علم “ما فوق الجينات” أو “علم التخلّق” (الإيبيجينيتيك) هو حقل علمي ناشئ وهو اليوم بصدد احداث تغييرات جوهرية في عديد المجالات وخاصة في المجال الطبّي الوقائي والعلاجي.
<strong>منصف الخميري<strong>
وعلى فهمنا لنموّ الطفل ومنسوب ذكائه وحظوظ نجاحه في الوسط المدرسي. علم الجينات يدرُسُ آليّات نقل طِباعنا وخاصيّاتنا جيلا وراء جيل عبر سلسلة الحمض النووي ADN بينما تتكفّل المسارات ما فوق الجينيّة بوضع علامات على “نظام الاشتغال المركزي” وهو الـ ADN أو على أطرافه لتكون قادرة تماما على إحداث تغييرات في كمية “الوسائل الحيوية” التي تُنتجها الجينات.
عندما نقرأ أن بعض الدراسات العلمية الموثوقة تُقرّ بأن ثلثيْ النتائج المدرسية أو على الأقل الأعداد المتحصّل عليها (حوالي 62 % ) يمكن تفسيرها بواسطة “الإرث الجيني للتلاميذ” وأن هذه النتيجة مقترنة في نفس الوقت بما توصّل إليه من تأكيد حقيقة علمية أخرى وهي أن تأثير الذكاء على القدرات الدراسية لا يتجاوز 13 % في كل الحالات…فإن السؤال يظلّ مطروحا بحدّة : اذا لم تفز العوامل الوراثية بكامل حصّة التأثير في سلوك الأطفال خاصة وطِباعهم وأمزجتهم وأدائهم المدرسي الخ… تاركة الفرصة لعوامل أخرى لاحقة قادرة على تصويب ما أفسدته “التّركة الجينيّة” ، فما هي هذه الجينات المسؤولة عن “التعديل والتدارك والتصويب” وقهر الوراثي الذي لا نتحكّم فيه ؟ !
الباحث البريطاني كونراد وادينغتون هو أول من تحدّث عن هذا الحقل العلمي الجديد وأطلق عليه علم ما فوق الجينات سنة 1942 Epigenetics والذي اشتغل ضمنه على “دراسة الآليات التي بواسطتها يتم التفاعل بين الجينات والمحيط لخلق الخاصيات الفيزيولوجية والمورفولوجية للفرد”.
إذن يمكن القول بأنه ليس كل شيء محدّد مُسْبقًا في ضرب من القدريّة المُشلّة للحركة والداعية إلى القبول بالمكتوب “حمضيا في جيناتنا” ! وهذا في حدّ ذاته كسب تاريخي ثمين للبشرية حسب اعتقادي لأنه يؤسّس لهامش كبير من الحرية والمسؤولية في ذات الوقت تجاه صحّتنا وصحّة أبنائنا وتجاه أدائنا بصورة عامة وأداء أبنائنا في كل المجالات الحياتية.
أفضل تعريف مُقنع وطريف لعلم ما فوق الجينات عثرت عليه لدى الباحث الفرنسي من أصل موريسي جويل دي روناي Joël de Rosnay من خلال سلسلة طويلة من المحاضرات والمداخلات التلفزية حول الموضوع. يقول :
“الابيجينيتيك تعني ما فوق علم الوراثة الكلاسيكي أي ما فوق سلسلة الحمض النووي ADN التي تُشكّل كل برنامج حياتنا، وهي التي تحدد كل ما نفعل، بينما الابيجينيتيك هي إمكانية أن نُعدّل طريقة اشتغال جيناتنا وتصرفها عبر سلوكياتنا نحن البشر. بمعنى أن الجينات هي عبارة عن أدراج مُقفلة بإحكام بواسطة مفاتيح ومُرصّفة فوق بعضها البعض وتحتوي على الرموز الجينية وكل البرامج التي تتحكم بحياتنا. ولكن من خلال سلوكاتنا وتحرّكنا في المحيط نستطيع أن نزرع أو نحقن داخل أجسادنا جُزيئات molécules des ستتصرف وكأنها مفاتيح لمعالجة هذه الأدراج والولوج إليها (أو تركها موصَدة) والتي تحتوي على وصفات لتجهيز الأطعمة (كأنها مطبخ، إذا أنت لم تتمكّن من فتح الدّرج الذي يحتوي على وصفة طهي البيتزا على سبيل المثال فلن تتعلّم أبدا إعداد طبق البيتزا ) لصنع أنزيمات أو بروتينات تتحكم باشتغال كل حياتنا. وبالتالي فإن الإيبيجينيتيك هي نوع من تحميل المسؤولية للفرد ذاته أمام ما يحدث له بدنيّا وحيال المحيط أو المجتمع الذي يعيش داخله”.
اللافت في هذا الخطاب الجديد نسبيا هو تعبير “نحن نستطيع” ولسنا محكومين بحتميات جينيّة قاهرة. فمن خلال سلوكنا يمكن تغيير طريقة اشتغال خلايانا وتصرّفات جيناتنا اعتمادا – حسب دي روناي- على خمس عناصر كبرى هي :
التغذية والحركة البدنية المعتدلة والقدرة على التصرف في الضغوط ومتعة ممارسة ما نفعله والعلاقة مع المحيط الاجتماعي والعائلي والمهني المتناغم مع هذه العناصر كلها… وعلى هذا النحو نحن نقوم يوميا بحقن جُزيئات تفتح الأدراج المغلقة وتُنشّطها (أو تثبّطها وتتركها في سُباتها في حالات الضغط العالي أو الخوف الماحق أو الظروف القصوى بصورة عامة).
ومن أجل تقريب الصورة إلى أذهان الناس، يعطي هذا الباحث مثال السمارتفون الذي نقتنيه بنظام استغلال OS مُدرج فيه عند الصّنع (وهو بمثابة الــ ADN) ولكن بعد شرائه نجد أنفسنا مطالبين ــ كل حسب حاجياته وميولاته وانتظاراته من السمارتفون- بتنزيل تطبيقات رديفة تحوم في فلك نظام الاستغلال الأصلي وتطوّعه لنظام اشتغالها الخاص… هكذا تتعامل الجينات مع الـــ ADN).
يقول طبيب الأعصاب ليونيل نقّاش في هذا السياق تحديدا “ما هو طريف حقا هو أن علم الوراثة كنا نتخيّله إكراها حتميّا لا نقدر على شيء تجاهه، ولكن مع نتائج العلوم الحديثة اكتشفنا أن الجينيتيك هي نفسها تحت رقابة إكراه موضوعي آخر وهو الايبيجينيتيك، إذن نحن أمام وصفات جديدة للحرية (اكراهان يتصارعان يعطيان بالضرورة هامشا من الحرية للبشر وشيئا إيجابيا مَا كما في الرياضيات سالب مع سالب يعطيان موجب)”.
أما في ما يخصّ المدرسة وتعليم الأطفال، فهناك في علاقة بكل هذا فكرة خاطئة تماما تَعتبر أن القدرة أو الاستطاعة البشرية الكامنة هي عبارة عن قوّة تتحدّد طبيعتها ودرجتها جينيّا بشكل مسبق منذ الولادة أو قبلها : أي أن هنالك أطفال يولدون بمقدّرات عالية وآخرون بمقدّرات أقل أو دون مقدّرات أصلا.
علم ما فوق الجينات يُفنّد هذه الفكرة أو يُنسّبها على الأقل ويؤكّد ـ في غير تطاول وقح على ما يحدّده رأس المال الوراثي في جزء كبير من شخصية البشر ومزاجه وذكائه الخ- أنه باستطاعتنا نحت حياتنا كما نريد إذا أردنا، وأننا مثلما “تقدر الشعوب إذا أرادت الحياة أن تجعل القدر يستجيب لإرادتها”، فإنه بإمكاننا تحييد العراقيل والتغلب على ما كنّا موعودون به لو تركنا البرنامج المركزي للــ ADNمُستبدّا بنا ومُحتكرا لسلطة التحكم في تصرّفاتنا وصيغ إقامتنا في المجتمع وفي المحيط.
يقول الباحثون في هذا المجال إنه “يكفي أن تتجه السياسات العمومية نحو خلق مناخات مؤمّنة للتعلّم تُتيح بدورها علاقات مبنيّة على الثقة والدعم المتبادل بين التلاميذ والمربين… حتى نُرفّع من منسوب الأوسيتوسين. ومن زاوية بيولوجية عصبية صرفة، فإن هذا المُعطى لوحده باستطاعته التصدي للأضرار التي يتسبب بها الكورتيزول عندما يرتفع مستواه تحت ضغط الواجبات المدرسية الخانقة على سبيل المثال أو تدنّي الأعداد المتحصّل عليها .. وبالتالي احداث تغيير إيجابي في كيمياء الدماغ لدى التلاميذ وتُتاح أمامهم الفرصة للنمو دراسيا ومشاعريا وعلائقيا. إذ لا يكفي أن نكون طيبين مع الأطفال، لا بد من بناء علاقات معهم تكون ذات دلالة في محيط تعليمي أو تربوي مستقرّ وآمن ومتخفّف من كل أصناف الضغط “.
فما هي الاستنتاجات الكبيرة والحاسمة ؟
في مجال التّوريث : اتضح أخيرا وبشكل علمي باتّ أن الإنسان لا يُورّث جيناته فقط بل يُورّث كذلك ما هو مُكتسب لديه سلبا وإيجابا (أي الإدمان على سبيل المثال وتعاطي الرياضة ومعاقرة الفنون والثقافة والطموح الدائم نحو الارتقاء والتطور).
في مجال المدرسة : أعتقد أننا على مشارف انتهاء خرافة الذكاء الموروث (الذي لا يؤثر إلا بنسبة ضئيلة جدا كما أسلفنا على القدرات الدراسية للتلاميذ) وحلول منطق التعويل شبه الكلّي على دور التلاميذ أنفسهم والكهول والمربّين والمدرسة عموما.
في مجال الطب : يبدو أن الإيبيجينيتيك ستؤثر بشكل دالّ في مستقبل البيولوجيا والوقاية الطبية والتأثير في عمل الجينات داخل الجسم بصورة عامة، لأن خاصية هذا العلم الجديد هو كونه “يدرُسُ ما يجهله الجينيتيك إلى حدّ الآن”.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…
عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟
في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…
مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…
تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…
اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…
إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…
قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…
الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟
موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…
قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …
كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.
تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.
سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.
الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.
هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟
أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…
ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟
يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.
تعليق واحد