تابعنا على

جلـ ... منار

إيران وتركيا ونحن.. الاستدارة الاستراتيجية حولنا

نشرت

في

تكاد تحولات عميقة تضرب بنية الإقليم، الذي نحيا فيه وترتبط مصائرنا به، دون أن ننتبه بما هو كاف وضروري لما يحدث حولنا ويؤثر في أوضاعنا ومستقبلنا.

عبد الله السنّاوي
<strong>عبد الله السنّاوي<strong>

نحن أمام استدارة استراتيجية متزامنة لقطبين إقليميين كبيرين، إيران وتركيا، تختلف في حساباتها عما جرت عليه الأمور بعد احتلال العراق قبل نحو عقدين.
عند سقوط بغداد نشأ فراغ استراتيجي في المشرق العربي ضرب الأمن القومي في صميم أدواره.
بطبائع الأمور فإن
التاريخ لا يعرف الفراغ.
تقدمت إيران وتركيا لملء الفراغ الإقليمي في ذلك البلد العربي الجوهري بطريقتين مختلفتين.
كان الدور الإيراني أكثر حضورا عسكريا وسياسيا عبر تحالفات وأدوار خشنة لتأمين ما تعتقد أنه خطر مستقبلي محتمل على أمنها ومصالحها.. اتسع نطاق نفوذها في أكثر من بلد عربي دون أن تؤسس لأوضاع استقرار يعول عليها واستقطبت عداوات لا يستهان بها.

بقوة الحقائق التي قد تستجد بعد الإحياء المرجح للاتفاق النووي فإنها سوف تجد نفسها مدعوة لفتح صفحة جديدة مع العالم العربي فيما يشبه الاستدارة الاستراتيجية.
المقاربات سوف تختلف في الأزمات التي تتداخل فيها، دون تخل عن تصورها لمصالحها الأساسية في أية تسويات مقبلة.
التهدئة بقدر ما هو متاح وممكن، عنوان إيراني رئيسي مع اللاعبين الإقليميين الآخرين.

تركيا مدخلا ومصر ودول الخليج أساسا دون تخفيض سقف الصراع مع إسرائيل، لأنه إذا ما جرى أي تراجع جوهري في مستوى ذلك الصراع، بمساومة أو أخرى، بضغط أو آخر، تخسر أهم أوراقها الإقليمية بالنظر إلى ما تحوزه القضية الفلسطينية الجريحة من شعبية حقيقية في الشارع العربي.
يتعين ــ هنا ــ الالتفات إلى مناورات ومقايضات ربع الساعة الأخيرة قبل إعلان التوصل إلى إحياء الاتفاق النووي حيث إسرائيل طرف رئيسي فيها بالتحريض المباشر على طهران.

لا توجد نقاط خلاف حقيقية حول الاتفاق نفسه، فنحن أمام عملية إحياء لا عملية إنشاء اتفاق جديد.
الخلاف كله حول ما يلحق إحياء الاتفاق من تداعيات، مستقبل المشروع الصاروخي الإيراني وأدوارها الإقليمية وألا يكون بوسعها مستقبلا إنتاج سلاح نووي، حتى إذا تحللت الولايات المتحدة من الاتفاق ومزقته مرة ثانية بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة عام (2024).

تحاول إسرائيل حصد أكبر مكاسب ممكنة بالاستثمار في التراجع الفادح لشعبية الرئيس الأمريكي “جو بايدن” قبل الانتخابات التشريعية المقبلة المرجح أن يخسرها حزبه الديمقراطي.
بصورة أو أخرى فإن بايدن المأزوم داخليا والمستنزف استراتيجيا في الحرب الأوكرانية يحتاج إلى إنجاز سياسي خارجي يلتزم ببرنامجه الانتخابي ويرضي بالوقت نفسه الحلفاء الأوروبيين دون أن يبدو أنه قد خضع للإيرانيين في نهاية مفاوضات غير مباشرة على مدى ما يقارب العام.

بالمقابل فإن الإيرانيين حريصون على إثبات أنهم حصدوا تنازلات جوهرية من الولايات المتحدة، والتأكيد على أنهم لم يتوقفوا طويلا أمام تصنيف “الحرس الثورى” في خانة الجماعات الإرهابية، لأنه لم يكن من خطوطهم الحمراء.
إنها معركة الصورة، صورة الإدارة الأمريكية قبل انتخابات الخريف وصورة النظام الإيراني في عين شعبه وأنصاره.
في أية استدارة استراتيجية متوقعة إثر إحياء الاتفاق النووي تطرح الأسئلة الكبرى نفسها على جدول أعمال الإقليم

ـ أين الأولوية: للداخل الإيراني وتحسين أحواله المعيشية من فوائض النفط والأموال المجمدة أم لرفع منسوب أدوارها الإقليمية؟
بالنظر إلى الاضطرابات الاجتماعية التي تنشأ من وقت لآخر فالأغلب أن تكون الأولوية للداخل المنهك بأثر العقوبات دون تخفيض كبير في مستوى أدوارها الإقليمية.

ـ ما فرص إنهاء المحنة المأساوية اليمنية بتفاهم سعودي إيراني؟
هناك مفاوضات جارية تقول التسريبات إنها توصلت إلى اختراقات يعتد بها دون أن تعلن تفاصيلها انتظارا إلى إحياء الاتفاق النووي.ـ

ـ ما الذي قد يستجد على الساحة السورية التي تطاحنت فوق أراضيها مصالح واستراتيجيات وقوى دولية وإقليمية؟
السؤال السوري بذاته يلفت النظر إلى الطرف الإقليمي المضاد على مسارح صراعاته، اللاعب التركي، الذي أقدم على استدارة استراتيجية لافتة في الأيام الأخيرة بالانفتاح على النظام السورى برعاية روسية وقبول إيراني وغياب عربي.
أخذت أنقرة وقتا طويلا لتكتشف أن انخراطها في الأزمة السورية بالتسليح والتدريب والتمويل لجماعات عنف وإرهاب قوض من شعبية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالانشقاقات داخل حزبه والانتقادات المتصاعدة من معارضيه.

عندما تقدمت تركيا لملء الفراغ الاستراتيجي بعد سقوط بغداد عبرت عن نفسها بقوة نموذجها في الحكم ومعدلات الإنجاز الاقتصادي والاجتماعي فى السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين.
في ذلك الوقت قيل على نطاق واسع إن القرن الجديد سوف يكون تركيّا في الشرق الأوسط، غير أنه تقوض بصورة مزرية، الليرة التركية انهارت والبلد كله وجد نفسه مدفوعا بأفكار “العثمانية الجديدة” إلى منزلقات استنزفت دوره الإقليمي واحترامه فى محيطه.
باسم حماية الأمن القومي تورط الأتراك إلى حدود بعيدة في المستنقع السوري.. ودخلوا في مواجهات عسكرية لا نهائية مع الأكراد المتمركزين على الحدود المجاورة بالعراق.
وباسم العثمانية الجديدة أقحموا أنفسهم في صدامات مفتوحة مع دول عربية كمصر والخليج على خلفية الموقف المتناقض من جماعة “الإخوان المسلمين”.

المراجعات التركية بدأت فعليا بعد فشل الانقلاب العسكري على أردوغان عند منتصف عام (2016).
بدأ التحلل التدريجي مع الجماعة والاقتراب الحثيث من مصر والخليج.
الآن القواعد تكاد تختلف تماما باستدارة استراتيجية شبه كاملة حيث تتبدى احتمالات لقاء قريب بين الرئيسين التركي والسوري لبدء صفحة جديدة تنتقل بمقتضاها العلاقات من “العداء المطلق” إلى “التفاهم الممكن”.
لا يمكن تخيل حل الأزمات المتراكمة بضغطة زر، الجديد والمهم أن المقاربات اختلفت.

بنظرة أوسع فإن تركيا تحاول الاستثمار إلى أبعد نقطة ممكنة في الحرب الأوكرانية.
نجحت في التمركز بين القطبين الأمريكي والروسي.
بحكم عضويتها في حلف “الناتو” فهي طرف رئيسي مفترض بالحرب الأوكرانية.
وبحكم موقعها الجغرافي بالقرب من الحدود الروسية فهي معنية بألا تفلت الأمور إلى حدود تضرب مصالحها وأمن مواطنيها وتمد خطوط التفاهم مع موسكو.

