تابعنا على

جور نار

“الدّابل بايند”تونسيّا… أو تونس بلد الإكراهات المُضاعفة

نشرت

في

يروي لنا عالم النفس والاجتماع الأمريكي بول واتسلافيك هذه القصة الطريفة لتفسير مفهوم “الإكراه المُضاعف أو المزدوج” (double bind  في الانكليزية و double contrainte في الفرنسية) :

منصف الخميري Moncef Khemiri
<strong>منصف الخميري<strong>

أمّ تزور ابنها وتُهديه ربطتا عنق، واحدة زرقاء وأخرى حمراء. أثناء الزيارة الموالية، استقبلها الإبن مبتهجا وفي عنقه الربطة الحمراء، فقالت له والدته : يبدو أن الربطة الزرقاء لم تعجبك ؟ في الزيارة الثالثة اختار الربطة الزرقاء، فقالت له أمه : بطبيعة الحال هذا جليّ، لم تعجبك الربطة الحمراء ؟؟ وفي المرة الرابعة لم يكن بوسع هذا الشاب إلا أن يلبس الربطتين معا لإرضاء أمه التي ردّت مصدومة : “لا أستغرب أن أراك اليوم في مركز شبابي لغير المتوازنين نفسيا يا ولدي”.

فالإكراه المضاعف هو أن يصدر أمران متناقضان ولا يمكن الاستجابة للأول دون الإخلال بالثاني بما يجعل الشخص الذي يتلقّى هذه الأوامر أو التعليمات عاجزا عن الاختيار ويجعله كذلك عُرضة لارتباكات نفسية وذهنية تصل حدّ العزلة والانغلاق. حسب غريغوري بيتسون أول المشتغلين على آليّة “الإكراه المضاعف” في السنوات الخمسين من القرن الماضي، فإن وضع الأطفال على سبيل المثال في وضعيات اتصالية متكررة تؤثثها التعليمات المتناقضة يولّد لديهم بالضرورة سلوكات سكيزوفرينية. يقول بيتسون “إن الشخص المُعرّض للإكراه المزدوج تغمُرُه مشاعر عجز وخوف وحنق دون أن يُتاح للمحيط إمكانية تحويلها.”

السياق التونسي تُربة خصبة جدا لإنبات الإكراهات المضاعفة

اجتماعيّا :

المرأة عندما تعبّر عن تحررها وابتهاجها بالحياة كسائر خلق الله يقع وسمها بالخفّة والتهتّك والتبرّج وحتى بأبشع من ذلك، ولكن عندما تعبّر عن استقامة وصلابة في المواقف توسم بالتحجر والتخلف وجفاف المشاعر وإلغاء كافر بأنوثتها، وفي كل الحالات هي خاسرة ومطالَبة ببذل جهود مضاعفة لإقناع المجتمع بأنها مستقيمة في غير برود ومتحرّرة في غير “مُجون”.

الفتاة عندما تتعرف على شاب وتأخذ لنفسها حيّزا من الوقت للتعرف عليه، قد تتقدّم بها السنّ نسبيّا وتُضيع وقتا ثمينا لأنها لم تُعجّل بزفافها، ولكنها عندما تستعجل الأمر قد تكتشف أبعادا لا يمكنها معها الاستمرار في العلاقة. بمعنى ان التجربة مهمة في ضمان ديمومة العلاقة لكنها مُكلفة اجتماعيا خاصة عندما تبوء بالفشل، ولكن انعدام التجربة يورط الفتاة بصورة خاصة (أكثر من الشباب الذكور) في علاقة ثنائية خاسرة بالنظر إلى مزاج الآخر واشتراطاته وعُقده وعلاقته بأمه ونظرته نحو المرأة عموما…

مدرسيّا :

يُطلب من المربين أن يكونوا مُجدّدين ومُبدعين ومُبادرين ولكن قد تقع مساءلتهم لكونهم اجتهدوا أكثر من اللازم، ولكن عندما يتقيّدون بما يُطلب منهم رسميا لا أكثر يوسمون بالجمود والتحجر وتقديس مضمون “الكراسات الصفراء”، ففي كل الحالات هم محجوجون ومغضوب عليهم.

في التوجيه الجامعي، يُقال للتلميذ الناجح في الباكالوريا إنه يتوجّب عليه بألاّ يكتفي بعدد قليل من الاختيارات التي يراها ملائمة أكثر من غيرها لمزاجه وميولاته وطبيعة مؤهلاته لأنه قد لا يتحصل على أي واحد منها ويظل مؤجلا إلى الدورات اللاحقة، ولكنه يتردد كثيرا قبل تعمير اختيارات إضافية (لا يرضاها لنفسه مهما حصل) لأنه قد يُقصى من الأولى ولا يبقى أمامه سوى القبول بالأمر الواقع : وضعية فيها شدّ عصبي وعاطفي كبير جدا متبوع بحيرة مزعجة وألم نفسي لا يوصف.

يُطلب من التلميذ أحيانا أن يكون تلقائيا في سلوكه، فإذا استجاب فذلك يعني أنه خضع (لاتلقائيا) للأمر الذي وُجّه له بما ينزع عن سلوكاته أي طابع تلقائي، أو عندما يُطلب منه أن يقول الحقيقة حول حدث ما بالمؤسسة أو داخل القسم، فلو قالها عُوقب وإن لم يقلها عُوقب أيضا.

في مؤسسات التعليم العالي إلى حدّ وقت غير بعيد، يُطلب من الطالب أن يستحضر شهادة تثبت الإعفاء من الخدمة العسكرية ولكن لكي يُعفى من أداء الواجب العسكري مؤقتا عليه الاستظهار بشهادة ترسيم في التعليم العالي. وهو إشكال سكيزوفريني كان يكفي اتصال هاتفي بسيط بين ديواني الوزارتين لتجاوزه وإعفاء آلاف الطلبة من تبعاته السلبية على أعصابهم ومبيتهم ومعيشهم ودراستهم.

إداريّا :

العسكري الذي يرغب في عدم خوض عمليات حربية محفوفة بالمخاطر، يُطالَب بأن يُقدّم مطلبا مُعلّلا يقول فيه إنه يعاني من اختلالات عقلية كبيرة تصل حدّ عدم القدرة على التمييز بين الصديق والعدوّ، ولكن مجرد التعبير عن القدرة في تكوين هذا الملف هو دليل على كونه يتمتع بملكات عقلية عادية تجعل منه جنديا قادرا تماما على خوض غمار الحرب والتمييز بين جيشه وجيش الأعداء. (كما في الشريط السينمائي Catch22 لمايك نيكولس الذي يروي قصّة الطيّار يوسّاريان خلال الحرب العالمية الثانية محاولا إقناع قيادته بأنه مجنون…دون جدوى).

يُقال للموظف إن عليه أن يجتهد ويُثابر ويُبادر لينال الترقيات التي هو جدير  بها، ولكنه لا ينال شيئا في النهاية لأن الترقيات تُسند بناء على مقاييس أخرى لا علاقة لها بالعمل والجهد… وعند اكتفائه بـــ”عشرة الحاكم” أي المجهود الأدنى، يُنظر إليه بنوع من الازدراء وعدم الاعتبار لأنه لا يضيف شيئا ولا يساهم في تطوير المرفق الذي يعمل صلبه. ففي كل الحالات هو مقهور ومقبور ومكسور.  

سياسيّا :

تعترض على سبيل المثال على مسار 25 جويلية المتعثّر والذي لم يقدر إلى حد هذه اللحظة على بناء شيء مرئي يراه التونسيون ويلمسونه، ولكن المساهمة في الإطاحة بهذا المسار يُعيد (أو على الأقل يفسح المجال أمام قوى العهد السابق) المشهد القديم الذي سئمه الناس في ظل اكتوائهم بويلاته وعبثه وجرائمه… ففي كلا الحالتين، نظل واضعين أيدينا على قلوبنا خشية عودتهم من ناحية وخوفا من مآلات حزينة لا نتوقّعها ولا نطمئن كثيرا لعدم وقوعها. هذا لوحده “حالة مدرسية” جديرة بأن تُدرّس لدى ورثة “مدرسة بالو ألتو بكاليفورنيا” كتيّار فكري اشتغل كثيرا على “الإكراه المُضاعف” في سياق نظريات الاتصال والعلاقات بين الأفراد والاضطرابات النفسية.

النظام السياسي “في سياق ديمقراطي” لا يمكن أن يقمع الناس بشكل فجّ، ولا يمكن أن يسمح بالتحركات الاجتماعية ويطلق لها العِنان في نفس الوقت لأنها مشروعة ويعرف جيدا أنها مشروعة، ففي الحالتين، هو نظام مهزوم في عيون الناس لأنه أكثر عجزا من أن يمارس قمعا سافرا وأوهن من أن يجترح حلولا وتصورات وسياسات تنهض بمعيش العِباد ومكانة البلاد. 

في سياقات مثل التي نحن فيها اليوم، تحمّل مسؤوليات عليا في مؤسسات الدولة قد يجعلك تساهم بشكل ما في تطوير بعض الجوانب الحيوية في حياة الناس، ولكن مثل هذه المهام قد تؤدي بك إلى مهالك لا تتوقّعها لمجرد إمضاء وثيقة إدارية لا تعلم ما الذي تُخفيه أو لمجرّد الاشتباه في “كونك جنيت فوائد لنفسك…”، فيفرّ الجميع وتنكمش الكفاءات الحقيقية ولا يبقى سوى الليّنين والطيّعين والآكلين على جميع الموائد والنائمين على كل الوسائد.

وأخيرا ريفيّا :

لا يمكنني أن أُنهي هذه الورقة التي حاولَتْ التعريف بالدّابل بايند بدون استحضار تلك الطّرفة الريفية الرائجة في دواخلنا التونسية والتي تقول إن جمعا من المزارعين أمسكوا يوما بذئب جائع يترصّد قطيعا من الأغنام، فوضعوه أمام اختبار مفخّخ وتعجيزي… وهو الحيوان الذكي الذي يتصف بدهاء ومكر خرافيين : قالوا له، أنظر جيدا إلى السماء وقيّم لنا مدى اكتناز الغيوم بالأمطار، فلو أمطرت قتلناك ولو أمسكَتْ قضينا عليك (بتصرف) ! فكّر الذئب مليّا وأجاب “والله مضيرطة” ! أيْ لاهي سماء واعدة ولاهي مُمسكة.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 115

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…

عبد الكريم قطاطة

عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟

في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…

مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…

تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…

اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…

إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…

قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…

الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟

موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…

قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

جور نار

لا تخرّبوا سور وسقف الوطن… فنحن غدا من سيدفع الثمن!

نشرت

في

محمد الأطرش:

كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.

تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.

سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.

الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.

هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟

أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…

ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟

يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.

أكمل القراءة

صن نار