد متحضرة متقدمة.

هناك لحظة ينكشف فيها كل شيء، وعندها ينهار كل شيء فلا تلومن إلا نفسك. على من لا يملك خوذة فولاذية أن يبقي رأسه تحت الأعشاب

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

في البدء… كانت الأمومة

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان

وصلتني رسالة من شابة مقهورة، وكعادة أغلب الشابات اللواتي تعرضن لمعاملة ظالمة، قالت في رسالتها: (أمي كانت عدوتي الأولى)، لذلك آثرت أن أعيد نشر هذا البوست

وفاء سلطان

يحكى أن قبيلة كانت تعيش على قمة جبل، وتتحكم بقبيلة أخرى ضعيفة تعيش في أسفل الوادي. أحد الأيام، وانطلاقا من غطرستها، قامت عصابة من القبيلة القوية بالهجوم على القبيلة الضعيفة لتنهبها، ومن ضمن الغنائم سرقت طفلا رضيعا. كادت الأم تفقد أعصابها، وراحت ترجو القائمين على شؤون قبيلتها، أن يحاربوا القبيلة المتغطرسة أملا في استرجاع الطفل. بعد عدة أيام قرر الرجال، بعد أن جهزوا جيشا، أن يغزو القبيلة المعتدية، وراحت أرتالهم تتسلق الهضاب المحيطة بالقمة أثناء الليل، وإذا بهم يُفاجؤون بالأم وهي تركض من القمة باتجاه الوادي وقد احتضنت رضيعها.

صاح بها قائد الجيش: ويحك، كيف فعلت ذلك؟

تابعت مسيرها، وهي تقول: لو كنتَ أُمّا لعرفتَ كيف

…….

سمعت سيدة أمريكية أن استعراضا عسكريا سيتم في ساحة مدينتها، وسيشارك به ابنها المتطوع. شعرت بالفخر وأرادت أن ترافقها جارتها، كي تنفش ريشها أمامها مزهوة بآدائه. وقفت السيدتان على الرصيف يراقبن العرض الجميل، فلاحظت الأم إن كل حركة يقوم بها الجنود يعمل ابنها عكسها!

إذا خبطوا أقدامهم اليسرى يخبط هو اليمنى، وإذا لفوا إلى اليسار يلف هو إلى اليمين، وما شابه ذلك.

صاحت عندها مزهوة:

انظري…انظري إلى ابني، باركه الله، هو وحده الذي أتقن مراسيم الاستعراض

…….

للغراب رقبة تلمع من شدة السواد، فتبدو أحيانا تحت أشعة الشمس وكأنها زرقاء. كانت ستي أم علي تقص علينا حكاية تلك الرقبة، يسربلها يقين أقوى من إيمان أنشتاين بنظريته “النسبية”:

– ياعين ستك، النبي سليمان عليه السلام أعطى أنثى الغراب عقدا أزرق، وقال لها:

اذهبي وضعيه في رقبة أجمل المخلوقات”

لفّت الكرة الأرضية، ثم عادت لتعلقه برقبة ابنها،

ومن يومها ورقبة الغراب تبدو زرقاء، بعد أن اختارته أمه كأجمل المخلوقات، رغم قباحته وشدة سواده!

…….

تلك هي الأمومة قصة سرمدية وعلاقة لغزية،

لا أحد يعرف كنهها وسر قوتها،

باستثناء قول أفريقي مأثور:

أراد الله أن يتواجد في كل مكان فخلق الأمهات

…….

اغفروا للأمهات انحيازهن لأولادهن، فهو الإنحياز الوحيد العادل، لأنه يحافظ على استمرار الحياة

عندما تنحاز لك أمك تمسّك بما انحازت له من جميل وصدّقه، سواء كان وهما أم حقيقة،

فوَهْم الأمهات يصبح حقيقة في حياة الأولاد!

وأنت أيتها الأم آمني بكل ماهو جيد لدى أطفالك،

لأن ايمانك يصبح مع الزمن ايمانهم،

وإيّاك أن تري فيهم سوءا أو شرّا كي لا يصبحوا مع الزمن سيئين وأشرارا.

…….

ليست كل والدة أما، وليست كل أم والدة!

لا تُمنح الأنثى تاج الأمومة بمجرد أن تنجب، وليس من العدل أن تحرم منه لأنها لم تنجب، فكل أنثى قادرة على أن تكون أمّا، بشكل أو بآخر…

لقد كانت جدتي (أم علي) أما لي أكثر مما كانت أمي. لا أنسى في حياتي، كيف وبعد أن رويت لها حلما، وكنت مازلت طفلة، حملقت في عينيّ مليا، ثم أطرقت رأسها بعد تفكير، وتمتمت:

ستكونين يا عين ستك… ستكونين…

ستكونين… الله أعلم!

وتابعت: ياله من حلم غريب وجميل

ولقد صرتُ ماقالته جدتي بين عباراتها، والذي لم تبح به خوفا من أن تتعدى على مهنة الله في معرفة الغيب!