باسم أنها الوسيط الأكثر مقبولية فى أية مفاوضات مقبلة لتسوية الأزمة الأوكرانية أدارت التوازنات المعقدة.
نجحت فى إنهاء أزمة تصدير الحبوب الأوكرانية بمفاوضات جرت فى إسطنبول شاركت فيها الأمم المتحدة.
قايضت بالوقت نفسه الناتو على انضمام السويد وفنلندا إلى عضويته بشروط ترى أنها تدخل في صميم أمنها القومى، قاصدة مباشرة الأكراد على حدودها.
لم تتردد أن يحضر رئيسها قمة في طهران ضمته إلى الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والإيراني إبراهيم رئيسي بتوقيت متزامن مع القمة الأمريكية العربية في جدة.
وظفت التوازنات لتعظيم نفوذها الإقليمي، لكنه ظل معلقا في الهواء إلى حين أن يستقر على أرض في الأزمة السورية بالذات والخصوص.

فيما أبدت أنقرة استعدادها للانفتاح على دمشق وجهت ببراغماتية زائدة رسالة مضادة تطمئن إسرائيل بإعلان إعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة معها.

في الاستدارة الاستراتيجية الماثلة فرص وتحديات وكمائن وتساؤل يطرح نفسه: أين نحن من ذلك كله؟!

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

للحياة أوّلا

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان:

كنت أراقب مرّة فيلما وثائقيا عن حياة الإرهابي أبو مصعب الزرقاوي.

الفيلم صوّر البيت الذي ولد وتربى فيه،

وجاء في التقرير المرافق:

شرفة البيت كانت تطلّ على مقبرة!

ويتابع: ماذا تتوقعون من طفل قضى طفولته كلها لا يرى من شرفته إلا القبور!

***

يبدو أنه محكوم على السوريين أن يعيشوا داخل مقبرة

القاتل والمقتول فقد سلامه، ولا يمكن لأحد منهم أن يكون سعيدا، فالسعادة لا تنبع من روح مضطربة،

والقتل والإنتقام هما عوامل الإضطراب

كنت في الصف الثامن عندما راحت معلمة العربي تتغزل بقول الشاعر محمود درويش:

للطلقة في صدر فاشستي سأغني

فانتصبت وقلت برباطة جأش:

قد اضطرّ أن أقتل فاشستيا، لكنني لن أغنّي للطلقة في صدره، فستموت الأغنية في قلبي في اللحظة التي أقتله !

لم نعد نسمع أغنية سوريّة، فلقد اختنق الصوت في صدر الجميع قاتلا ومقتولا.

لا أذكر من قال:

The world is beautiful outside when there is stability inside

(العالم الخارجي سيكون جميلا عندما يكون عالمك الداخلي مستقرأ)

لكنني أذكر أن شاعرة الحب الإنكليزية Percy Best Shelley هي من قالت:

Nor peace within nor calm around

(مالم يوجد سلام في داخلك لا يمكن أن توجد سكينة حولك)

الواقع المعيش في أي بلد على سطح الأرض هو انعكاس لطبيعة الروح “الجمعيّة” لذلك البلد!

فما بالك عندما تكون تلك الروح وليدة لثقافة: نعشق الموت كما يعشق عدونا الحياة؟

***

منذ أنا وعيت تلك الحقائق وأنا أغني للحياة..

وللسلام…

وأذرف في الوقت نفسه دمعة على القاتل

قبل المقتول

أكمل القراءة

جلـ ... منار

أنا لم أتغير !

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د. أحمد خالد توفيق

هناك ناقدة أمريكية كانت تحب فيلم “ذهب مع الريح” وشاهدته عشرات المرات، فجأة شاهدته عندما تقدمت في العمر.. أثار دهشتها أنها لم تنفعل وبدا لها سخيفًا مفتعلاً، وكتبت تقول: الفيلم تغير .. لم يعد نفس الفيلم الذي كنت أشاهده قديمًا!

هذا هو السؤال الأبدي الذي يطاردك عندما تكون في سني: هل الحياة قد ساءت حقًا أم إنني لم أعد كما كنت؟

في صباي كنت أسمع أبي لا يكف عن استعادة ذكريات صباه.. كانت الدجاجة بحجم الخروف، والخروف بحجم ديناصور، وكانت للأزهار رائحة حقيقية.. زهرة واحدة كانت تغمر بالشذى حيًا كاملا من أحياء دمنهور – حيث ولد- دعك من الفراولة والتفاح.. كان يمكنك أن تعرف أن هناك من ابتاع نصف كيلو تفاح أو فراولة في دمنهور كلها؛ لأن الرائحة تتسرب لكل شيء.. كانت الأغاني أعذب والفتيات أجمل والأفلام أمتع والبشر أنقى..

كنت أستمع – أو أسمع- لهذا الكلام في تأدب، وإن كنت أنقل قدمي مائة مرة في ملل أخفيه… وقد بدا لي خيطًا لا ينتهي من كلام الشيوخ المعتاد: هي الفراخ بتاعتكم دي فراخ؟..

دي عصافير.. كنا بنشتري عربية وفيلا ودستة بيض بنص ريال…. إلخ

حدثني أبي عن أفلام عصره وعن إيرول فلين المذهل وجيمس كاغني العبقري و… و… على الأقل صار بوسعي اليوم أن أرى هذه الأفلام كدليل لا يُدحَض، فلا أرى فيها أي شيء خارق.. التخشب الهوليودي المعتاد والكثير من الافتعال..

نقّبت عن نقاء الناس في ذلك العصر، فقرأت عن ريا وسكينة النقيتين، والبواب النقي الذي اغتصب طفلة في الثالثة من عمرها عام 1933، والفنانة النقية التي ضبطت زوجها النقي مع الخادمة النقية في المطبخ ليلة الدخلة!

وماذا عن الفنان النقي: فلان.. الذي اقتحم مكتب الناقد الذي لم يرُقْ له فيلمه الأخير شاهرًا مسدسه؟ كان هناك حي دعارة شهير جدًا في طنطا اسمه: الخبيزة.. واليوم صار سوقًا شعبيًا محترمًا.. فأين هذا النقاء إذن؟

لكن أبي – رحمه الله- عاش ومات وهو مؤمن بأن الحياة قد صارت سيئة، كأنها صورة صنعت منها نسخة تلو نسخة تلو نسخة حتى بهتت ولم تعد لها قيمة..

اليوم أنظر أنا بدوري إلى الوراء فيبدو لي أن الحياة كانت أفضل في صباي بكثير… قلت لابني إن الأغاني في عصري كانت أعذب والفتيات أجمل والأفلام أمتع والبشر أنقى… أرغمته على مشاهدة بعض أفلام السبعينات على غرار الأب الروحي وقصة حب.. فشاهدها وقال لي بصراحة إنها زي الزفت… أغاني البيتلز والآبّا والبي جيز (خنيقة) جدًا في رأيه.. ولم يحب أية أغنية من أغاني وردة الجزائرية الحارقة في أوائل السبعينات مثل: حكايتي مع الزمان واسمعوني.. طبعًا لم أحاول أن أسمِعه أم كلثوم فأنا لست مجنونًا.. لن يفهمها ولو بعد مائة عام..

قلت له في غيظ إنه بعد عشرين سنة -أعطاه الله العمر- سوف يُسمع ابنه أغاني شاجي وإنريكي إغلسياس وفيرجي ويعرض عليه أفلام: الرجال إكس والفارس الأسود.. لكن الوغد الصغير سيؤكد له أنها زبالة، إلا أن ابني لم يصدق.. يعتقد أن الأخ شاجي خالد للأبد..

نعم كان لرمضان رائحة وحضور في الماضي.. كانت هناك رائحة مميزة للعيد.. تصور أن عيد الثورة كانت له رائحة؟ كان قدوم الربيع يعلن عن نفسه مع ألف هرمون وهرمون يتفتح في مسامك، فتواجه مشكلة لعينة في التركيز في دروسك والامتحانات على الأبواب، بينما الحياة ذاتها قد تحولت إلى فتاة رائعة الحسن تنتظرك..

أذكر يوم شم النسيم وأنا في الصف الثالث الإعدادي، أمشي في شوارع طنطا التي مازالت خالية في ساعة مبكرة، مزهواً بنفسي أوشك على أن أطير في الهواء، وأتمنى لو عببت الكون كله في رئتي.. بينما المحلات تذيع أغنية حفل الربيع التي غناها عبد الحليم حافظ أمس: قارئة الفنجان.. تصور أن الأغنية مازالت طازجة ساخنة خرجت من حنجرة الرجل منذ ساعات لا أكثر… للمرة الأولى أسمع: بحياتِكَ يا ولدي امرأة.. عيناها سُبحانَ المعبود..

أنا شاب.. لقد كبرت.. لن تتغير هذه الحقيقة.. الغد أفضل بمراحل.. الكون كله ينتظرني.. سوف أصير أمين عام الأمم المتحدة وأتزوج راكيل ويلش، وأفوز بجائزة نوبل في الأدب، وفي وقت فراغي سأمارس هوايتي في إجراء جراحات الجهاز العصبي.. هذا قد يضمن لي جائزة نوبل أخرى..

من يدري؟ قد أصير أول رائد فضاء عربي.. بالمرة، ولسوف أصير وسيماً أشقر الشعر أزرق العينين.. لا أدري كيف.. يجب أن تكون في الخامسة عشرة لتفهم..

نعم.. لم يعد شيء في العالم كما كان.. أبتاع الفراولة وألصق ثمارها بأنفي وأشم بعنف.. لا شيء.. لو حشرت ثمرة منها في رئتي فلن أجد لها رائحة… ماذا عن التفاح الذي لا تقتنع بأنه ليس من البلاستيك إلا عندما تقضم منه قطعة؟ عندها تحتاج لفترة أخرى كي تقتنع أنك لم تقضم قطعة من الباذنجان.. أين ذهب جمال الفتيات؟ ولماذا لم أعد أرى إلا المساحيق الكثيفة، حتى تشعر أن كل فتاة رسمت على وجهها وجهًا آخر يروق لها؟

أين ذهبت العواطف الحارقة القديمة عندما كنت تكتب عشرات القصائد من أجل ابتسامة حبيبتك؟ اليوم لو تزوجتها وأنجبت منها عشرين طفلاً فلن تجد في هذا ما يأتي بالإلهام!

الإجابة التي تروق للمسنّين هي: الحياة تغيرت ولم تعد هناك بركة… لكن الإجابة الأقرب للمنطق هي: الحياة لم تتغير.. أنت تغيرت !!

ربما صار شمّي أضعف.. ربما صار بصري أوهن.. ربما صار قلبي أغلظ.. ربما تدهورت هرموناتي.. ربما صرت كهلاً ضيق الخلق عاجزًا عن أن يجد الجمال في شيء.. ربما مازالت الفتيات جميلات، والفراولة عطرة الرائحة وأغاني هذا الجيل جميلة..

نعم هو المنطق ومن النضج أن أعترف بهذا.. لكن من قال لك إنني أريد أن أكون كذلك؟ أفضّل أن أظل شابًا على أن أكون ناضجًا، لهذا أقول لك بكل صراحة:

“الحياة صارت سيئة ولا تطاق فعلاً.. الله يكون في عونكم.. هيّ أيامكم دي أيام؟”

Motifs 4

أكمل القراءة

جلـ ... منار

لروحك السلام يا آخر العباقرة

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

غادة السمّان:

ماذا يقال في رحيلك وقد قلتَ كلّ شيء.

يخجل القلب من نعيك، ويضيق الحرف برثائك، تفيض المشاعر حزناً وصدمة إنّما لا يتّسع الفضاء الالكتروني لترجمتها.. تربّطت أصابعي عن النقر على لوحة الحروف واحترقت دموعي غزارة في المُقل.

غبت أيّها المتمرّد الأوّل يا من نفضت الغبار عن فكرنا لنستنير وبقينا جهالاً!

هذا المقال أوائل البدايات في الصحافة كتبته في 2018 وكان من أجمل ما كتبت لأجمل من عنه كتبت

تأثّرت بك وانتظرت عودتك لأعاصر شيئاً من فنّك الأسطوري.

كان مقالي حلماً جميلاً لكنّك رحلت دونما وداع كما أعزّ أحبّائي.

ثقُل كأس الموت يا تمّوز، حرقته لاذعة ترفض التروّي فمهلاً على المواجع

شخصٌ بمثابة الحلم تتمنّى إدراك حقيقته و سبر عمق أغواره، إلّا أنّك إن نلت شيئاً عنه تجد أنّك لا زلتَ على البرّ المربِك، الأكثر حيرةً.

لطالما تمنيّتُ أن أفهم من هو؟وكيف يُفكّر؟ ومن أين يأتِ لنا بكلّ تلك الحقائق الصادمة؟ السّاخرة والآخذة.

لِمَ هو بهذا التعقيد وتلك السلاسة في وقتٍ واحد؟!

كلّما صعُبَ عليك فهمه هان، و كلّما هانت كلماته استصعبت.

ذلك السّهلُ الممتنع ممتلئٌ بالشغف وكثير البرود، أستمعُ إلى حواراته القليلة جدّاً فأتمنّى أن أجد لتساؤلاتي أجوبة..

‎ زياد الرّحباني اعترافات مشاكسة عمّا يجول في خاطره، يفاجِئُكَ ببساطة مفرداته وصعوبة تقبّلها في آن، حين يقول ” أنا مائة ألف شخصيّة فايتين ببعض” ويذهلك بحقيقةٍ أمرّ.

‎مضيفاً “بعد 5 دقائق من ولادتك رح يقرّروا دينك، جنسيتك، مذهبك، طائفتك، ورح تقضّي عمرك عم تدافع بغباء عن إشيا ما اخترتا”!! حتّى أنّه علّق وانتقد تغيير التوقيت حيث قال ساخراً:

‎” كل سنة بتقدموا السّاعة وبترجعوا لورا 10 سنين”.

هل هو بهذه العبقريّة التي يبدو عليها أم نحن بتنا جهالاً، لكثرة ما خذلتنا المعرفة في هذا الوطن الكئيب.

لماذا لا نرى ما يراه و نفقه ما يقوله، ونفكّر ولو قليلاً بنهجٍ يماثله؟!!

ليس زياد الرّحباني ذلك الموهوب، المؤلّف المسرحيّ أو الكاتب والملّحن الموسيقيّ فقط.

بعيداً وباستحقاقٍ جدير بالاعتراف يرتقي إلى مكانة المفكّر العبقريّ، والناقد الأشدّ لذعاً بمختلف ميادين الحياة.

هو مَن لا تفوته فائتة في السياسة والأدب والفن والموسيقى والمجتمع ودائماً ما يُفصّلُ اعتراضات واتّهامات للجميع دون استثناء..

إنّه المشاكس الحذر، الصامت طويلاً ولكن إن حكى، أبكى التخلّف وأحبط مفاعيل الجهل، وصبَّ لينَ الزّيت على أفواه النار.

من هنا فإنّ المسرح اللّبناني في غياب زياد ناقصٌ وعند مستوى خطِّ الفقر!!

إلّا أنّه يغيب فجأةً وينقطع عن محبّيه عمراً. ليمنَّ علينا مؤخراً بعودةٍ خجولة أطلق فيها الوعد بالبقاء.

وها نحن هنا بعد سنوات من القطيعة المجحفة تلك، لا نُريدُ رحبانيّات متفرّقة، بل تتملّكنا رغبةٌ جامحة بلوحةٍ عنوانها فيروز وزياد الرحبّاني يغنيّان معاً، ويكسران كبرياء أفقٍ مثقّلٍ بانحطاط موسيقيّ!

ها هو المجنون العبقريُّ يحطّم صومعته ويُلقي علينا بسحر التراتيل.. بذكاءٍ فطري يضبطُ التوقيت الذي يراه مناسباً. مهما انتظرنا يبدو العناء مستحقّاً أمام جنون العظمة.

حين تدرك أنّ وحدَها النّسور من تغرّد خارج السّرب، وحين تقرّر تعود إلى أحضان فيروزها لتصبح الأغنية صلاة..

أكمل القراءة

صن نار