تابعنا على

دفءُ نار

الباكالوريا : حوض ولاّد بحجم حوض منجمي… أو أكثر !

بعض الملاحظات السريعة تعقيبا على نتائج هذه السنة

نشرت

في

الإرادة
و الاستثناء

خسرنا جميع معاركنا تقريبا ولا جدوى من المُكابرة والمُغالطة وشتّى أنواع التّمسيد النّاعم. خسرنا معركة إدارة الثورة ومعركة التنمية والتشغيل وصوْن سيادتنا الوطنية وإنجاز الإصلاحات المتأكّدة. خسرنا معركة الكوفيد. خسرنا معْركة انتخاب أناس يشبهون أغلبيّتنا وتصعيد حكومات يكون حرصها على الوطن أكبر من حرصها على امتيازات أعضائها وغنائم مُقرّبيهم.

خسرنا معاركنا كلّها إلا معركة واحدة وقد تكون هي فاتحة كل المعارك : أسمّيها شخصيا معركة الجدار الأخير، جدار العلم والمعرفة والتحصيل ونخبتنا المتميزة في شتى الميادين. وهذا ليس بتمسيد ناعم بل هو حقيقة تُقرّ  بها كبرى الجامعات العالمية وأرقى المخابر العلمية وأكثر شركات الويب 2.0 بحثا عن الكفاءات الدقيقة على النطاق الكوني.

منصف الخميري Moncef Khemiri
<strong>منصف الخميري<strong>

____ يقول صديقي الدكتور مصطفى الشيخ الزوالي في حديثه عن المُقارنات غير المُثمرة دائما بين الجهات عندما نتناول نتائج الباكالوريا بالدرس “من البديهي أن تكون المناطق “المحظوظة” هي الأولى وطنيا لأنه يرتفع فيها مستوى الموارد المادية ومستوى القدرة على تمويل الدروس الخصوصيّة زيادة على متغيرات عديدة تاريخية واجتماعية وسياسية…” مُستبِقا نتائج هذه السنة بالذّات حيث تحصّل على أرفع النتائج في الرياضيات والآداب والعلوم التجريبية ثلاثة شبان من جندوبة والكاف وهم تباعا مرام المرزوقي وبدرالدين الماجدي وندى الشارني. وما يُغريني في هذه المقاربة أنها تؤكد مرة أخرى أن المصعد التاريخي للتونسيين مازال مُشتغِلا رغم أعطابه، وأن انتصار الأفراد على الحتميات الاجتماعية والثقافية مازال قائما (خاصة عندما نُدرك أن تحقيق تكافؤ ناجز للفرص بين جميع التونسيين قد ينتظر عشرات أو مئات السنين الأخرى). ثم من ناحية أخرى، قد تكون فرصتنا الآن وهنا في تعديل بعض المتغيرات (المقدور عليها ذاتيا) لتحقيق نتائج لا يتوقعها أحد بالمعنى السوسيولوجي التقليدي.

____ المُفارقة التي تمثلها جهة جندوبة باعتبارها مُتذيّلة للترتيب الوطني من ناحية ولكن الأولى فرديا في الرياضيات والآداب تؤيّد حسب اعتقادي فكرة أن الاستثناء الذي مثلته مرام المرزوقي وبدرالدين الماجدي يؤكّد قاعدة أن النجاح حصيلة منطقية عندما تجتمع جملة من العوامل الفردية والذاتية الصلبة التي تتحدّى شراسة الظروف المحيطة والبيئة المعادية.  وما يجب أن يقال هنا أيضا أن أسفل الترتيب تؤثّثه 8 ولايات لها تقريبا نفس النّسب، وبالتالي فإن الوقوف عند الترتيبات الشكلية المعمِّمة لا يمكن أن يدفع باتجاه فهم شامل لظواهر النجاح والفشل المدرسيين.

____ ثمة حقيقة موضوعية مُنعشة وحمّالة أمل تتمثل في أنه مازال وسيظلّ لدينا نواة صلبة من المعلّمين والأساتذة الأكفاء في كل جهات البلاد  وفي كل الاختصاصات قادرين – رغم الإكراهات العديدة- على اجتراح أكبر النجاحات وأرفعها وإقدار فئات واسعة من الشباب صعب المِراس على مواجهة امتحان وطني انتقائي للغاية في مدرسة عمومية ظلت واقفة رغم كل ما اعتراها من وهن وخذلان أتاهما السياسيون ورغم تحوّلها إلى مدرسة تكاد تكون خاصة لأن أرقام المعاملات المالية خارج أسوارها والخاصة بدروس المستودعات تفوق بكثير الأرقام المتداولة في القطاع الخاص.

ملاحظة : أنتمي شخصيا إلى فئة الذين يعتبرون أن هنالك مناطق ضوء في بلدي لم يطلها إلى حد الآن ظلام الفساد ودهْس الناس المُتعبين (مثال الباكالوريا وغيرها من عديد الاستحقاقات الوطنية الأخرى).

____ نجاح بناتنا بنسبة 67 بالمائة مقابل 33 بالمائة فقط للذكور (وهو مشهد غير بعيد عن نسبة تمدرس البنات في الجامعات مقارنة بالذكور) لتونس فيه درس لا بد من استخلاصه، وهو كونه يعكس تقلص مساحات اللّهو لدى البنات مقابل الانجذابات المختلفة التي تُشوّش على الشبان من ناحية والتقاليد الحديثة التي اكتسبها أغلب التونسيين في علاقة بتمدرس بناتهم ونظرتهم لهنّ باعتبارهن مساويات لإخوتهم والتغلب على النظرة الدونية تجاه المرأة التي سادت قرونا لدى العرب والمسلمين عموما. بالرغم من أن هذا الاختلال في تساوي حظوظ الذكور بالإناث ليس وضعا سويّا ولا بد من تداركه. إضافة إلى كل ذلك من المؤكّد أن هذا التفاوت يُخفي حقيقة مُرعبة تتمثل في الانقطاع المكثّف للذكور قبل بلوغ مراحل دراسية متقدمة.

____ قرأت خلال الأيام الأخيرة تدوينة لفتاة تونسية متألقة اسمها نسرين شعبان اجتازت امتحان الباكالوريا عام 2017 ولم تحصل على المعدل المأمول الذي يؤهّلها لنيْل مقعد بإحدى كليات الطب فأصيبت بما يشبه الانتكاس والصّدمة المُعيقة، لكنها في نطّة أمل قررت أن تتابع دراستها في إطار إجازة أساسية في العلوم الفيزيائية ثم تحصلت بحكم تميزها ونجاحها في اجتياز مناظرة على منحة وطنية للدراسة للالتحاق فيما بعد باختصاص النانوفيزياء والتفوق فيه. ما هو صادم حقا في حديث نسرين أنها أولا لم تُلقِ بالفشل في الحصول على معدل مرتفع في الباكالوريا لا على الأساتذة ولا على البرامج ولا على المحسوبية أو غموض مقاييس الإصلاح كما يفعل الكثيرون، ثم هي تقول ثانيا “لو تحصلت في 2017 على المعدل الذي حلمت به لما كنت سعيدة مثلما أنا سعيدة اليوم بنجاحي وتفوقي…”. أعتقد أن الدرس الأهم في كلامها هو أن “المعدل ليس هو المتغير الأهم، وعالم الدراسة والبحث يتسع للجميع، لأصحاب المعدلات العالية كما لأصحاب المعدلات المتوسطة تماما.

___ صفاقس هي الأولى تاريخيا في إحراز أفضل النتائج المدرسية. وفي هذا السياق يطيب لي أن أروي لكم واقعة المديرين الأجانب الذين يأتون إلى تونس سنويا لانتقاء المتفوقين في الباكالوريا. وقد جرت العادة في وزارة التعليم العالي أن يخصص اليومان الأخيران من فترة تواجدهم إلى زيارة مواقع سياحية أو ثقافية تونسية. طلبوا أن يزوروا مدينة صفاقس بدلا من المناطق الشاطئية والأثرية التقليدية بغية محاولة التعرف على طبيعة البيئة الاجتماعية والثقافية والتربوية التي جعلت من أبناء صفاقس وبناتها هم الأكثر عددا دائما مقارنة بالولايات التونسية الأخرى الذي يفتكون مقاعد بهنري IV وسانت جونفييف ولوي لوغران وهوش… زاروا صفاقس وعادوا بخُفّي حُنيْن…ربما لأنهم لم ينبشوا بشكل متأنّ في الخفيّ (كما يقول صديقي سامي الحبيب) … فإذا كان التلميذ هناك هو نفس التلميذ التونسي في كل الجهات والأساتذة هم الأساتذة والبرامج هي البرامج والمصحّحون من خارج صفاقس قانونا (حتى نُحيّد عامل التعاطف الجهوي)… يبقى السرّ حسب رأيي في نموذج العائلة وموقع قيمة العمل والجهد ودور الأم أساسا وبعض المتغيرات الأخرى التي لا يتّسع لها هذا المجال.  

