تابعنا على

جور نار

“الدّابل بايند”تونسيّا… أو تونس بلد الإكراهات المُضاعفة

نشرت

في

يروي لنا عالم النفس والاجتماع الأمريكي بول واتسلافيك هذه القصة الطريفة لتفسير مفهوم “الإكراه المُضاعف أو المزدوج” (double bind  في الانكليزية و double contrainte في الفرنسية) :

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

أمّ تزور ابنها وتُهديه ربطتا عنق، واحدة زرقاء وأخرى حمراء. أثناء الزيارة الموالية، استقبلها الإبن مبتهجا وفي عنقه الربطة الحمراء، فقالت له والدته : يبدو أن الربطة الزرقاء لم تعجبك ؟ في الزيارة الثالثة اختار الربطة الزرقاء، فقالت له أمه : بطبيعة الحال هذا جليّ، لم تعجبك الربطة الحمراء ؟؟ وفي المرة الرابعة لم يكن بوسع هذا الشاب إلا أن يلبس الربطتين معا لإرضاء أمه التي ردّت مصدومة : “لا أستغرب أن أراك اليوم في مركز شبابي لغير المتوازنين نفسيا يا ولدي”.

فالإكراه المضاعف هو أن يصدر أمران متناقضان ولا يمكن الاستجابة للأول دون الإخلال بالثاني بما يجعل الشخص الذي يتلقّى هذه الأوامر أو التعليمات عاجزا عن الاختيار ويجعله كذلك عُرضة لارتباكات نفسية وذهنية تصل حدّ العزلة والانغلاق. حسب غريغوري بيتسون أول المشتغلين على آليّة “الإكراه المضاعف” في السنوات الخمسين من القرن الماضي، فإن وضع الأطفال على سبيل المثال في وضعيات اتصالية متكررة تؤثثها التعليمات المتناقضة يولّد لديهم بالضرورة سلوكات سكيزوفرينية. يقول بيتسون “إن الشخص المُعرّض للإكراه المزدوج تغمُرُه مشاعر عجز وخوف وحنق دون أن يُتاح للمحيط إمكانية تحويلها.”

السياق التونسي تُربة خصبة جدا لإنبات الإكراهات المضاعفة

اجتماعيّا :

المرأة عندما تعبّر عن تحررها وابتهاجها بالحياة كسائر خلق الله يقع وسمها بالخفّة والتهتّك والتبرّج وحتى بأبشع من ذلك، ولكن عندما تعبّر عن استقامة وصلابة في المواقف توسم بالتحجر والتخلف وجفاف المشاعر وإلغاء كافر بأنوثتها، وفي كل الحالات هي خاسرة ومطالَبة ببذل جهود مضاعفة لإقناع المجتمع بأنها مستقيمة في غير برود ومتحرّرة في غير “مُجون”.

الفتاة عندما تتعرف على شاب وتأخذ لنفسها حيّزا من الوقت للتعرف عليه، قد تتقدّم بها السنّ نسبيّا وتُضيع وقتا ثمينا لأنها لم تُعجّل بزفافها، ولكنها عندما تستعجل الأمر قد تكتشف أبعادا لا يمكنها معها الاستمرار في العلاقة. بمعنى ان التجربة مهمة في ضمان ديمومة العلاقة لكنها مُكلفة اجتماعيا خاصة عندما تبوء بالفشل، ولكن انعدام التجربة يورط الفتاة بصورة خاصة (أكثر من الشباب الذكور) في علاقة ثنائية خاسرة بالنظر إلى مزاج الآخر واشتراطاته وعُقده وعلاقته بأمه ونظرته نحو المرأة عموما…

مدرسيّا :

يُطلب من المربين أن يكونوا مُجدّدين ومُبدعين ومُبادرين ولكن قد تقع مساءلتهم لكونهم اجتهدوا أكثر من اللازم، ولكن عندما يتقيّدون بما يُطلب منهم رسميا لا أكثر يوسمون بالجمود والتحجر وتقديس مضمون “الكراسات الصفراء”، ففي كل الحالات هم محجوجون ومغضوب عليهم.

في التوجيه الجامعي، يُقال للتلميذ الناجح في الباكالوريا إنه يتوجّب عليه بألاّ يكتفي بعدد قليل من الاختيارات التي يراها ملائمة أكثر من غيرها لمزاجه وميولاته وطبيعة مؤهلاته لأنه قد لا يتحصل على أي واحد منها ويظل مؤجلا إلى الدورات اللاحقة، ولكنه يتردد كثيرا قبل تعمير اختيارات إضافية (لا يرضاها لنفسه مهما حصل) لأنه قد يُقصى من الأولى ولا يبقى أمامه سوى القبول بالأمر الواقع : وضعية فيها شدّ عصبي وعاطفي كبير جدا متبوع بحيرة مزعجة وألم نفسي لا يوصف.

يُطلب من التلميذ أحيانا أن يكون تلقائيا في سلوكه، فإذا استجاب فذلك يعني أنه خضع (لاتلقائيا) للأمر الذي وُجّه له بما ينزع عن سلوكاته أي طابع تلقائي، أو عندما يُطلب منه أن يقول الحقيقة حول حدث ما بالمؤسسة أو داخل القسم، فلو قالها عُوقب وإن لم يقلها عُوقب أيضا.

