تطرقنا في الجزأين الاول و الثاني الى بعض النماذج و طرق التحيل البدائية او المحلية كما ذكرنا نموذجين من عمليات التحيل العالمية التي تديرها عصابات منظمة وشبكات في غاية من الحرفية واتقان اليات البرمجة المعلوماتية وتدليس الوثائق الرسمية و شبه الرسمية كادوات واسلحة لاسقاط الضحية بالفخ عبر تبني منهجية ذكية و علمية تتمثل في التدقيق في اختيار الضحية المستهدفة وكذلك اختيار توقيت ابتزاز الاموال و تحديد المبالغ المناسبة..
محمد الزمزاري
و يبدو ان ضحايا هذه العصابات العالمية متعددون لكن جلهم يلتزمون الكتمان او يعجزون فعليا عن دفع المبالغ المطلوبة.. و قد ذكرنا خلال الجزء الثاني نموذجا عالميا لعمليات التحيل تقوده عصابة من احدى بلدان جنوبي الصحراء، و كيف تراهن هذه العصابة على بيع كنز قبيلة افريقية مستظهرة بصور رئيس القبيلة وتربطك به و بصور “عالم اثار امريكي” وجواز سفره ونماذج متعددة من الكنز المذكور المتمثل في اثار وتماثيل افريقية.
اما النموذج الثاني فقد تمثل في اتصال سيدة تدعي انها فرنسية ومسنة وستخضع لعملية جرحية خطيرة بمستشفى بنيويورك … واثر تبادل عديد المراسلات تعلمك انها ترجو القيام بعمل خيري و لم تجد احدا تثق به غيرك لتهبه مليون يورو .. ثم ترسل لك هذه السيدة صورة بطاقة تعريفها و جواز سفرها و صورا بمنزلها و صور اخرى على فراش المستشفى كما تمد بالارقام السرية لحسابها باحد البنوك وتشير عليك بمحاميها الذي سيقوم بكل اجراءات تحويل اموالها الى حسابك مقابل ان تصرف نصفه على الايتام و الفقراء ..
حال الاتصال بالمحامي يمدك ايضا باسمه كاملا و عنوانه و مهنته و اختصاصه القانوني وجواز سفره و بطاقة تعريفه و يطلب منك بعض المعطيات ثم الانتظار يومين او ثلاثة ريثما يراجع البنك و يتثبت من مصالح منوبته الفرنسية .بعد يومين او ثلاثة تصل موافقته مرفوقة بوثيقة عدلية لتدوين الهبة تحمل امضاء السيدة الفرنسية و تاريخ ميلادها و عنوانها و عدد بطاقة تعريفها كذلك امضاء المحامي و طابعه و امضاء مدير البنك و طابعه ايضا ويطلب منك الامضاء و الارجاع عبر المايل..
و تفضي هذه العملية الى بعض المكالمات الهاتفية من طرفء” المحامي المزعوم ” ثم يمدك بوثيقة من البنك يطلب منك تحويل 650 يورو اداءات و خلاص مصالح العدل ومعاليم اتعاب المحامي … وهنا تتارجح النقاشات عندما اعلمته ان قانون بلادي يمنع تحويل الاموال الى الخارج يلح ثم يجاول الاستدراج عن طريق صمته يومين او ثلاثة ثم يعود للنقاش و اتمسك بردي فيمدني باسم شخص بتونس قصد ارساله المبلغ عن طريق حوالة سريعة ..اطالبه بهاتف السيد كي امده بالرقم السري للحوالة او اتصل به فيرفض ذلك رفضا قطعيا : هل تكون هذه العصابة ذات جذور ببلادنا ايضا؟ هل يكون هذا الشخص طالبا من اقارب هذا المتحيل ؟ انتهت قصة الهبة هنا.
العملية الكبرى التي كادت تسقطني في الفخ!
لقد ذكرت اني اخترقت هذه العصابات عنوة بهدف تنبيه القراء الاعزاء الى نماذج من عمليات التحيل العالمية و التي تكتسي خطورة جمة نظرا إلى أسباب عديدة لعل اهمها : انها تجمع هياكل كاملة لمنظومات تحيل عالمية تقودها عصابات قد تكون نافذة او ذات صبغة مافيوزية فهي تمسك كل الوثائق المطلوبة في خطتها من شهائد الوفاة الى مراسلات البنوك بشعارها الرسمي و أختامها و امضاءاتها وكذلك مراسلات ووثائق المستشارين القانونيين و المحامين وبعض مصالح الجمارك الاوروبية او غيرها ووثائق بعض وزارات العدل و ايضا بعض المؤسسات العالمية ك “صندوق النقد الدولي” وصور لجوازات السفر و بطاقات التعريف و ايصالات شركات النقل العالمية و المؤسسات المالية الامريكية وكلها وثائق كاملة الشروط و الطوابع و الامضاءات و معرف المؤسسات ( ,les entêtes)
…وهي مستندات يمكنها اقناع مؤسسات دولية لا اشخاصا تغريهم الرغبة في المال و الوصول الى علية القوم ونسيان “روج” حساباتهم البنكية و صعوبات عيشهم في هذا الزمن الرديء !! تطلب “امريكية ” صداقتي عبر الفايس بوك ثم تطلب مني الابحار في الواتساب قصد مزيد النقاش و تبادل الحديث … تمر بضعة ايام ثم تعيد الاتصال لتعلمني انها اطار تدقيق في احد اكبر بنوك نيويورك وانها تمسك بمعطيات هامة جدا لاموال تتعدى المليارات التونسية …وبادرت بسؤالي ان كنت اتقن الانجليزية فاجبتها بالنفي رغم اني اتقنها نسبيا فاشارت لي بان كل الوثائق ستكون باللغة الانجليزية لكن ستترجمها لي إلى الفرنسية.
