…والآن وبعد أكثر من عشرة أيام على تعليق العمل بالدستور …عفوا على تعليق نشاط مجلس نواب الشعب، ماذا حققنا وماذا كسبنا؟ وهل خرجنا مما نحن فيه؟ أم لا نزال نراوح مكاننا، حتى غرقنا في حفرة حفرناها بأرجلنا من فرط المراوحة بنفس المكان…؟؟
<strong>محمد الأطرش<strong>
ماذا حققنا فعلا خلال هذه الأيام الأولى؟ هل يكفي أن نُخرج النهضة من الحكم وهو الأمر الذي أسعدها رغم ما أبدته في أول الأمر من ممانعة، أو نجبرها على الصعود إلى ربوة المعارضة، لنقضي على الفقر… والتهميش والبطالة…ولنصلح وضع الخزينة العامة …ونخفّض من نسبة العجز ونسبة التضخم؟ أو أن كل ما جرى ويجري هو من أجل أن يهتف جميعنا باسم مولانا ساكن قرطاج “يحيا الرئيس” و”الشعب معاك يا قيس”؟
يذكرني ما يقع اليوم في تونس بما وقع في فرنسا أيام ماكسيمليان دي روبسبيير ألم يكن روبيسبيير نصيرا للإصلاح الديمقراطي، ألم يشرف خلال “عهد الرعب” على اعتقال وإعدام عددا كبيرا من الخصوم السياسيين، من الذين اعتبرهم هو وحلفاؤه معارضين للثورة…ألم يشرف على قمع الجيرونديين من اليمين، والهيبرتيين من اليسار، والدانتونيين من الوسط…لا أظنّ أننا في تونس سنصل ما وصله ماكسيميليان في فرنسا…لكن ألا ترون معي أن التشابه في الأحداث كبير بين ما يقع اليوم في تونس، وما وقع في فرنسا أيام روبسبيير مع فارق بسيط هو أننا إلى يومنا هذا لم نصل إلى مرحلة الإعدام ونصب المشانق ومن يجزم أننا لن نصل إليها يوما؟…ألا يشبه ما يقع اليوم بما وقع سنة 2011 فماذا حققنا بعد 14 جانفي…ألم يخرج علينا أناس لا نعرفهم…يشوّهون هذا ويشوّهون الآخر…يتهمون هذا ويحاكمون الآخر…يسحلون هذا ويطردون الآخر…فماذا حققنا بما أتوه وفعلوه…؟؟ طبعا لا يمكن أن نشبّه الرئيس قيس سعيد بماكسيميليان روبسبيير، لكن يمكننا أن نشبّه أتباعه ومناصريه بماكسيميليان المسكين، فداخل الكثير من عقول مناصري ساكن قرطاج، يعيش ماكسيميليان بحقده وجبروته ونهمه الكبير للانتقام، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا …لماذا الانتقام وممن يريد أنصار سعيد الانتقام؟ ممن يكبرونهم سنا بعنوان أن هذه المرحلة هي مرحلة الشباب أم ماذا؟ وهل كان ابعاد النهضة مجرّد ذر الرماد على الأعين، وتحويل وجهة هذا الشعب المسكين عن حقيقة اهداف ما وقع يوم 25 جويلية؟
هؤلاء اليوم وبما يأتونه من خطاب استئصالي حاقد على الجميع لا يبشرون بخير …وهم بما ينشرونه لا يخدمون مصلحة البلاد ومصلحة “معبودهم” ساكن قرطاج…بل هم يغرقونه في دائرة ضيّقة قد تسيء إليه كثيرا…ألا يمكن أن يجلس ساكن قرطاج لنفسه يخاطبها…يناقشها ويسألها ما تريده منه وعنه وبه…وما تنتظره… ينقد ذاته… ويراجع بعض أقواله وأفعاله، أم أنه وكمعظم رجال السلطة والنفوذ وأصحاب الأمر والنهي، لا يقبلون بممارسة النقد الذاتي والقبول ببعض المؤاخذات والمراجعات؟ لسنا ضدّ كل ما وقع….لكننا نخاف مما يمكن أن يقع…
لنسأل كل العارفين والمتابعين للشأن التونسي، ماذا سينفعنا وينفع هذا الشعب أن نجلس يوميا لبعض إطارات الدولة وعلى مرأى ومسمع متابعي شريط أنباء الوطنية، وصفحة رئاسة الجمهورية، نجلدهم بخطاب نقدي غير مبرّر…هل نأمل من أن هؤلاء سيقبلون بما قلناه فيهم وعنهم…وهل نحن قضاة حتى نشتبه في أمر الجميع… وهل وجب أن يكون الجميع محلّ شبهة حتى نخاطبه بخطاب نصفه اتهام، ونصفه الثاني تهديد ووعيد…فمن سيقبل بالعمل في مؤسسات الدولة، حين يستمع إلى خطاب كهذا من أعلى سلطة في الدولة، رئيسها…؟ ألا يمكن أن نغيّر خطابنا ليصبح خطاب استمالة وتهدئة وطمأنة واستقطاب لكفاءات أصبحت رافضة لكل منصب أو خطّة وظيفية في مؤسسات الدولة؟
والسؤال الأخطر ماذا ينتظر الشعب من ساكن قرطاج بعد أن أبعد الأحزاب من المشهد العام للحكم…هل سيكتفي هذا الشعب بالتصفيق والصراخ والغناء ليلا نهارا احتفالا بــ”الزعيم”…؟ هل هذا فقط ما يبحث عنه الشعب؟ وهل هذا ما يريده حقّا ساكن قرطاج؟ وغدا….حين يستفيق الشعب من سكرته…ماذا سيقول له ساكن قرطاج…هل سيكتفي بأن يقول ” لقد اتفقت مع تجار الجملة والتفصيل على بيعكم بضاعتهم بأرخص الاثمان…واتفقت مع الصوناد على أن توفر لكم الماء الصالح للاستحمام عفوا للشراب دون انقطاع…وسأتفق مع شركات بقية المنتجات الغذائية واللحوم لنوفر لكم الغذاء واللحم بأرخص الأسعار …كما أن اتحاد الصناعة والتجارة وافق على مراجعة بعض الأسعار خدمة للمواطن ضعيف الحال وسيقع التخفيض في سعر “الشوكوطوم” ليكون في متناول كل الشعب”…أهذا حقّا ما يريده المواطن اليوم؟ لا أظنّ فالمواطن يبحث عن تحقيق ما وعدوه به في كل محطّة انتخابية…ويبحث ما يعيد له كرامته التي سلبت منذ عشر سنوات ويزيد…كرامته بكل تفاصيلها…
هل ستعيد هذه الإجراءات البسيطة التي يلهث وراء تحقيقها ساكن قرطاج “زعيم” حركة تصحيح المسار كما يسميها البعض الهدوء إلى الشارع التونسي، والأمن في نفوس أبناء هذا الشعب، والأمل لشبابه الذي أحبطه ساسة ما بعد 14 جانفي؟ وهل تعيد إجراءات ضمان “شكشوكة تونسية” الحياة للطبقة الوسطى بعد اندثارها تماما؟ فانخرام توازن الحياة الاجتماعية سببه الرئيسي هو اندثار الطبقة الوسطى…ولن يعود إليها توازنها دون إعادة الحياة إلى هذه الطبقة التي تمّ القضاء عليها عمدا من حكام ما بعد 14 جانفي…فالطبقة الوسطى هي من يضمن بقاء بقية طبقات المجتمع على قيد الحياة، فهي التي تضمن انتعاش وتوازن المشهد الاقتصادي عموما…
والسؤال الذي يطرح نفسه دائما، هل ثمة من يدفع بالبلاد على طريق الانهيار فالبلاد تواجه أزمات لا سابق لها في تاريخها؟ أم أن حكام هذه البلاد فقدوا الرؤية والبصيرة بسبب أنانيهم، وضعف خبرتهم في إدارة الشأن العام، فتونس تعاني ومنذ دخول الليالي السود سنة 2011 نوعا من “الكساد المتعمد” والتفقير الممنهج…وغلق متعمد لكل مواقع الإنتاج الاستراتيجية…فهل يمكن اعتبار ما يحدث للبلاد اليوم طبيعيا؟ وهل يمكن تحميل كل الطبقة السياسية التي حكمت البلاد بعد 14 جانفي مسؤولية هذا الانهيار؟ فتونس ومنذ استقلالها لم تعش مثل هذا التقاعس المتعمّد في إدارة الشأن العام…فهل دبّ الوهن في عظام ساستنا…أم ترهلت وشاخت الطبقة السياسية لتصبح ديارها فارغة خِرَبًا لا حياة فيها…؟؟