____ وأُنهي ورقتي هذه بالقول إن الكلام الذي صرّح به السيد وزير التربية قُبيْل الإعلان الرسمي عن نتائج الباكالوريا والذي مفاده أن هذه النتائج تعتبر مريحة ومُطمئنة أعتبره شخصيا كلام إنسان يبحث عن نوع من الرضى القابل للاستثمار السياسي لاحقا (مثله مثل جميع وزراء الحكومات المتساقطة) ولا يعطي أي قيمة لهوْل الحريق الذي تُخفيه النتائج المُدبلجة.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

دفءُ نار

رمضان.. و حالة الطوارئ الغذائيّة…

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبير عميش:

حالة طوارئ لدى العائلات، فمنذ أيام وحتى قبل حلول شهر رمضان بدأ الاكتظاظ والازدحام… حركة المرور تكاد تكون مشلولة… طوابير من السيارات أمام المغازات الكبرى وصفوف أمام محلات صنع المرطبات والحلويات وأمام باعة اللحوم والدواجن والأسماك والخضر والغلال والفواكه والتوابل… وما تسمع كان “آش حضّرت لرمضان؟” وتتواصل هذه اللهفة وهذه المظاهر حتى بعد حلول الشهر.

حالة طوارئ لدى الدولة، وهي تُطمئن الشعب عبر بلاغاتها بأنها تمكنت من تخزين لا أدري كم من مليون بيضة وأنها ضخّت كميات إضافية من الزيت النباتي المدعّم ومن السكر والفارينة، وحالة استنفار لدى المسؤولين الذين يؤكدون على تسعير اللحوم وعلى الصرامة في مراقبة عمليات البيع ويهدّدون المخالفين ويتوعدونهم (لكن في بلادنا ديما الواقع يخالف الكلام والمواد المدعومة ناقصة أو مفقودة وأسعار الحكومة موش هي أسعار الواقع).

حالة طوارئ في الإذاعات والتلفزات ، فلا تجد سوى أحاديث عن قضْية رمضان ومواكبة لواقع الأسواق ولا تسمع إلاّ برامج الطبخ والتصنيف ولا تتابع إلا إعلانات عن الطعام هذا للإفطار وهذا للسهرة وهذا للسحور…

حالة طوارئ في الشوارع والمجالس، فلا ترى إلا اللهفة في العيون ولا تسمع إلا اشنوّة المنيو الليلة؟ وحديثا عن الشوربة والبريك والسلايط والطبق الرئيسي والحلويات ولوازم السهرة.. كل هذا من أجل شهر الصيام الذي يفترض أنّه مجعول للتراحم والاحساس بالفقراء والزهد والاعتدال.. فرمضان في جوهره ليس شهر الإفراط في الطعام، بل شهر التخفف، وضبط النفس، وتغيير العادات الغذائية، وفرصة للتخلص من التخمة والسكريات والوزن الزائد. والصوم هو مدرسة للصبر والتوازن، لا موسما لمضاعفة الاستهلاك…

لكن في بلادنا وفي البلدان العربية خرج رمضان من غايته ومقاصده الأساسية ليصبح شهر الاستهلاك بامتياز إلى درجة أن البعض يستدين أو يقترض لمجاراة نسق الاستهلاك العالي، وصارت المائدة هي الغاية وصرنا نرى القيمة في تعدّد الأطباق، ونسينا أنّ رمضان فرصة لإصلاح علاقتنا مع ذواتنا ومع أجسادنا وأنّه ليس سباقا نحو الموائد… بل عودة نحو القيم… وأنه شهر الرحمة موش شهر اللحمة، وشهر الرأفة موش شهر اللهفة.

أكمل القراءة

دفءُ نار

بورِك رمضانكم

نشرت

في

(اللوحة من تصميم الفنان الكبير محمد الأطرش)

Motif étoiles

أكمل القراءة

دفءُ نار

مُراكمة اللّغات بدلاً من تحاذُفها*  

من أجل تعزيز القدرات التواصليّة للتلميذ، عوضا عن تعليم القواعد الحجريّة منذ الطفولة الأولى

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منصف الخميري:

تفاعلا مع ما يجري من نقاش في الآونة الأخيرة حول واقع تدريس اللغات في بلادنا وتراتبيّتها الهيكلية وتدنّي المستوى العام للتلميذ التونسي، لا فقط في اللغات الأجنبية بل وفي اللغة العربية الأم كذلك، يهمّني أن أدلي ببعض الملاحظات بهدف الوقوف على بعض أوجه هذه “العلّة” الحقيقية التي تُعيق نجاح بناتنا وأبنائنا وتميّزهم وبهدف صياغة بعض المقترحات التي قد تساعد على تجاوز واقع الحال.

ما يُلاحظ أوّلا

أن المستوى العام لتلاميذنا في اللغات وكذلك في الفلسفة باعتبارها مادة مؤثرة وباعثة على التفكير المنطقي على طول مسار التلميذ حتى في التعليم العالي وفي المسارات العلمية والهندسية (أنظروا في هذا الصدد الاثار الفلسفية والفكرية المُبرمجة سنويا في الاقسام التحضيرية العلمية للمدراس الهندسية الفرنسية الكبرى) كما تعبّر عنه المعدلات المُحرزة في الباكالوريا، هو مستوى متدنّ للغاية لا يُساعد في كل الأحوال على مباشرة دراسات جامعية تتطلب مهارات لغوية وتواصلية كبيرة مهما كان حقل الاختصاص. إذ أن :

  • 54.41 % من المُحرزين على الباكالوريا تحصلوا على 10 أو أقل من عشرة في مادة العربية في كل الباكالوريات مجتمعة (76180 ناجح سنة 2025).
  • 39.37%  تحصلوا على عشرة أو أقل في مادة الفرنسية
  • 32.64 %  تحصلوا على عشرة أو أقل في مادة الانكليزية
  • 60.12 %  تحصلوا على عشرة أو أقل  في مادة الفلسفة

وهذا يعني أن ضعف مستوى ناشئتنا في لغتهم الأم يُثير مخاوف أكبر من تلك التي يُثيرها ضعف المستوى في اللغات الأجنبية، بالرغم من “اليُسر العام” في اختبارات امتحان العربية في الباكالوريا التي تُضاهي مستوى امتحان التاسعة أساسي كما يُقرّ بذلك السادة المتفقدون. وقد يعود هذا “الجفاء” إزاء الفُصحى إلى وعي تلميذ اليوم بأن اللغة العربية لن تعترض سبيله في جميع المسارات الجامعية إلا إذا اختار شعبة اللغة والآداب العربية من ناحية، ومن جهة أخرى إلى عدم سعي الدولة منذ عقود – رغم براعتها في تصريف اللغة- إلى تفعيل العربية لتكون لغة ناقلة للعلوم والتكنولوجيا والمعارف المختلفة، كما هو الحال بالنسبة إلى الصينية أو اليابانية أو الفارسية أو التركية عندما تمّ تحطيم الأسطورة القائلة بأن “العلوم تلينُ –طبيعيا- للّغات الأوروبية”. مع الاعتراف كذلك بأن الانزياح القائم اليوم بين العامّيّة والفصحى la diglossie في لغتنا يزيد الأمر تعقيدا إضافيا لا تعاني منه بلدان أخرى مثل روسيا أو الصين أو كوريا الجنوبية.

ثانيا : تدنّي مستوى تلاميذنا في اللغات هو عابر لجميع الباكالوريات، لكنه أكثر فداحة في شعب مدرسية بعينها : الاداب، والاقتصاد والتصرف، والإعلامية أساسا.