وبدات خطتها تسير سيرا عاديا و كنت اتابع كل ترجمة للمراسلات الصادرة او الواردة والوثائق الى ان وصل”الملف” الى ضرورة ارسال اصلي وثيقتين تستوجب الاحضار من طرف مستشار وزارة العدل و ال ،بF. M. I ,,,,انطلقت اول عمليات الابتزاز حين طلب المستشار العدلي المزعوم دفع مبلغ مائة الف دولار مسبقا لاستخراج الوثيقتين … اشرت للسيدة بان تحويل الاموال ممنوع ببلادنا ..انقطع الاتصال ثلاثة ايام ثم عادت لتطلب تحويل المبلغ فطلبت منها دفعه مكاني على أن أسدده لها في ما بعد مضاعفا و ذلك حالما يتم تحويل المبلغ الاجمالي الي، زيادة عن تنفيذ اتفاقنا بتقاسم الاموال…
و بعد حوالي ثلاثة ايام ارسلت لي وصلا صادرا عن المستشار ينص على قبض المائة الف دولار من هذه السيدة كما ارسلت لي صورة عن وثيقة رهنية لمنزلها لدي مؤسسة قروض لمدة خمس سنوات و بشرتني انها انهت الموضوع تبعا للاتفاق احضر المستشار الوثيقتين بسرعة وتم ارسالها للبنك الذي اعلمني باستيفاء كل الشروط وانه سيحول الاموال ضمن طرد مضمون الوصول طبقا للقانون الامريكي و لامر صندوق النقد الدولي الذي يمنع تحويل الامول المتعلقة بهذه الحالة الى اي حساب جار وانما يلتزم البنك بايصال الطرد الى المستفيد حتى منزله ( At home)… كما ارفق مراسلته بوصل شركة نقل عالمية مكلفة بايصال الطرد والاموال للمستفيد…
عند هذه المرحلة بالذات ضعفت و اعتقدت لفترة قصيرة انني قد اكون بالغت في التوقي والخوف من عمليات احتيال عالمية وان المعجزات ممكنة في هذه الايام الرديئة التي تعج بالغرائب المتنوعة وبصعود اعداد وافرة من المليارديرات ببلادنا خلال هذه السنوات التي تلت الانتفاضة صرت احلم بطبع كل كتبي النائمة في رفوف الخزانة تحت تافف زوجتي وحلمت ايضا ببعث قناة تحتضن مشاغل الشعب الحقيقية مع “زمرة زملائي الصحفيين” و اشتري لي ضيعة كم حلمت بها منذ صغري.. والغريب ان احدى وثائق البنك وشهادة مؤسسة النقد الدولية بنيويورك تؤكد تبريرا قانونيا لملكية الاموال من طرفي ( ،justification …..فماذا بقي اذن غير انتظار وصول الطرد والاموال؟ ..
كان كل تفكيري الاستقصائي بدا يتخبط بين ضفتين او ثلاثة :
1)انتظار حبكة الاحتيال القادمة حتما بعد تاجيلها لابتلاع الضحية.
2) او ان العملية تستجيب لكل مقومات القواعد الصحيحة انتظرت ثلاثة ايام قبل ان اتصل بوثيقة مؤشرة من مصالح الجمارك الايطالية ومرفوقة بمكتوب من الشركة العالمية للنقل تفيد ان مصالح الديوانة بايطاليا تطالب بدفع 1600 يورو اداء على الطرد (وهو ما يقابل 5000دينار تونسي ..) لتسريحة و ايصاله للمستفيد….. هنا طمانت نفسي بان هذا الصراع القوي مع اعتى العصابات العالمية قد ينتهي قريبا لسببين اساسيين :
—اذا كانت موظفة البنك ليست حلقة في عملية التحيل ودفعت فعلا 100الف دولار امريكي عن طريق قرض لخمس سنوات ورهنية منزلها لتحصل على نصف الثروة زائد ما دفعته مضاعفا من اداء فانها ستفعل المستحيل و تدفع الـ 1600 يورو للديوانة الايطالية بهدف تسريح الطرد.
-الان يستوجب علي مراسلة مصالح الديوانة الايطالية حتى اتاكد من الامر و من وجود الطرد. – وحتى (فرضيا) تم اعلامي لاحقا ان الطرد موجود و يتطلب فعلا دفع رسوم 1600 يورو زائد رسوم التخزين فانه لا احد يضمن بان الطرد يحمل الاموال التي تزعم إرسالها هذه العصابة!!!
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…
عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟
في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…
مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…
تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…
اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…
إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…
قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…
الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟
موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…
قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …
كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.
تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.
سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.
الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.
هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟
أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…
ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟
يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.