الآن، وقد أُسدل الستار على أحد أكبر الاستحقاقات التربوية في بلادنا من حيث عدد العائلات المعنيّة بنتائجه ومن حيث كونه بوّابة مركزية ومعبرا أساسيا تمرّ منه أجيال بكاملها نحو دروب أوسع للعلم والمعرفة والحياة بصورة عامة… يحقّ لنا أن نتمنّى أفضل النتائج لأوسع طيف ممكن من المترشّحين (باعتبار الباكالوريا امتحانا وليست مناظرة كما يُروّج بعض الناس) ويتعيّن علينا في نفس الوقت أن نستبق ما ينتظر هؤلاء من مواعيد لاحقة وما يحف بها من قواعد وضوابط واشتراطات تضعها وزارة الاستقبال في سياق ما يُعرف بمناظرة التوجيه الجامعي.
<strong>منصف الخميري<strong>
وفي ضوء الهِنات والاخلالات التي تمّ تسجيلها خلال السنوات الماضية والتي تضرّر من تبعاتها عدد غير قليل من التلاميذ الناجحين في الباكالوريا، إرتأيت أن أستبق موعد 26 – 30 جويلية 2023 (وهي فترة تعمير بطاقات الاختيارات بالنسبة إلى الناجحات والناجحين هذه السنة) لأرفع جملة من النداءات والملاحظات إلى وزارة التعليم العالي قصد تصويب بعض الأخطاء التي حصلت في السابق، واعتماد أكبر قدر ممكن من الليونة بما ييسّر تحقيق أبنائنا لانتظاراتهم وكسب طموحاتهم… لأن القوانين والمقاييس توضع دائما لحسن سير المرفق المعني وضمان العدالة بين الناس وإتاحة كل فرص الامتلاء أمامهم.
كتاب في 221 صفحة مؤثث بآلاف المعطيات ومئات المؤسسات الجامعية وآلاف التخصّصات والرموز وكمّ هائل من التنبيهات والمحاذير والإحالات الهامة على الخدمات الجامعية والطب المدرسي والجامعي وإجراءات سحب التسجيل ومناظرات إعادة التوجيه الخ… توضع في رابط رقمي على موقع التوجيه الجامعي ويُطلب من الناجحين الجدد تصفّحها كلها على شاشة الهواتف الخاصة (قليلون جدا من يستعملون الحواسيب لتصفح دليل التوجيه الجامعي في نسخته الرقميّة) والقيام باختيارات حاسمة تأخذ بعين الاعتبار كل هذه الترسانة الضخمة من المعطيات.
المعضلة أن اتخاذ قرار يسعى صاحبه لأن يكون متوازنا ومتبصّرا وذا معقولية عالية، يتطلب تفكيرا ومقارنات وتقديرات وحسابات لا تحصل إلا من خلال مئات عمليات الذهاب والإياب بين صفحات الدليل… الشيء الذي لا يتيسّر إلا على الورق بوضع علامات وإشارات هنا وتسطير وتلوين هناك من أجل تشكيل رؤية مساعدة على وضع أسلم الاختيارات وترتيبها … في سياق نفسي يتّسم بالحيرة والارتباك والتوجّس. إن الدليل الورقي الذي لا يوزّع إلا على الناجحين في الباكالوريا لا يكلّف الدولة مصاريف باهظة (مقارنة بنفقات أخرى يستفيد منها الأفراد أكثر بكثير من المجموعة الوطنية) وقد سبق لي شخصيا أن اقترحت أن تُباع هذه الوثيقة المرجعية الهامة لمُستحقّيها بدينار واحد حتى تسترجع وزارة التعليم العالي مصاريف طبعها بالكامل خلال يوم واحد أو يومين !!!
