أين نحن ذاهبون بما يأتيه ساكن القصر؟ هل سيأخذنا الحقد إلى ما لم نكن نريده، أم سيغلب العقل والمنطق ساكن قرطاج درءا للأسوأ؟ سيقول البعض ماذا تقول يا هذا وماذا تهذي؟
<strong>محمد الأطرش<strong>
أقول إننا فعلا في نفق مظلم قد لا نخرج منه أبدا، فرئيسنا يعيش أكبر ورطة عرفها في حياته، ولن ينجح في الخروج منها دون أن يحكّم فعلا عقله، وأن يبتعد عمن حوّلوا وجهته إلى أكثر مما كان يريد وينوي…فمن حوّل وجهة رئيسنا يا ترى؟ الإجابة في غاية البساطة، من صفقوا له ومن صرخوا باسمه طويلا هم من حوّلوا وجهة الرئيس إلى دائرة الانتقام والثأر والتصرّف كأنه السلطان أو الإمبراطور الذي يملك نصف البلاد والعباد…
قيس سعيد يعيد نفس الخطأ الذي وقعت فيه معارضة بن علي سنة 2011، فمعارضة بن علي لم تكتف بإصلاح أوضاع البلاد والبحث عن حلول لمشاكلها ومشاغل شعبها بل بحثت عن الانتقام والثأر لنفسها، ولجميع قواعدها من كل من انتموا وخدموا منظومة بورقيبة وبن علي…فجاءت بسهام بن سدرين وفرحات الراجحي وبعض الأغبياء والحمقى أمثال عماد دغيج وريكوبا وعاثوا في البلاد فسادا بمساعدة اتحاد الشغل الذي أطلق العنان لحقده الدفين، وحرّر مبادرة الانتقام لقواعده، من خلال روابط حماية الثورة المزعومة…فسحلت كفاءات البلاد، ووقع طرد أغلب من كانوا يشرفون على أكبر المؤسسات العمومية، وانتقمت من الصفوف الأولى والثانية والثالثة من كفاءات الإدارة التونسية، ثأرا منها ومن انتمائها وعملها مع منظومة بن علي، وجاءت بالصف الرابع والخامس وأهدتهم أغلب المواقع العليا التي لم يحلموا بها سابقا فأعلنوا مقابل ذلك البيعة، والولاء للحاكم الجديد النهضة ومن معها…
ثم أعلن علي العريض وبمساعدة من الاتحاد حملة واسعة لتسوية وضعيات كل القطاعات فاصبح العامل البسيط متصرفا عاما…والرقيب العادي في المؤسسة الأمنية ملازما والملازم عقيدا، فغرقت ميزانية البلاد في وحل خلاص الأجور، وانتفخت كتلة الأجور إلى أن وصلت سنة 2020 إلى حجم ما كانت عليه ميزانية الدولة سنة 2010… وهكذا سقطت البلاد في نفق لم تخرج منه إلى يومنا هذا…فمنظومة النهضة ومن معها لم يحققوا ولو وعدا واحدا من وعودهم لمن خرجوا آخر سنة 2010 وبداية سنة 2011 على منظومة بن علي…فلم يتغيّر حال العاطلين ولا حال المظلومين، بل ساءت كل أمور البلاد وتدهورت أوضاع كل العباد، فتضاعف عدد العاطلين وغرق الآلاف منهم في المتوسط بعد ان اختاروا الموت هربا من جحيم بلاد احتلها التتار، أما “الطرابلسية” عنوان فساد عهد بن علي كما يسمونهم، فقد دخلوا السجون وافلست مؤسساتهم بعد أن جاء لإدارتها “طرابلسية جدد” ممن لا يفقهون في إدارة شؤون الدولة والمؤسسات..
أما الاتحاد فقد حرر المبادرة لفروعه الجهوية والمحلية للتصرف في البلاد والعباد كما يحلو لهم وكما يريدون…فاصبح الفساد “مهيكلا” و”منظما” و”مؤطرا” ومعترفا به، وأصبح الاتحاد خلال عهدتي العباسي والطبوبي حاكما بأمره يفعل ما يريد كما يريد حيث يريد …فالاتحاد لم يترك حكومة واحدة لم يساومها ولم يهددها بالإضرابات، وبمقاطعة العودة المدرسية، وبغلق مواقع الإنتاج، فهو من كان وراء كل غلق لمؤسسات الدولة …وهو من كان وراء كل اعتصام أمام مواقع الإنتاج وهو من كان وراء هروب أغلب المستثمرين الأجانب من البلاد إلى دولة شقيقة…
أما النهضة فقد استغلت “باتيندة” التحدّث باسم الله لتطلق العنان لفصائلها المتشدّدة تكفّر الناس وتهددهم بالويل والثبور وعظائم الأمور، كما أنها فتحت المجال واسعا أمام رحلات التسفير إلى سوريا لإسقاط نظام بشار، في محاولة غريبة عجيبة لإعادة مجد الفتوحات الإسلامية …فالتحى نصف الشعب خوفا ونصفه الآخر طمعا وتقرّبا، وبقي بعض الفقراء يقاومون هنا وهناك بعد ان ارتمت أغلب النخب الوطنية في حضن شيخ النهضة…فكبرت النهضة وأصبحت غولا بمساعدة أغبياء اليسار، فاليسار كان أيضا من أكبر أسباب ما تعيشه البلاد اليوم فهو من خرج بعد 14 جانفي مهددا مولولا، ومطالبا بنصب المشانق لكل من انتموا لمنظومة بن علي، وكأنه اكتشف المقابر الجماعية، أو كأنه عاش الإبادة الجماعية فأغلب قيادات اليسار كانت تعمل سرا مع بن علي…فاليسار هو من كان وراء حل الحزب الحاكم، وهو من كان وراء المحاكمات غير الشرعية للعديد من الشخصيات الوطنية، بعضها مات قهرا وبعضها لا يزال يعاني من مخلفات ما عاشه وما عاناه…واليسار هو من كان وراء هجرة أغلب أصوات المنظومة القديمة إلى النهضة في انتخابات 2011 حين فتح الغنوشي بيته داعيا الجميع دخوله …هكذا كان حالنا مع من يسمونها “ثورة”…ثورة الحقد والانتقام والثأر ..
هذا السيناريو الذي عاشته البلاد مع معارضة بن علي نعيشه اليوم بكل تفاصيله مع قيس سعيد فالرجل لم يكن ينوي أول مرّة الاستحواذ الكامل على سلطات البلاد والتحكّم في تفاصيل الدولة، بل كان يريد فقط الثأر نفسه وإستعادة ما افتكّته منه “حكومة المشيشي” سيئة الذكر، فماذا حصل إذن ليصبح قيس سعيد خاطبا لودّ العرش كاملا دون نقصان؟
مباشرة بعد استغلاله لخروج الشعب غضبا من حكومة المشيشي والنهضة ومن معهما وإعلانه وجود خطر داهم ووجوب الانقلاب على المنظومة الحاكمة التي يعتبر هو أحد أهمّ أطرافها بتفعيل الفصل 80 من الدستور، خرجت علينا فرق الانشاد وسلاميات المدح و”الزغراطات” والمئات ممن خرجوا علينا سنة 2011 يطالبون بنصب المشانق، نفس الجوقة التي أهدت الحكم للنهضة سنة 2011 خرجت مباشرة بعد قرار ساكن قرطاج لتدعمه، وتسانده وتصرخ باسمه وتنصبه ملكا على البلاد، هؤلاء لم يكتفوا بــ”القوادة” بل عادوا لصنيعهم القديم الشيطنة وخلق الروايات الخيالية والثأر والانتقام، هؤلاء الذين فشلوا في كل المحطات التي مرّت بها البلاد عادوا طمعا في أن يتصدّق عليهم ساكن قرطاج ببعض الفتات ويشركهم معه في حكم البلاد، فخطابهم اليوم هو خطاب حاقد إلى أبعد الحدود…خطاب تحريضي وخطاب يدعو إلى الانتقام من منظومة بورقيبة وبن علي ومنظومة السنوات العشر ومنظومة 2019 التي يرأسها ساكن قرطاج الحالي…هؤلاء لم يكتفوا بالانقلاب على منظومة حكم المشيشي والنهضة ومن معهما، وهو الأمر الذي قبل به الجميع حتى بعض من كانوا مع المنظومة، وأنا أحد أكثر من طالبوا بإسقاط حكومة المشيشي حين كتبت يوما واحدا قبل انقلاب ساكن قرطاج مقالا في نفس هذه الجريدة عنوانه “هل اصبح المشيشي خطرا على البلاد؟”…
بعض هؤلاء الذي هرولوا إلى دائرة قيس سعيد خدعوه وأوهموه أنه قادر على إخراج البلاد مما هي فيه، وأن كل الوسائل التي بحوزته ستجعله يكسب الرهان بسهولة، فكان أن جاؤوا بقائمة من تقرير عبد الفتاح عمر لرجال أعمال اقترضوا الكثير من الدولة سنوات حكم بن علي، وأوهموه أن استرجاع هذه الأموال من رجال الأعمال سيكفيه عناء التفكير في كيف يخرج البلاد مما هي فيه اقتصاديا…فسقطوا في شرّ أفكارهم الشيطانية فتلك القائمة سوّت وضعياتها ولم تعد صالحة لأي إجراء أو محاسبة…وبعد الخيبة الأولى نصحوه بالعمل على استرداد “الأموال المنهوبة” فبحث في الأمر فلم يجد جوابا يكفيه عناء التفكير في وضع البلاد الاقتصادي …هكذا أوهموا ساكن قرطاج بأنه سيخرج البلاد مما هي فيه ببساطة…لكنهم أوقعوه في الخطأ…فماذا فعل بعد ذلك؟ انطلق في حملات لمقاومة الفساد دون أية دراسة للملفات، فأصبحت كل الأسماء التي يشتبه في فسادها “فايسبوكيا” تحت الإقامة الجبرية ومعرّضة لهتك الأعراض والادعاءات الكاذبة من لدن جوقة التصفيق والمدح والثناء من أغبياء اليسار ومصفقي ساكن قرطاج الذي اساؤوا إليه أكثر مما نفعوه…
