ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
د. مصطفى الشيخ الزوالي:
منذ أواخر تسعينات القرن الماضي، وعلى امتداد ما يقارب ثلاثين سنة من متابعة عمليات التوجيه الجامعي في تونس ومرافقة الناجحين الجدد في الباكالوريا، كشفت لنا التجربة الميدانية أن المشكلات لا تختفي بقدر ما تُغيّر أشكالها.
فالقلق الذي يرافق لحظة الاختيار بقي حاضرًا، لكن مصدره انتقل من ندرة المعلومة إلى وفرتها : ففي الماضي كان التحدّي الأكبر هو الوصول إلى المعلومة، أما اليوم، في زمن المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، فأصبح حسن الاختيار هو التحدي الحقيقي وسط فيض غير مسبوق من المعلومات والآراء.
وما يزال الناجح الجديد يقف أمام أول قرار يرسم ملامح مساره الدراسي والمهني، غير أن الحيرة التي ترافق هذا القرار لم تعد ناتجة عن نقص المعطيات، وإنما عن صعوبة فرزها وتحويلها إلى اختيار واعٍ. ومن هنا يبرز سؤال يستحق إعادة التفكير: لماذا لم تجعل وفرة المعلومات حسن الاختيار أكثر يُسرا ؟ ولماذا ازدادت الحاجة إلى خدمات الإعلام والتوجيه في الوقت الذي أصبحت فيه المعرفة أقرب إلى الجميع؟
أولاً: هشاشة الاختيار… تسبق العصر الرقمي قد يبدو أن الحيرة التي يعيشها الناجح الجديد في الباكالوريا مرتبطة بضيق الوقت أو بتعقّد إجراءات التوجيه، لكنها في حقيقتها أعمق من ذلك. فالتوجيه الجامعي ليس مجرد ترتيب للرغبات أو مقارنة بين معدلات القبول، وإنما عملية لاتخاذ قرار تتداخل فيها الأبعاد المعرفية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية. ويؤكد علم نفس التوجيه أن الاختيار ليس حدثًا عابرًا، بل مهارة تُبنى تدريجيًا من خلال التربية على الاختيار: تعلّم معرفة الذات، واستكشاف الميول والقدرات، وموازنتها بالفرص المتاحة، وتحمل مسؤولية القرار. وحين لا تُبنى هذه المهارة، يميل الإنسان في المواقف المعقدة إلى الاحتماء بالأحكام الجاهزة أو تفويض القرار للآخرين، خاصة عندما يتعلق الأمر بمستقبل قد يرسم مساره الدراسي والمهني. لذلك ليس مستغربًا أن ينجذب كثير من الناجحين، في الأيامالأولى بعد إعلان النتائج، إلى الآراء القاطعة والوعود السريعة أكثر من انجذابهم إلى التحليل المتأني.
وتتضاعف هذه الهشاشة بفعل عوامل اجتماعية وثقافية لا تزال حاضرة إلى اليوم: اختيارات الأسرة، وتأثير الأصدقاء، وضعف ثقافة التخطيط المبكّر للمستقبل، تجعل كثيرًا من التلاميذ يؤجلون التفكير الجدّي في التوجيه الجامعي إلى ما بعد صدور نتائج الباكالوريا ، فلا يبقى أمامهم سوى أسابيع قليلة لاتخاذ قرار سيمتد أثره سنوات طويلة، في لحظة انتقالية بين المعهد والجامعة يشتد فيها الارتباك وتتزايد الحاجة إلى المرافقة.
ثانيًا: مفارقة العصر، وفرة المعلومة وندرة القدرة على الاختيار
انتقلت المشكلة إذن من سؤال الوصول إلى المعلومة إلى سؤال حسن الاختيار. ففي التجربة التونسية، وخلال العقود الأخيرة، كان دليل التوجيه الجامعي المرجع الأول، وظلت مصادر الاستشارة محدودة. أما اليوم فقد انقلب المشهد: صار التحدي الأكبر هو الإفلات من فائض المعلومة لا البحث عنها، فهي تلاحق المترشح أينما اتجه، عبر المنصات الرقمية وشبكات التواصل ومقاطع الفيديو وأدوات الذكاء الاصطناعي، والتجارب الشخصية التي تُقدَّم أحيانًا وكأنها قواعد عامة.
وقد يبدو هذا التحول مكسبًا لا جدال فيه، لأنه وسّع إمكانات الوصول إلى المعرفة، لكنه كشف في الوقت نفسه عن مفارقة جديدة: وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة حسن الاختيار. فكلما تعددت الخيارات وتزاحمت الآراء، ازدادت الحاجة إلى القدرة على الفرز وربط المعطيات بخصوصية كل مترشح، وهي مهارة لا توفرها التكنولوجيا في حد ذاتها.
ويرتبط ذلك بتحول أعمق في مصادر التأثير داخل المجتمع الرقمي. ففي زمن الندرة، كانت المعرفة تستمد مشروعيتها أساسًا من المؤسسات العلمية والتربوية، أما اليوم فقد أصبح الانتشار نفسه يمنح المحتوى سلطة قد تسبق التحقق من خبرة صاحبه أو كفاءته. فعدد المتابعين وسرعة الانتشار لا يكفيان لإثبات الكفاءة، لكنهما قد يمنحان صاحبهما سلطة رمزية تؤثر في قرارات آلاف المترشحين.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين من يقدّم معلومات دقيقة، ومن يخلط بين الوقائع والانطباعات، وبين من يمتلك الكفاءة التربوية لمساعدة المترشح على بناء قراره؛ فحتى المعلومة الدقيقة لا تكفي وحدها لإنتاج اختيار صحيح، لأن الاختيار عملية تربوية قبل أن يكون عملية إعلامية.ثالثًا: حين تهيمن الدعاية على حساب التربية على الاختيارفي هذا السياق، لم تعد المنافسة بين مصادر مختلفة للمعلومة فحسب، وإنما بين منطقين مختلفين في بناء القرار. فمن جهة، تقوم التربية على الاختيار على معرفة الذات والتفكير المتأني وتحمل مسؤولية القرار بعد موازنة الإمكانات والفرص. ومن جهة أخرى، يقوم الخطاب الترويجي على المنطق المعاكس: الوعود السريعة، والأحكام الجاهزة، وتقديم التجارب الفردية وكأنها تصلح للجميع.
ولذلك لا يكمن الخطر الحقيقي في وجود معلومات غير دقيقة فحسب، وإنما في اعتياد المترشح البحث عن إجابات جاهزة بدل أن يتعلم كيف يبني اختياره بنفسه. فكلما اشتد القلق، ازداد الإغراء بالحلول السهلة، بينما يحتاج الاختيار الرشيد إلى وقت للتفكير، وإلى معرفة بالذات، وإلى مرافقة مهنية تساعد على قراءة المعطيات في سياقها.
ويتضح عندئذٍ الفرق الجوهري بين الإعلام والتوجيه: فالإعلام يقتصر على توفير المعلومة، من الشعب المفتوحة وشروط القبول ومعدلات السنوات السابقة، أما التوجيه فيساعد التلميذ على تحويل هذه المعلومات إلى قرار يناسبه. ولذلك، فإن سؤال: «أيّ هذه المسارات يناسبني أنا؟» لا تجيب عنه قاعدة بيانات، ولا مقطع فيديو، ولا تجربة طالب آخر، بل يستفيد من حوار تربوي يساعد المترشح على وضع المعلومات في سياقها، وقراءتها في ضوء شخصيته وقدراته وظروفه، والتمييز بين المعرفة الموثوقة والخطاب الترويجي.
رابعًا: من وفرة المعلومة إلى أخطاء الاختيار
ولعل أوضح تجليات هذه المفارقة ما يتكرر كل سنة من أخطاء في بناء الاختيارات الجامعية. فمن المترشحين من يتعامل مع مجموع نقاط “آخر موجَّه” في السنة السابقة وكأنه حاجز لا يمكن تجاوزه، فيحرم نفسه من طلب اختصاص كان في متناول معدله. ومنهم من يعتقد أن ترتيب الرغبات يمنحه أفضلية في القبول، أو يغفل الامتيازات التي يوفرها التنفيل الجغرافي، أو يخلط بين اختصاصات متقاربة في الاسم مختلفة في المحتوى، أو يبني اختياراته على ما يُتداول حول “الشعب الأكثر تشغيلًا” و”الاختصاصات المضمونة”، دون التثبت من واقعها أو من انسجامها مع قدراته وميوله.
ولا تعكس هذه الأخطاء نقصًا في ذكاء التلاميذ أو اجتهادهم، بقدر ما تعكس هشاشة اللحظة التي يُتخذ فيها القرار، وما يحيط بها من معلومات متضاربة وضغط نفسي واستعجال. فحين لا يجد المترشح من يساعده على قراءة هذه المعطيات في سياقها، قد تتحول معلومة غير دقيقة، أو تجربة فردية، أو خطاب ترويجي، إلى اختيار يؤثر في مساره الدراسي والمهني لسنوات طويلة.خامسًا: الذكاء الاصطناعي… حين تزداد الحاجة إلى المرافقة الإنسانية
إذا كانت المنصات الرقمية قد ضاعفت حجم المعلومات المتاحة، فإن أدوات الذكاء الاصطناعي مرشحة لأن تضاعفها مرة أخرى. ففي ثوانٍ معدودة، أصبح بإمكان المترشح أن يحصل على مقارنات بين الاختصاصات، وتحليلات لمعدلات القبول، واقتراحات لمسارات دراسية، بل وحتى إجابات تبدو شخصية ومقنعة.
غير أن هذا التطور، على أهميته، لا يلغي المشكلة التي يناقشها هذا المقال، وإنما يعيد طرحها في مستوى جديد. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يجمع المعلومات وينظمها ويقترح بدائل متعددة، لكنه لا يستطيع أن يحسم السؤال الأكثر خصوصية: أيّ هذه المسارات يناسب هذا المترشح بالذات؟ فهذا القرار لا يُبنى على المعطيات وحدها، بل على معرفة الذات، وفهم الظروف الشخصية، وتحمل مسؤولية الاختيار.
وهذا ما يجعل وظيفة الإعلام والتوجيه مرشحة للتطور لا للتراجع. فإذا كان توفير المعلومة وتفسيرها يمثلان أحد الأبعاد الأساسية لعمل مستشار الإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي، فإن قيمتها اليوم، وفي المستقبل أكثر من أي وقت مضى، تتجلى في مرافقة التلميذ أثناء بناء قراره، وتنمية قدرته على الاختيار الواعي في عالم تتزايد فيه المعلومات بوتيرة أسرع من القدرة على فرزها واستيعابها.
فالمفارقة الحقيقية إذن ليست في تغيّر وظيفة المستشار، وإنما في تزايد الحاجة إلى أبعادها التربوية والإنسانية؛ ذلك أن التكنولوجيا، مهما وفّرت من معلومات، تبقى عاجزة عن أن تحل محل العلاقة التربوية القائمة على الإنصات، والحوار، وفهم خصوصية كل متعلم، ومرافقته في بناء قرار يتحمل مسؤوليته.
لكن الاستجابة لهذا التحدي لا يمكن أن تقوم على مستشار الإعلام والتوجيه وحده، ولا أن تظل حكرًا على المؤسسة التعليمية. فالتربية على حسن الاختيار مسؤولية مجتمعية تتقاسمها الأسرة، والمؤسسات التربوية، ووسائل الإعلام، والمنصات الرقمية، وسائر الفاعلين المعنيين بمرافقة الشباب. وفي هذا الإطار، تظل المؤسسة التعليمية الحلقة المركزية بحكم رسالتها التربوية، ويكتسي دور الأستاذ المكلّف بالإعلام والتوجيه بالمعاهد أهمية خاصة باعتباره حلقة وصل بين المستشار والتلاميذ، بما يساهم في تقريب خدمات الإعلام والتوجيه، ومتابعة المتعلمين في مرحلة الاختيار، وتعزيز ثقافة التربية على حسن الاختيار.ومن ثم، فإن تطوير خدمات الإعلام والتوجيه، وتنمية كفايات مختلف الفاعلين التربويين في مجال المرافقة والتربية على الاختيار، يمثل استثمارًا في قدرة المتعلم على اتخاذ القرار في عصر تتسارع فيه وتيرة المعلومات.
خلاصة: حسن الاختيار… الكفاية التي لا تعوّضها التكنولوجيا
ما يكشفه هذا المسار من الملاحظة الميدانية، عبر ثلاثين سنة من مرافقة الناجحين الجدد، هو أن جوهر الأزمة لم يتغيّر بقدر ما تغيّر موضعها. فقد انتقل مركز الصعوبة من “الحصول على المعلومة” إلى “تحويل المعلومة إلى قرار”، وهذا انتقال نوعي لا كمي: فبينما كانت ندرة المعطيات تُنتج حيرة قابلة للحل بمزيد من البحث، فإن وفرتها اليوم تُنتج حيرة لا يحلها إلا الفرز والتمييز، وهما مهارتان لا تمنحهما التكنولوجيا بذاتها مهما تطورت أدواتها.
من هذه الزاوية، لا يُقاس نجاح أي أداة رقمية أو ذكاء اصطناعي بكمية ما تقترحه من مسارات أو مقارنات، بل بقدرتها على أن تُفسح المجال لسؤال لا تستطيع هي أن تجيب عنه: من أنا، وماذا يناسبني؟ وهذا يُبقي العلاقة التربوية القائمة على الإصغاء والحوار الفردي في موقع لا تُزاحمه فيه الخوارزميات، لا لأنها متخلفة عن العصر، بل لأن طبيعة السؤال نفسه إنسانية لا معلوماتية.
ولذلك فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في مضاعفة المحتوى التوجيهي، بل في بناء كفاية “حسن الاختيار” لدى المتعلم ذاته، بوصفها استثمارًا يسبق لحظة الحيرة ولا ينتظرها. فكل تقدم تقني لا يواكبه استثمار مواز في بناء هذه الكفاية الإنسانية لن يحل أزمة القرار، بل سيكتفي بتبديل شكلها.