إن نسبة التلاميذ الذين لا يحصلون على المعدّل في العربية تساوي 70% في الباكالوريا آداب و69 % في الباكالوريا اقتصاد وتصرف و 65.38 %  في علوم الاعلامية (هل تشابه النسب الثلاثة هو مجرد صدفة ؟ لا أعتقد شخصيا ذلك) . بينما لا تتجاوز هذه النسبة الـ 14.11%  في باكالوريا رياضيات ! ومن المفارقات  أيضا أن نسبة الحاصلين على أكثر من عشرة في مادة العربية تصل إلى 65.71 % في باكالوريا علوم تجريبية بينما لا تتجاوز 25.89 % في باكالوريا آداب على سبيل المثال.

ولتدعيم هذه الحقائق، فإن :

من تحصلوا على عشرة أو أكثر في الفرنسية باكالوريا آداب، تساوي نسبتهم  30.30 %  مقابل 81.58 % في باكالوريا رياضيات.

أما من تحصّلوا على أكثر من عشرة في مادة الانكليزية فنسبتهم تساوي 36.27 % في باكالوريا آداب في حين تبلغ 86.68 % في الرياضيات و 47.47 % في العلوم التقنية و 58.14 % في العلوم التجريبية.

وفي مادة الفلسفة، كانت معدلات الشعب العلمية أفضل من باكالوريا آداب، حيث بلغت على سبيل المثال نسبة المتحصلين على عشرة فما أكثر  46.19 %   في الاداب مقابل 54.17 %  في الرياضيات.

ذلك يعني – في ما يعنيه- أن ما تكسبه منظومتنا التربوية من جودة على مستوى تملّك اللغات بفضل جيوب التميّز في الباكالوريات العلمية بصورة خاصة، سرعان ما يتلاشى على مستوى المعدلات العامة جرّاء تدهور مستوى الملتحقين بشكل جُزافي يفرضه غياب البدائل الأخرى نحو شعب الآداب والاقتصاد والتصرف وعلوم الاعلامية بصورة خاصة.

وبناءً على ذلك، يصحّ القول بأن أزمة اللغات في مدرستنا التونسية هي أزمة مُركّبة تتداخل فيها طبيعة البيداغوجيا المُعتمدة في تدريس “التكلّم الصّرف المُنهمر دون كلفة أو وجل”  قبل “كيف نتكلّم ووفق أي قواعد نتكلّم” ومستوى تكوين المُدرّسين وغياب التوجهات الوطنية الواضحة (غير الشعاراتية) للدولة وهيكلة التعليم وما يُعرض من شعب ومسالك إلى جانب ما يغيب من معابر ومختصرات.  

ثالثا : النحو الداخلي بواسطة الشفاهي والتواصل في وضعيات ذات معنى بالنسبة إلى التلميذ بدلا من قصفه منذ بدايات ابتهاجه بمفاتن اللغة، بما اختلفت فيه البصرة والكوفة والتمييز بين المفاعيل عندما يبدأ التأويل.

يبدو أن تلميذنا التونسي لا يُقبل على درس اللغة – مهما كانت هذه اللغة- بشكل فيه فرحة التعلّم وبهجة التعبير عن مشاعره والدّفع بما يعتقده صحيحا أو خاطئا…خوفا من الاصطدام بقواعد اللغة الصمّاء والاشتباك غير محمود العواقب مع شرطة العدد والمعدود والممنوع من الصرف وخشية التّيه في متاهات اللغو والوقوع في شراك حِباله التي كلما صعدت درجة وإلا وزاد طولها ورعونتها. من الأمثلة الناجحة اليوم ـأكثر من غيرها- في إقدار الأطفال على تعلّم اللغات (الوطنية والأجنبية على قدم المساواة) هي اللوكسمبورغ وسنغافورة، حيث تُمارس ما يُسمّى بالمقاربات الانغماسية في تدريس اللغات (يعجبني شخصيا أكثر تعبير تعلّم اللغات بواسطة المعايشة أو بواسطة الغَمر، كما في تقنية السّقي الزراعي) بحيث لا تكون اللغات “مواد مستقلة بذاتها تُدرّس بشكل قواعدي صرف” بل تكون بمثابة  قنوات للريّ اللغوي غَمرا أحيانا وقطرة قطرة أحيانا أخرى، من خلال وضعيات لعبيّة مرحة وألعاب أدوار تواصليّة مُحفّزة … خاصة في المراحل التعليمية الأولى. فلا يتمّ بالنتيجة تبجيل البعد الهيكلي (النحو) على البعد الاستعمالي الحيّ (الحياة) حتى لا يُكبّل اللسان قبل أن ينطق بعدُ.  

يقول أصحاب هذا التوجّه بأنه لا يجب أن نُعطي الطفل دروسا تشريحية حول مهمة العضلات والأنسجة والأوتار من أجل تعليمه كيف يمشي، لأن الانسان يتعلم المشي من خلال فقدان التوازن والمحاولة والخطأ والغريزة… فإذا كان النحو هو التركيبة البنيوية للغة فالكلام هو حركتها.

رابعا وأخيرا : لا نُواجه ظاهرة ضعف تلاميذنا في اللغات، بالعقاب والمنطق المردود بعد الباكالوريا !

بعد حصولها على معدّلات الباكالوريا للتلاميذ وأعدادهم في كل المواد التي تمّ اجتياز الامتحان فيها، تعمد وزارة التعليم العالي إلى احتساب ما تُسمّيه بمجموع النقاط لترتيب التلاميذ وتوزيعهم على مختلف مسالك التكوين لديها (اعتماد الحساب مع الاستئناس باختيارات كل مترشح للتوجيه الجامعي وكيفية ترتيبها).

هنالك إجراءان لافتان للانتباه في هذا الخصوص وجب التوقّف عندهما :

– يتكوّن هذا المجموع من عنصرين أساسيين هما المعدل العام للتلميذ في الباكالوريا ضارب 4 يُضاف إليه 6 ضوارب خصوصية أخرى موزّعة على المواد الأساسية في كل شعبة من شعب الباكالوريا (مثلا بالنسبة إلى الرياضيات يُضاف الى المعدل العام ضاربان للرياضيات وضارب ونصف للعلوم الفيزيائية ونصف ضارب لعلوم الحياة والأرض وضاربان للفرنسية والانكليزية …). بمعنى أن معدلات التلميذ في الباكالوريا، المتدنية بصورة عامة  تُحتسب مرتين في هذه الحالة : مرة في المعدل العام ومرة ثانية في الضوارب الخصوصية…بما يجعل منه إجراءً عقابيا لا موجب له، يُعيق التلميذ في الحصول على ما يرغب فيه بدلا من تحييد هذه الهِنات وتذليل تبعاتها.

– إضافة أعداد الفرنسية والانكليزية إلى مجموع النقاط (المُحتسبة بعدُ في المعدل العام) برّرته وزارة التعليم العالي حين إقراره بـ “ضرورة تحفيز تلميذ الباكالوريا على تحسين مستواه في اللغات الأجنبية” وهذا ضرب من الديماغوجيا الصرفة لأن التلاميذ لا يهمّهم الاطلاع على كل هذه التفاصيل الفنية إلا بعد نجاحهم النّاجز ومواجهة استحقاقات ما بعد الباكالوريا.

ونقول في النهاية بدون أي تحفّظ إن:

إيجاد روافد إسناد لغوي خارجي في العائلة والمحيط ووسائل الاعلام (لا وجود لأي برنامج إذاعي أو تلفزي جادّ أو ترفيهي حاليا في تونس يُعنى باللغة أو الثقافة) وحسم ازدواجية تدريس العلوم باللغة العربية ثم اللغة الفرنسية بشكل جريء وبعيد عن الهوويات الكريهة والتمسك بـ “فرنسية” لم نخترها على حدّ سواء، ومراجعة الطرائق التي نُدرّس بها اللغات، وإيجاد الحوافز المُجزية لمدرّسي اللغات خاصة في المناطق المنسيّة حتى ننهض بمستواهم .. وغيرها قد تشكّل حزمة من الاختيارات التي تُساعد على إطلاق ألسنة ناشئتنا بما يُصلّب عودهم دراسيا وشغليّا، ويُخرجهم من مُربّع اليُتم الحضاري وفقدان السّند اللغوي المطلوب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* التحاذف، كلمة فرضها سياقها في علاقة بدعوة البعض إلى قلب الهرميّة المعتمدة وجعل لغات معينة تحذف أخرى.

أكمل القراءة

صن نار