جميل أن نقاوم الفاسد والمفسدين…وجميل أن نقتلع الفساد من جذوره…وجميل أن نحمي الدولة ونعيد إليها الاعتبار، بعد أن عانت من الإذلال طويلا من جماعات “اللاّدولة”…فهذا الشعب يعيش ومنذ أكثر من عشر سنوات حالات من الإحباط والشعور بالعجز التام… فجميل أن نعيش اليوم عهدة مقاومة هذا الفساد، مع من لا يخشى في الله لومة لائم من رجالات المؤسسة الأمنية والعسكرية والقضائية…فالفساد أصبح عقلية…وثقافة عامة …منذ غاب الرادع…وضعفت الدولة…ومرغنا بهيبتها الأرض…فالفساد عند البعض أصبح منهجا…لكن هل سنكتفي بمقاومة الفساد دون أن نواصل البناء، وننقذ ما يمكن إنقاذه بعد الخراب الذي حلّ بالبلاد…فالتصفيق لوضع أحدهم تحت الإقامة الجبرية لن يفيدنا في شيء….والصراخ لخطاب تأديبي لسيادته أمام أحد المسؤولين لن يفيدنا في شيء…والوابل من التهم والصواريخ العابرة من الشتائم والتهديد والوعيد لن يعيد للبلاد شيئا مما ننتظر…واتهام الجميع بالفساد لن يذهب بنا بعيدا…وعمليات إنزال في مقهى شعبي بحي شعبي لن تخرجنا مما نحن فيه…وفتح المجال لأنصارنا لابتزاز رجال الأعمال والمسؤولين ستكون عواقبه أخطر…فهل يمكن أن نقاوم الفساد ونحمي الدولة بالأحقاد وزرع الفتن…هل يمكن أن نعدل بين الناس بخلق الأعداء يوميا من خلال ما نقول ونفعل…فماذا سنقول لأبناء من أتهم ظلما وعدوانا….وماذا سنقول لأم من نُعت ابنها بالفساد وهو بعيد عنه كل البعد….وماذا يمكن أن نقول لمن وضعناه في السجن ظلما وبسبب وشاية انتقامية…وماذا سنقول لوالد أحد المسؤولين بعد أن أقلنا ابنه حقدا وانتقاما…علينا أن نهدأ في معالجتنا لأوضاع البلاد ..وأن نُغلّب العقل والمنطق في كل خطوة في هذا الاتجاه…فالدولة تترنّح ونحن نصرخ طربا لشتيمة ولسجن مظلوم…ونطرب للانتقام…
دَعُونا نخرج البلاد من أزمتها دون أحقاد…فالظلم والحقد…وعقلية الانتقام تقتل الأوطان في قلوب بعضنا…ولن ننجح في انقاذ البلاد دون أن يكون هذا الوطن جزءا منّا…حيّا فينا…فالأوطان تقتلها الأحقاد والفتن…فحين يموت الوطن فينا …تصبح كل الأوطان الأخرى أوطاننا…وتصبح “الحرقة” وطنا…والغربة وطنا…والمنفى وطنا…والخيانة وطنا…والسجن وطنا…وحضن عاهرة وطنا….وحين يصبح الإذلال والظلم والتهميش والخيانة والتفرقة و”الحقرة” شعار المرحلة …يموت الوطن فينا…فنبحث عن وطن آخر نحميه ويحمينا…ففي تونس اليوم ومنذ عشر سنوات يُغْتَالُ الوطن فينا كل يوم…وكل ساعة …وكل دقيقة…ولا يزال البعض يصرّ ويسرد على مسامعنا كل يوم ما قالته تلك الراقصة في شريط “عسكر في المعسكر” ” البيت ده طاهر وحيفْضل طول عمرو طاهر…”….
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.