بعد أكثر من شهر شعر قيس سعيد بأنه في ورطة كبيرة، لن يخرج منها بالسهولة التي كان يتصورها والتي أوهموه بها…فحكم بلاد تعيش أزمة خانقة لن يكون بالسهولة التي رسمها بعض الاغبياء ممن امتلأت قلوبهم حقدا على كل خصومهم، وعلى كل من حكم البلاد قبلهم…فقيس سعيد انساق وراء مزاج من هم حوله فاستعدى أغلب مكونات المشهد السياسي، فبقي وحيدا دون سند سياسي غير عشرات الآلاف من المصفقين وحسن الزرقوني الذي أدخل ساكن قرطاج في أحلام قد لا تتحقّق لو واصل على هذا النحو…فالتصفيق لن يوفر موارد رزق للعاطلين ولن ينعش خزينة الدولة ولن يدفع ديون البلاد لمستحقيها ولن يوفر أجور العملة والموظفين…
فماذا سيفعل يا ترى؟ لا شيء غير الهروب إلى الأمام من خلال “لا عودة إلى الوراء” التي أعادها ألف مرّة…فالرجل سيعلن تعليق العمل بالدستور أو الاستغناء عنه تماما، أي نعم الاستغناء عن الدستور الذي وفّر له فرصة الانقلاب دستوريا على رفاقه في المنظومة فهو وإن أنكر ذلك، جزء من هذه المنظومة…وبذلك سيكشف لكل العالم أن ما فعله هو انقلاب كامل الشروط لا غبار للاستثناء فيه…وهذا الانقلاب لن يقبل بالسهولة التي ربما أوهموه بها سواء كان ذلك خارجيا أو داخليا … وكشفه للانقلاب سيتركه فعلا وحيدا في مواجهة أوضاع البلاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فكل القوى الأخرى ستتكتل ضدّه لترفض أي دستور سيصاغ في غرف مظلمة من أصدقاء ساكن القصر وهم كثر وبعضهم بدأ فعلا في كتابة القصائد المدحية لمولاهم من خلال ما يكتبونه من مقالات وتدوينات عن القانون وتفاصيل القانون …فهم يخلقون المبررات والحجج ليكون مولاهم على حقّ…وليكون لهم غدا أقرب موقع من مولاهم في أحد قصور الحكم…كما أن الرجل سيعدّل أو سيعدّ قانونا جديدا للانتخابات وسيعلن عن حكومة جديدة أعان الله من سيكون وزيرا أول على رأسها فهو من سَيُحَمِّلهُ ساكن قرطاج مسؤولية كل المصائب التي ستعرفها البلاد اقتصاديا واجتماعيا في قادم الأشهر قبل أن يعلن إقالته…ثم وفي مرحلة أخيرة سيعلن ساكن قرطاج عن موعد للانتخابات التشريعية فماذا لو رفض الجميع دستور مولانا….وما سيفعله مولانا…ماذا لو قاطعوا كل من يقرره مولانا…هل فكّر في أمر كهذا مولانا أم أن من أوهموه أنه المنقذ نسوا أن ينبهوه إلى تبعات كل ما يفعله وما يأتيه؟
خلاصة قولي…كل ما تعيشه البلاد ومنذ أكثر من عشر سنوات يحكمه المزاج والحقد والرغبة في الثأر والانتقام عند البعض منّا…فاليوم وحين نستمع إلى أي خطاب من ساكن قرطاج نشعر بمنسوب مرتفع جدا من الحقد ورغبة جامحة في الانتقام من الجميع…والأحقاد لا تقاوم الفساد أبدا…وما لم نترك المزاج جانبا…ونتخلص من الأحقاد التي تنخر صدورنا فلن نخرج مما نحن فيه…نحن في عين الإعصار، ولا أحد من كبار قومنا تفطّن للخطر الداهم الذي لم يتفطّن له ساكن قرطاج…فكم سيدوم الاعصار يا ترى…وهل ستشرق الشمس بعده أم سيعمّ الظلام…؟؟ وإلى أين يأخذنا انقلاب قيس سعيد، أم ينقلب قيس على قيس؟
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…
عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟
في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…
مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…
تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…
اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…
إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…
قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…
الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟
موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…
قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …
كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.
تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.
سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.
الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.
هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟
أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…
ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟
يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.