في مؤسسات التعليم العالي إلى حدّ وقت غير بعيد، يُطلب من الطالب أن يستحضر شهادة تثبت الإعفاء من الخدمة العسكرية ولكن لكي يُعفى من أداء الواجب العسكري مؤقتا عليه الاستظهار بشهادة ترسيم في التعليم العالي. وهو إشكال سكيزوفريني كان يكفي اتصال هاتفي بسيط بين ديواني الوزارتين لتجاوزه وإعفاء آلاف الطلبة من تبعاته السلبية على أعصابهم ومبيتهم ومعيشهم ودراستهم.

إداريّا :

العسكري الذي يرغب في عدم خوض عمليات حربية محفوفة بالمخاطر، يُطالَب بأن يُقدّم مطلبا مُعلّلا يقول فيه إنه يعاني من اختلالات عقلية كبيرة تصل حدّ عدم القدرة على التمييز بين الصديق والعدوّ، ولكن مجرد التعبير عن القدرة في تكوين هذا الملف هو دليل على كونه يتمتع بملكات عقلية عادية تجعل منه جنديا قادرا تماما على خوض غمار الحرب والتمييز بين جيشه وجيش الأعداء. (كما في الشريط السينمائي Catch22 لمايك نيكولس الذي يروي قصّة الطيّار يوسّاريان خلال الحرب العالمية الثانية محاولا إقناع قيادته بأنه مجنون…دون جدوى).

يُقال للموظف إن عليه أن يجتهد ويُثابر ويُبادر لينال الترقيات التي هو جدير  بها، ولكنه لا ينال شيئا في النهاية لأن الترقيات تُسند بناء على مقاييس أخرى لا علاقة لها بالعمل والجهد… وعند اكتفائه بـــ”عشرة الحاكم” أي المجهود الأدنى، يُنظر إليه بنوع من الازدراء وعدم الاعتبار لأنه لا يضيف شيئا ولا يساهم في تطوير المرفق الذي يعمل صلبه. ففي كل الحالات هو مقهور ومقبور ومكسور.  

سياسيّا :

تعترض على سبيل المثال على مسار 25 جويلية المتعثّر والذي لم يقدر إلى حد هذه اللحظة على بناء شيء مرئي يراه التونسيون ويلمسونه، ولكن المساهمة في الإطاحة بهذا المسار يُعيد (أو على الأقل يفسح المجال أمام قوى العهد السابق) المشهد القديم الذي سئمه الناس في ظل اكتوائهم بويلاته وعبثه وجرائمه… ففي كلا الحالتين، نظل واضعين أيدينا على قلوبنا خشية عودتهم من ناحية وخوفا من مآلات حزينة لا نتوقّعها ولا نطمئن كثيرا لعدم وقوعها. هذا لوحده “حالة مدرسية” جديرة بأن تُدرّس لدى ورثة “مدرسة بالو ألتو بكاليفورنيا” كتيّار فكري اشتغل كثيرا على “الإكراه المُضاعف” في سياق نظريات الاتصال والعلاقات بين الأفراد والاضطرابات النفسية.

النظام السياسي “في سياق ديمقراطي” لا يمكن أن يقمع الناس بشكل فجّ، ولا يمكن أن يسمح بالتحركات الاجتماعية ويطلق لها العِنان في نفس الوقت لأنها مشروعة ويعرف جيدا أنها مشروعة، ففي الحالتين، هو نظام مهزوم في عيون الناس لأنه أكثر عجزا من أن يمارس قمعا سافرا وأوهن من أن يجترح حلولا وتصورات وسياسات تنهض بمعيش العِباد ومكانة البلاد. 

في سياقات مثل التي نحن فيها اليوم، تحمّل مسؤوليات عليا في مؤسسات الدولة قد يجعلك تساهم بشكل ما في تطوير بعض الجوانب الحيوية في حياة الناس، ولكن مثل هذه المهام قد تؤدي بك إلى مهالك لا تتوقّعها لمجرد إمضاء وثيقة إدارية لا تعلم ما الذي تُخفيه أو لمجرّد الاشتباه في “كونك جنيت فوائد لنفسك…”، فيفرّ الجميع وتنكمش الكفاءات الحقيقية ولا يبقى سوى الليّنين والطيّعين والآكلين على جميع الموائد والنائمين على كل الوسائد.

وأخيرا ريفيّا :

لا يمكنني أن أُنهي هذه الورقة التي حاولَتْ التعريف بالدّابل بايند بدون استحضار تلك الطّرفة الريفية الرائجة في دواخلنا التونسية والتي تقول إن جمعا من المزارعين أمسكوا يوما بذئب جائع يترصّد قطيعا من الأغنام، فوضعوه أمام اختبار مفخّخ وتعجيزي… وهو الحيوان الذكي الذي يتصف بدهاء ومكر خرافيين : قالوا له، أنظر جيدا إلى السماء وقيّم لنا مدى اكتناز الغيوم بالأمطار، فلو أمطرت قتلناك ولو أمسكَتْ قضينا عليك (بتصرف) ! فكّر الذئب مليّا وأجاب “والله مضيرطة” ! أيْ لاهي سماء واعدة ولاهي مُمسكة.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار