تابعنا على

جور نار

الباسم فرحا… الباسم وجعا … الباسم دواما

نشرت

في

(مولدي الهمامي مع ابنة بلده الفيحاء زهيرة … رحمهما الله)

كان القلب واجفا، ولكن كانت الحواس متوقعة مستسلمة، حين هاتفني الصديق مصطفى الشارني في الصباح الباكر على غير العادة … ومباشرة سألته عن جديد مولدي الهمامي، فكان جوابه: لقد توفي منذ قليل …

عبد القادر المقري Makri Abdelkader
عبد القادر المقري

ورغم توقع هذا النبإ المحزن، فقد اعتراني ما يشبه عدم التصديق … وغالبا ما يحدث لنا هذا مع الموت، خاصة إذا طال واحدا أو واحدة ممن يشغلون حيزا مهما في حياتنا… وصديقي مولدي الهمامي أخذ مكانه في وجداننا جميعا، منذ كم من وقت؟ … غيري ربما عرفه من زمن الطفولة، أما أنا فلقائي به يعود “فقط” إلى 47 سنة، أي مذ كنا في طفولتنا الثانية، طفولة الجامعة ومعهدنا القديم بمونفلوري زنقة البشروش … كان هو ومصطفى الشارني يمثلان ثنائيا كوميديا من الدرجة العليا … أحدهما (مصطفى) كان يكتب مقالات هزلية صمّاء في جريدة موروثة عن زمن تحت السور اسمها “القنفود” … فيما كان مولدي يرافقه برسوم الكاريكاتور … وكانت للحق موفقة موهوبة هازلة، في زمن علي عبيد وبالخامسة نعم، ولكن قبل كثيرين ممن صاروا أعلام هذا الفن بعد ذلك …

وتمضي عقارب الساعة وخطى الأيام والأعوام و”ينحرف” الثنائي الفكه نحو آفاق أكثر صلابة … الهمامي انتهج طريق الإذاعة والتلفزة التي بالتدريج أصبح من كبار مدرائها … أما مصطفى فقد استغرقته هموم إدارية ونقابية شتى (مثل حالي تقريبا) وابتعد نهائيا عن صناعة الهزل، ولعله أوكل ذلك وأورثه إلى ابنه (الفنان جهاد الشارني) الكوميديان الشاب الناجح في السنين الأخيرة … وقد بقيت على صلة شبه دائمة بمصطفى طوال هذا النصف قرن، فيما قلّت مناسباتي مع مولدي واقتصرت أحيانا على مكالمة من هنا ومعايدة من هناك، ولكنه لبث دائما حاضرا في مجال ذاكرتي، وأعتقد أني كنت حاضرا لديه أيضا …

وتأتي سنة 2014 … كنت خارجا من تجربة إذاعية مُرّة في محطة خاصة مع منشطة جحود، مقررا أن مكاني النهائي في الصحافة المكتوبة ولا مجال مستقبلا للجلوس وراء ميكروفون … حين طلبتني الصديقة كلثوم السعيدي ذات عصر وأنا في خرجة عائلية بضاحية قرطاج … كانت كلثوم بصوتها الماسي ولغتها المباشرة الجذابة على الطرف الثاني من الخط تقول لي باختصار: “محتاجة إليك يا فلان، ولو كنت صديقي فعلا فتعال حالا، أنا بمكتبي مع نخبة منكم، وقد أودعت اسمك في لوج الإذاعة” …

أمر الحسناوات لا يُردّ … خصوصا إذا كنّ في جدية كلثوم وحرفيتها العالية، وضمّت زوجتي رجاءها إلى رجاء كلثوم وكانت من المعحبات بها … وهكذا قطعنا خرجتنا وحوّلنا وجهة عائلة بكاملها ـ زوجتي وليال وأنا ـ من قرطاج بيرسا إلى شارع الحرية، وصعدت إلى مكتب أختنا السعيدي في ركن بلوري من الإذاعة الدولية … كانت الحجرة الصغيرة تضيق بأفراد من النخبة حقا … علي سعيدان الشاعر والفنان، شكري الباصومي الشاعر والصحفي، مولدي الهمامي بتاريخه الإذاعي ووجهه البشوش وضحكته التي تملأ المكان، وكلثوم طبعا بوجهها الطليق ولباسها شيه العسكري الذي تعلوه قبعة كوماندوس …

بعد النقديم قالت كلثوم إنها كانت في فترة تجميد بثلاثة أعوام من “بركات” ثورة 14، وإنهم أخيرا فتحوا أمامها الضوء الأخضر … وهي تريد أن تكون عودتها غير عادية … “تولك شو” فيه أسماء هي تراها رنانة وذات شأن، تحيط بها إحاطة المجموعة الشمسية بقرص الشمس … ووافقناها دون كبير تردد … أما أنا ورغم قراري الجازم أعلاه، فما أن رأيت هؤلاء وسمعت من هؤلاء، حتى نسيت حقدي كله في لحظة … على العمل الإذاعي طبعا … ورحنا في الإعداد لما يمكن أن يكون عليه مشروعنا، مشروع إعادة نجمة مظلومة، إلى دائرة الضوء التي أقصيت منها ظلما …

وانطلقنا بعد أسيوع أو اثنين … كانت البداية حافلة بنا الخمسة … وبعد مدة انسحب اثنان وأضيف واحد مكانهما … واستمررنا 22 شهرا بالصيف والشتاء، برمضان والإفطار، بموعد شبه يومي، بمواضيع لا حصر لها … وغاب أناس وحضر أناس، ولكن أكثر من حضر وقبل الأوقات وبعدها، بقيت أنا والمولدي الذي كنت أقضي ساعات الإعداد والانتظار بمكتبه نتحدث في كل شيء تقريبا … أخبرته عما فاته من سيرتي منذ تخرّجنا ووجدته متابعا وفيا لما كتبت، وعرفت منه ما فاتني من أحواله وتطوراته في تلك العهود والعقود … منذ دخوله متدربا في بداية الثمانينات، إلى مروره بمرحلة رئيس جمهوريتنا الأول ورئيسنا الثاني، إلى هجرته في ألمانيا الغربية، إلى تحمله المسؤوليات من أدنى درجة إلى أرفعها، وصولا إلى الثورة وتنكيلاتها وقد عانى منها هو أيضا …

ورغم ما زخرت به هذه الفترات من أفراح وأتراح، فقد كانت للمولدي طريقته الخاصة في التعليق والتعبير … كان يسخر من كل شيء ويجد زاوية تنكيت في أية حادثة … ويروى لي كمّا من النوادر التي تخللت وجوده في أهم مصادر الخبر، في غرفة الأخبار، في مكاتب المديرين، في دواوين الوزراء، في منائي السفراء، في محافل العرب والعالم، في القصر الرئاسي حيث كان مثلا شاهدا على مقابلة الزعيم بورقيبة العاصفة مع سفير أمريكا غداة عدوان حمام الشاطئ 1985 … مع طائفة من الطرائف حول جميع هؤلاء الساسة، وحول أكبر نجوم الإذاعة والتلفزة الذين لحق بمعايشتهم، وحول كواكب الفن زمن كانوا يملؤون ردهات الإذاعة ومقهاها وشوارعها الجانبية وكامل حي “لافاييت” مرحا وصخبا ومناوشات ومواقف …

حصصنا الإذاعية المشتركة كانت بمثابة العيد بما تحمله الكلمة من معان تونسية … فيها الأصوات المتقاطعة التي لا تخلو منها لمّة من لمّات بلدنا، فيها الإفادات كل بما جاد علمه أو تخيل ذلك، وفيها المراوحة بين الجد والهزل، وفيها الهراش بين من يكتسي رداء المسؤولية (هو) وبين من يرفض المنظومة برمّتها (العبد لله) … ويتطوّر ذلك في “الأوف” فأتهمه بأنه من أبواق السلطة، فيردّ عليّ بأنني يساري متخلّف … وفجأة يعلو من القاعة الفنية نغم إيقاعي مما يختاره لنا مخرج البرنامج، فيترك المولدي كل شيء وينغمس في رقصة شعبية متخمّرة، تحت قهقهاتنا وتصفيقنا الحار …

اختلفنا طويلا واتفقنا آخرا وفي كل مرة … ولكن أبدا أن حصل بيننا جرح أو شرخ … كان دائما يجد الكلمة المناسبة لكي يقول إنك على حق في مكان ما، أو إنه قصد خيرا ويعيد صياغة رأيه، أو يبعثني أقضي إذا لم يعجبني العجب … فلا نتمالك من الانفجار ضحكا … كان هكذا مع كل الذين تعامل معهم أيضا … رؤساء ومرؤوسين … ولطالما وجدت في مكتبه أو أثناء تجوالنا بين المعابر والطوابق، وجوها وقامات من تلك الدار تثني عليه وتعانقه معانقة الخلان رغم ابتعاده عن كل منصب تلك المدة حتى تقاعده … أجواء المرح والصراحة والعمل الكثيف هي نفسها وهم يشهدون ويمتنّون … أسس في الإذاعة وأنجز وكانت لفترات حكمه إضافات ووقفات مجد كم حدثوني عنها، وكم رأيت منها … حاول إعادة وهج الأغنية الإذاعية وجهّز استوديو من أحدث ما يكون وقد زرته منبهرا … ولكننا نعرف أن الخلف لا يبقي شيئا كثيرا مما يبنيه السلف …

كان ذانك العامان (2014 ـ 2016) من أخصب المدد التي عشتها بمرافقة العشير الذي غاب عني سابقا وحضر بقوة أيامها وفي ما بعد إلى حد البارحة … طاف بي في مجاهل مبنى الإذاعة السحيق، الخاوي في معظمه والعابق بألف تاريخ، من الباب المهيب الذي يفتح مرة ويغلق مرات على شارع الحرية وحلاق المذيعين الراحل، إلى البهو الملكي وتلك اللوحة الخزفية من روائع زبير التركي، إلى البيانو العتيق الذي ما زال صامدا ويجلس إليه صاحبنا و ينقر عليه نقرات عازف هاو، إلى الطوابق العليا ومكاتب مجلة الإذاعة المهجورة حيث استذكرت أيامي الشابة مع صالح جغام رئيسا للتحرير وأسطورة حظيتُ بصحبتها … هنا كان مكتب صالح … هنا كان بوراوي بن عبد العزيز … هنا كان فريد بالقايد، هنا كان المصور إلياس والكاتبتان الرقيقتان سميرة ومامية … كنت أتنهد مع ركامات الأنقاض والعلب الملقاة أرضا وبقايا أوراق قد يكون لي منها شيء … وكان يسخر كعادته ويجد في هذا الخراب ما يسلّي وما يستدعي لمحة جذلى وخاطرة ظريفة …

ورغم انتهاء المكتوب بشكل درامي مع برنامج كلثوم الناجح، فقد بقيت الصلة مع مولدي مستمرة ويومية تقريبا، بالحضور أحيانا، وبالتلفونات المطولة في غالب الوقت … وحين جاءت ولادة “جلنار” كان المولدي من أول المؤسسين والمحررين … وانتظمت كتابته الخبيرة شهورا وأمتعت قراءنا بصفحات من عمر الإذاعة وعمر صديقنا الطريف وألأستاذ في آن … كنت أتعلم منه ومن تجاربه الطامية، وكان رغم فذلكته الأبدية حصيفا ناصحا موزون المواقف عارفا بقدره محترَما ومحترِما … وكانت مكالماتنا غذاء روح لي، رغم أن آخر السنوات حملت لرفيقي عذابات لا أدري كيف احتملها … من وفاة والدته وأخيه أيام كوفيد، إلى أوجاع هذا المرض الذي تعب أولا في تشخيصه الصعب، ثم في اكتشافه وعلاجه، ثم في نُذر النهاية التي يبدو أنه استشعرها ولم نشعر …

لروحك ألف صلاة وألف زكاة وألف قبلة طاهرة … وها أني أقول لك أخيرا ما لم أقله في حياتك، ولو قلته لضحكت مني وشتمتني كما أعرفك … الله كم أحببتك أيها الصافي الذي لا يعكّر مراياه حدث مهما جلّ … ولكنك دون أن تدري كسرت بعضا من فؤاد لا أظنه سينجبر قريبا …

رحمك الله عشيري …

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الوضع الحالي (ج 2): الساحة الوطنية… مقترحات لدرء الخطر

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.

كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أو بعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.

هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:

أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،

ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.

ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.

ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.

المقنترحات العاجلة:

ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.

واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:

أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.

ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.

ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.

رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.

خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.

خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.

كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.

أكمل القراءة

جور نار

من الشبّاك

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.

فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت على مسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.

كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها

ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.

إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا

ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…

ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها

المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز

نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.

أكمل القراءة

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار