ما زالت مرحلة التعاضد في الستينات ملفا مغلقا و لغزا مفنوحا رغم مرور أكثر من نصف قرن عليها … و ما تمّ تداوله خلال كل هذه المدة، لم يزد على ترديد النسخة الرسمية التي خرجت أيام محاكمة بن صالح … تجربة فاشلة، افتكاك أملاك، سوء تصرف، مغالطة للزعيم، خيانة عظمى … و أُقفل المحضر بتاريخه و ساعته …
<strong>عبد القادر المقري<strong>
هكذا نحن مع كل قضايانا و تحقيقاتنا و تجاربنا و عموم تاريخنا الحديث … بـ “كام كلمة فاضية، و كام اصطلاح” (بتعبير نجم) نختصر الحكم على مرحلة بكاملها، و نسلخها من دفترنا الوطني، بل نسلخ جلد هذه البلاد التي لا تدرس و لا تتعلّم … و لو تنظر إلى الكتب التي كُتبت عن فترة “المائة يوم” التي عاد خلالها نابليون إلى الحكم بعد هزيمته الأولى و خلعه و نفيه … لو تنظر إلى الكتب التي صدرت، و البحوث التاريخية، و الأعمال الأدبية و الدرامية، و عشرات التفاصيل و الخفايا الزوايا و وجهات النظر، عن فترة لا تزيد عن الثلاثة أشهر من تاريخ فرنسا … و تقارن ذلك بما نكتفي به نحن من جملتين جازمتين لتغطية أحداث جُلّى، و فترات بالسنوات و حتى بالعقود و القرون … تقف أمام هذا مدهوشا محبَطا، و تقول ما أرخصنا و ما أرخص تاريخنا و حياتنا كلّها !
دعنا من تعميمات الخطاب الرسمي و هات نتكلم عمّا شاهدناه بأعيننا أثناء تلك الفترة …
ريفنا الذي وقع تأميم أراضيه و إخراج المعمّرين منه، لم يبك طويلا على ذهاب هؤلاء … فقد تولّته إدارة تونسية شابّة متحمّسة، و استمرّت عملية التحديث فيه و توسّعت …. الآلات الزراعية العصرية تكاثرت و انتشرت و انتشر معها مستخدموها و تقنيوها سواء من الفلاحين أو من أبنائهم خرّيجي ما كان يسمّى بالتعليم الفلاحي … الأكواخ التي كانت تغطي قرانا و مرابعنا الخضر بسحابة من البؤس و التخلّف، عوّضتها شيئا فشيئا مساكن لائقة و أحياء بتمامها … هناك ما أنجزه مشروع “الشباب الريفي” و هناك ما أنشأته شركة “سنيت” التي تأسست في ذلك العهد … و مع المنازل المدارس و المستوصفات و مراكز الأم و الطفل، و أصبحت الولادة بالمستشفى هي القاعدة، و كذلك حملات تطعيم الصغار و الكبار ضد الأوبئة الكبرى …
المائدة التونسية ـ مدينة و ريفا ـ تعززت بمواد كانت من قبل حكرا على الأثرياء أو تقدم في ظروف لا يمكن أن يقال عنها صحية … الحليب و مشتقاته مثلا، وقعت آنذاك دمقرطتها بفضل شركة “ستيل” المحدثة وقتها بتعليبها المثلث الشهير ذي النصف لتر، و الزبدة في كسائها الفضي المستطيل … كذلك اللحوم، و البيضاء خاصة، في سياسة اكتفاء ذاتي و تشجيع للاستثمار الوطني استفاد منه باعثون شبان زمنها … و منهم الزوجان مؤسسا شركة “بولينا” الخاصة و التي أصبحت ما أصبحت بعد ذلك … و في هذا تكذيب لمن يزعم بأن الستينات قمعت القطاع الخاص، و الحال أنه وقعت تنميته جنبا إلى جنب مع قطاعيْنا الاقتصاديين الآخريْن: العمومي و التعاضدي …
مع المائدة، نتجول قليلا في البيت التونسي الذي بنته الشركة العقارية للبلاد التونسية (“سنيت”) … الباب المعدني و قضبان النوافذ من صنع شركة “الفولاذ” العمومية … المقابض و الحنفيات من إنتاج “المعامل الآلية بالساحل” … بوتاغاز المطبخ من صنع شركة “سوتاسير” بمنزل بورقيبة، و بدأت الأسر التونسية في استعمال هذا المرفق الذي احتلّ تدريجيا مكان الحطب و الكانون و بابور النفط … كما تم تأسيس التلفزة التونسية في تلك الفترة و استطاع مواطنونا تدريجيا رؤية نجوم الإذاعة و الفن و السياسة و الكرة على شاشات أجهزة من صنع شركة “الأثير” التونسية … نفس الكلام يقال عن ثلاجة “الرفاهة” التي بدأت تغزو دكاكين العطّارة قبل اقتحام البيوت … الكتب المدرسية كانت من طباعة “الشركة التونسية للتوزيع”، و اسطوانة الغناء من “شركة النغم”، و الكتاب الثقافي من “الدار التونسية للنشر” … و نقل كل هذا و غيره بين المصانع المنتجة و أسواقنا الداخلية كان يتم عبر شاحنات الشركة التونسية لنقل البضائع (اس تي ام) … التي كانت تتحرك ببنزين مصنوع في مصافي “ستير” على ميناء بنزرت !
نعود دقيقة للثقافة … مسرح الستينات كان هو الأخصب على كامل فتراتنا، ففيه حلّقت فرقة مدينة تونس عاليا و بعيدا مع علي بن عياد، و بدأنا في تأسيس الفرق الجهوية القارة مع فرقة الكاف و منصف السويسي … في تلك الفترة تأسس أيضا مهرجان قرطاج و مهرجان الحمامات مع مركز ثقافي دولي … و وُلدت أيام قرطاج السينمائية، و معها شركة “ساتباك” و أفلام عمر الخليفي الرائدة، و كان عدد قاعات السينما يزيد عن المائة وفق شهادة لأستاذي المخرج و الناقد فريد بوغدير … كذلك ازدهرت المكتبات العمومية و المتجولة و مكتبات المعاهد الثانوية التي ما زلت أحتفظ ببعض ما سرقته منها !
و أهمّ من هذا … و على عكس ما يقال اليوم، كان التونسي متفائلا مأمونا على غده و مستقبل أولاده … تعليم الستينات كان مجانيا بحق و إجباريا، كذلك الصحة التي يتبجّح البعض بمكاسبها اليوم بعد أن يعزلها عن سياقها التاريخي و “الرجال و النساء” الذين كانوا وراءها لا رجل أوحد … و مع الإثنين المرأة، نعم المرأة … تونيسية الستينات كانت لا تختلف كثيرا عن نظيرتها الأوروبية، تعليما و أناقة و تفكيرا… و كانت لدينا قائدات رائدات، من السيدة علياء، إلى راضية الحداد، إلى الشاعرة زبيدة بشير، إلى منى نور الدين و نعمة و علية و وحيدة بالحاج و درة محفوظ …
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.