ثانيا : لا تُعاقبوا الناجحين في دورة المراقبة بل أثنوا عليهم وعلى مجهوداتهم
إن مبدأ تيسير النجاح أمام المجتازين لدورة المراقبة الذي تعتمده وزارة التربية من خلال احتساب أفضل العدديْن المتحصل عليهما بين الدورة الرئيسية ودورة التدارك، يجد صدّا في وزارة التعليم العالي معتبرة أن “المؤجّلين” لا يستحقون أن يكونوا “مبجّلين” في النجاح وكذلك في التوجيه… فتعتمد صيغة حسابية “ماكرة” تُعيق تلميذ المراقبة مهما بلغت درجة اجتهاده ومهما علت أعداده المتحصل عليها، وتتمثل في احتساب معدل الرئيسية ضارب 2 ومعدل المراقبة ضارب 1 مع قسمتهما على 3 وذلك بالنسبة إلى المعدل العام ومعدلات المواد أيضا لتنزل المعدلات المترشح بها وُجوبا. فماذا لو تخلّت وزارة التعليم العالي عن هذا المنطق التمييزي السلبي واعتمدت المعدلات النهائية المُحتسبة لتلميذ الباكالوريا كما ترد عليها من وزارة التربية ؟ أيُنقص ذلك شيئا من قيمة الناجحين في الدورة الرئيسية ؟
ثالثا : التنفيل الجغرافي لم يعد ثمة ما يبرره بل هو مصدر مظالم في حق أبناء التونسيين
هذه الآلية المتمثلة في تنفيل المترشحين للتوجيه الجامعي بنسبة زائدة في مجموع نقاطهم تُقدّر بــ 7% كلّما طلبوا شعبة هي الأقرب إلى مقر سكناهم وكان لها مثيل في جهات أبعد جغرافيا… كان لها ما يبرّرها نسبيا عندما اشتد الضغط على الأقطاب الجامعية الكبرى وخاصة على مستوى خدمات الإقامة والإعاشة. أما اليوم، وقد انفجرت الخارطة الجامعية بشكل غير مسبوق وتعاظمت نزعة شريحة واسعة من الطلبة نحو اكتراء الشقق الخاصة وبرزت اختلالات كبرى على مستوى جودة التكوين بين مؤسسات “الداخل” والمؤسسات المتواجدة بالمدن الكبرى (لاعتبارات موضوعية ليس هذا سياق التداول بشأنها)… فقد بات الاستمرار في اعتماد مبدأ التنفيل الجغرافي من قبيل الظلم وانتفاء مبدأ المساواة. ويتجلى هذا الحيف في تمتيع تلاميذ المدن الكبرى”الأكثر حظا أصلا” بتنفيل يقوّي حظوظهم في الحصول على شُعب مرموقة على حساب من لا يتمتع بذلك الامتياز… وإذا كانت وزارة التعليم العالي تخلّت عن هذه الآلية بالنسبة إلى شعب الطب والأقسام التحضيرية للدراسات الهندسية والإجازة في التربية والتعليم من أجل تحقيق أكبر قدر ممكن من الإنصاف وتكافؤ الفرص بين جميع الناجحين في الباكالوريا… فما الذي يمنعها من تعميم هذا “الإصلاح” على سائر الشعب الأخرى بعد أن اتضح عدم جدواها ؟؟؟
رابعا : إعادة التوجيه (14 – 17 أوت 2023) على قاعدة مجموع آخر موجّه في الدورة الرئيسية حقّ ثابت ومقدّس لا يجوز المساس به.
من البديهي أن التلميذ الناجح في الباكالوريا يختار توجيهه بناءً على مؤشرات تقريبية تخص السنوات السابقة لأن “المستويات الحقيقية لمجموع النقاط” بالنسبة إلى دورة 2023 لا تتحدّد إلا أثناء تنافس المترشحين في جويلية 2023… وعليه، فإنه من الطبيعي تماما أن يُقْدِم الطالب الجديد على محاولة تعديل اختياراته في ضوء المؤشرات الحقيقية الجديدة من خلال المشاركة في الدورة المخصصة لإعادة التوجيه (وهنا لا أتحدث عن مطالب النقلة أو الملفات الاجتماعية والطبية). وكلما كان مجموعه يساوي أو يفوق مجموع آخر موجّه إلى شعبة معينة، يُمتّع آليا بالحصول على تلك الشعبة المرغوب فيها كما كان يحصل على مرّ عشرات السنين. وإن التذرّع بالإخلالات التي قد تحصل في طاقة استيعاب بعض الشعب لا يستقيم لأنه جرت العادة أنه بالنسبة إلى هذه الفئة بالذات يكون عدد طالبي الخروج هو نفسه تقريبا مقارنة بعدد طالبي الالتحاق… دون الدّوس مطلقا على شرط توفّر مجموع النقاط.
خامسا : توزيع الطلبة الجدد بشكل جُزافي خلال الدورة النهائية مجرّد هروب من المسؤولية
هناك سنويا بعض الآلاف من التلاميذ الناجحين الجدد في الباكالوريا لا يمكنّهم مجموعهم من الحصول على شعب بعينها يرغبون فيها، فيُلقى بهم في مؤسسات جامعية (مازالت شاغرة على مستوى طاقة الاستيعاب المحددة لها) عادة ما تكون بعيدة جدا عن المدن الجامعية الكبرى (قبلي وتطاوين وتوزر وجربة…) في إطار ما تُسمّيه وزارة التعليم العالي بآلية “المقترحات” والحال أنها في الحقيقة تعيينات نهائية.
المشكل يُطرح بحدّة عندما لا يلتحق الطالب الجديد بهذه الجهات ثم يعود بعد سنة أو أكثر لتسوية وضعيته ومواصلة دراسته الجامعية، فيُفرض عليه (بالقانون) أن يلتحق بتلك المؤسسة الذي تمّ تعيينه بها دون علمه أحيانا ومحاولة تسوية وضعيته مع إدارتها… بينما يكون من الأسلم والأكثر وجاهة أن تظل هذه الفئة على ذمّة الإدارة العامة للشؤون الطالبية ويتمّ التصرف مع أفرادها حالة بحالة على قاعدة مجموع النقاط للسنة المعنيّة…
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.