…….

كل الأمهات يعرفن الغيب عندما يتعلق الأمر بمستقبل أطفالهن، ولكي تتأكدوا اسألوا بيكاسو، فعلى ذمته

قالت له أمه:

إذا كبرت وانتسبت إلى الجيش ستصبح جنرالا…

وإذا عملت في الكنيسة ستصبح البابا….

وإذا تاجرت ستملك أكبر شركة…

يتابع بيكاسو:

ولكنني اتّخذت من الرسم طريقا، وأصبحت بيكاسو!

كانت امه تدرك أنه سيبدع أينما كان،

وكانت جدتي تعرف من سأكون…

كل عيد أم أطبع قبلة على صورة أم علي، وأتحسس روحها في سماء بيتي

…….

يبارك الإله للأمّهات المهمة المقدسة التي يقمن بها،

والتي من خلالها يجسدن ألوهيته،

ويعوّضن عن تواجده!

…….

لكن الحقيقة الموجعة:

ولأن الأم خلقت لتبني إنسانا،

تبقى قوتها المدمّرة هي الأكثر خرابا لو فشلت في تلك المهمة.

نعم، أزمتنا أزمة أمهات

أكمل القراءة

جلـ ... منار

الكتب… بين الاقتراض والقوارض

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحمد خالد توفيق

لا أعتقد أن أبي يرحمه الله قد أقرض أي كتاب في حياته، ولو فعل فلأنه كان يحتفظ بنسختين من ذات الكتاب.. كان يؤمن أن الكتب أشياء خصوصية جدا مثل الثياب الداخلية والزوجة وبطاقة الهوية.. لا تصلح إلا لصاحبها ولا يمكن أن تقرضها إلا لو كنت مجنونا..

كان كذلك يؤمن بأن الأبناء يأتون العالم كي يبددوا الثروات التي تعب الآباء في جمعها، ومن ضمن هذه الثروات الكتب..

لم آخذ كلامه بجدية إلا عندما وقفت أمام مكتبتي التي هي مكتبته مع إضافات قليلة مني، فوجدت أرففًا بأكملها قد خلت من محتوياتها بسبب الإقراض..

معظم الناس يعتبرون أن كلمتي (استعارة) و(أخذ) كلمة واحدة، والتفرقة بينهما نوع من التزيد اللغوي لا مجال له؛ لهذا يقف الواحد من هؤلاء أمام مكتبتي – إذا قرر زيارتي – وتلتمع عيناه بالخاطر الجديد: لقد قرر أن يكون مثقفًا فجأة!. هكذا ينقب بين صفوف الكتب وينتقي هذا الكتاب.. وهذا.. وذاك.. فجأة صار مهتما بأدب أمريكا اللاتينية وتاريخ جائزة نوبل والتركيب الإداري لجهاز الموساد وفنون زراعة الأرز في الملايو وعلم السيبرنية.. في النهاية يضطر إلى أن يستخدم کیسًا من البلاستيك، لدرجة أشعر معها أن الأمر يتعلق بشراء طماطم من السوق لا اقتراض کتب..

ـ”لا تقلق.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. “

يكررها في كل مرة وهو يتجه لاهثا إلى الباب حاملا هذا الكنز ثقيل الوزن..

الآن مر شهر وشهران دون أن يعود أي كتاب.. أتصل به لأقول في خجل إنني أطمئن فقط على كون الكتب راقت له. يتساءل في حيرة: أية كتب؟

في النهاية يتذكر فيبدأ في الرثاء لنفسه لأنه كائن مشغول لا يجد الوقت الكافي ليأكل فما بالك بالقراءة؟.. سوف تعود كتبك.. لا تخف.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. .

شهر.. ثلاثة أشهر.. الآن صارت الكتب حقا مكتسبا له بحكم القدم، وصرت أنا سمجا كالبراغيث.. أسأله وأنا أجفف العرق على جبهتي عن مصير الكتب فيهتز ضحكًا، وينظر لي نظرة طويلة ساخرة قاسية.. لقد تغيرت النفوس.. لم يعد الإنسان قادرًا على تحمل أخيه الإنسان..

أشعر بخجل شديد من نفسي لأنني جرحت سلامه النفسي ولأنني متلهف على كتبي إلى هذا الحد، بينما لديه مشاكل لا تنتهي ولا وقت عنده لهذا السخف..

في النهاية يتحول الأمر إلى وغد لحوح – هو أنا – لا يكف عن تسول شيء ليس من حقه. ويحاول صديقي النبيل أن يعاملني بالحسنى وألا يجرح مشاعري لكنني بصراحة اضغط عليه أكثر من اللازم.. في النهاية ينفجر فيّ:

ـ”هي مجرد کتب.. وأنت لن تفسد صداقتنا من أجل بضعة كتب.. بصراحة لا أذكر أنني أخذت أية كتب منك ولا أذكر مكانها، لكن هذا لا يكفي كي تجعل حياتي جحيما!”

هكذا أتلقي درسًا قاسيًا.. لا تضغط على أعصاب الحليم أكثر من اللازم.. الحق إنني سعيد الحظ لكون هؤلاء العقلاء شديدي الحلم أصدقائي..

مؤخرًا جاءني صديق تم انتدابه للعمل في منطقة صحراوية نائية. صديقي هذا طراز آخر من المقترضين.. هؤلاء الذين يقسمون أغلظ الإيمان على أنهم أعادوا لك الكتب التي اقترضوها وأنت تؤكد العكس.. وبما أنه لا يوجد إثبات وأنت لم تستكتبهم إيصالا فإنك تبتلع غيظك وتصمت..|

قال لي صاحبي متوسلا:

ـ”سواء كنت تقبل إقراض الكتب أم لا، فعليك أن تقرضني مجموعة محترمة وإلا قتلني الملل.. أريد مجموعة ممتعة من الروايات.. “

رققت لحاله من ثم انتقيت من مكتبتی رواية (إيفانهو) للسير (والتر سکوت)، وحجمها يقرب من حجم دليل هاتف الصين ، وقلت له إنها رواية ممتعة وسوف يقضي معها أسعد الأوقات.

عندما عاد بعد ستة أشهر أخرج لي الرواية من حقيبته، ونظر لي بعينين جاحظتين وقال:

“إليك روايتك الكابوس !.. لقد قضيت أسود ساعات حياتي معها.. مالي أنا والفارس النبيل فلان الذي ينتظر في الغابة قدوم الفارس علان ليختبر ولاءه للملك و.. هذه قصة لا تنتهي .. “

قلت له:

.”بالضبط .. هذا ما قصدته.. لو أقرضتك رواية مسلية الانتهت خلال ثلاثة أيام، بينما هذه الرواية المملة اللعينة تحتاج إلى حكم بالمؤبد کي تنتهي منها.. عرفت أن ستة الأشهر ستنتهي وأنت لم تفرغ من أول مائة صفحة بعد. أضف لهذا أنني أمقتها ولن يشكل فقدها أية خسارة بالنسبة لي…”

على كل حال لم يبق في مكتبتي إلا الكتب المملة والكئيبة وخامدة الذكر مثل إيفانهو وسواها، لهذا وصلت إلى حالة السلام النفسي ولم يعد أحد يقترض أية كتب مني على الإطلاق..

هل ترغب في اقتراض مجموعة كتب تشرح بالتفصيل تطور صناعة المطاط في فيتنام؟.. لا مشكلة عندي.. خذها متى شئت فأنت صديقي.. أنت أخي..

أكمل القراءة

جلـ ... منار

للحياة أوّلا

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان:

كنت أراقب مرّة فيلما وثائقيا عن حياة الإرهابي أبو مصعب الزرقاوي.

الفيلم صوّر البيت الذي ولد وتربى فيه،

وجاء في التقرير المرافق:

شرفة البيت كانت تطلّ على مقبرة!

ويتابع: ماذا تتوقعون من طفل قضى طفولته كلها لا يرى من شرفته إلا القبور!

***

يبدو أنه محكوم على السوريين أن يعيشوا داخل مقبرة

القاتل والمقتول فقد سلامه، ولا يمكن لأحد منهم أن يكون سعيدا، فالسعادة لا تنبع من روح مضطربة،

والقتل والإنتقام هما عوامل الإضطراب

كنت في الصف الثامن عندما راحت معلمة العربي تتغزل بقول الشاعر محمود درويش:

للطلقة في صدر فاشستي سأغني

فانتصبت وقلت برباطة جأش:

قد اضطرّ أن أقتل فاشستيا، لكنني لن أغنّي للطلقة في صدره، فستموت الأغنية في قلبي في اللحظة التي أقتله !

لم نعد نسمع أغنية سوريّة، فلقد اختنق الصوت في صدر الجميع قاتلا ومقتولا.

لا أذكر من قال:

The world is beautiful outside when there is stability inside

(العالم الخارجي سيكون جميلا عندما يكون عالمك الداخلي مستقرأ)

لكنني أذكر أن شاعرة الحب الإنكليزية Percy Best Shelley هي من قالت:

Nor peace within nor calm around

(مالم يوجد سلام في داخلك لا يمكن أن توجد سكينة حولك)

الواقع المعيش في أي بلد على سطح الأرض هو انعكاس لطبيعة الروح “الجمعيّة” لذلك البلد!

فما بالك عندما تكون تلك الروح وليدة لثقافة: نعشق الموت كما يعشق عدونا الحياة؟

***

منذ أنا وعيت تلك الحقائق وأنا أغني للحياة..

وللسلام…

وأذرف في الوقت نفسه دمعة على القاتل

قبل المقتول

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار