تابعنا على

جور نار

العدد المدرسي هو الذي يتولّى… حَجْب الأبعاد الثمينة في شخصية التلميذ !

نشرت

في

دُعيتُ إلى الإذاعة الوطنية في المدّة الأخيرة للحديث بخصوص اللّغط الحاصل حول مسألة حجب الأعداد من قِبل المدرّسين وتأثير ذلك على معنويّات التلاميذ وأوليائهم، فدار حوار طريف بيني وبين قيدوم الإذاعيين عزالدين بن محمود تناول وضع المدرسة التونسية في ظل الصراع الدائرة رحاه بين النقابات ووزارة التربية ومسائل التقييم وقيمة العدد في المسار التكويني للتلميذ بصفة خاصة، حوار اخترت أن أنقله إليكم مطوّرا طيّ هذه الورقة لعلّ فيه بعض ما ينفع الناس.

سبعٌ من الأفكار الكبرى أثّثت ذلك اللقاء :

منصف الخميري Moncef Khemiri
<strong>منصف الخميري<strong>

أولا :

انطلقنا بدايةً من اعتبار الحديث عن فترة الامتحانات التي تُطلِق عليها وزارة التربية اسم “الأسبوع المغلق” semaine bloquée مُوحيًا بجملة من المعاني السلبيّة المُثبّتة لفكرة “التعطّل” و”الانغلاق” و”الإقفال” و”الانسداد”، الشيء الذي يزيد حتما من إرباك التلاميذ وتسليط ضغط لا يُحتمل على أولياءِ أمورهم ويغرس لديهم فكرة أن كامل مصيرهم يتحدّد بشكل نهائي وحاسم خلال هذه الفترة الأشبه بفترة الحجْر الدراسي، تُستبدل فيها الكمّامات بالغمامات (تلك التي تستعمل لتغطية عيون الخيول للتقليل من الانحرافات البصريّة يمينا وشمالا)، ويُفرض خلالها التباعد الجسدي المُطبق بين الأقران درءًا لجميع أشكال الغشّ والفلَتان. فكان من الأجدى أن نُسمّيها “أسبوعا مفتوحا للتقييم” أو “فترة التمارين المُحتسبة” أو استبدالها أصلا بصيغ مرنة من التقييم التكويني المستمر يتخلّل المسار الدراسي دون ضغط أو إكراه.

ثانيا :

ليس هنالك ما هو أكثر نسبيّة من العدد، وأدوات القيس الكمّي المستخدمة من قِبل المدرّسين غير علمية وغير دقيقة بالمرّة تغلب عليها المزاجية أحيانا لأن مردود التلميذ متغيّر من لحظة إلى أخرى ومن مادّة إلى مادة، والعدد الذي يُسنده المدرّس يظل ذاتيّا يرتبط بتقدير حينيّ ومزاج شخصيّ حتى في أكثر المواد المحسوبة على العلوم الصحيحة مثل الرياضيات والبيولوجيا بشهادة عديد التجارب البيداغوجية في العالم.

رَوَيْتُ يومها إذاعيا قصّة طريفة حصلت معي عندما كنت مُدرّسا (أو هكذا أدّعي) لمّا طلبتُ من تلاميذي أن يقيّموا أدائي معهم داخل الفصل بإسنادي عددا من صفر إلى عشرين كما يفعل المدرّسون، فهناك من أعطاني 18 ولكن هناك من أسند لي 5 من عشرين. وسألتهم بعد ذلك، ما العمل في مثل هذه الوضعية وكيف أقيّم نفسي ؟ هل أعتمِدُ العدد 18 في تقييم حقيقة أدائي، فأنتفخ وأزهو بنفسي وأتشامخ … أم أعتمد العدد 5 فأقنط وأيأس وأُصاب بالإحباط، وبالنتيجة أنكّد عليكم حياتكم وأنغّص أيامكم ولياليكم؟ وهل أن طريقة احتساب “قيمتى المهنية” تتلخص في البحث عن معدّل حسابي بين العدد الأول والعدد الثاني (أي “18 + 5” / 2 = 11 ونصف) ؟ متوصّلين في الأخير إلى أن القيمة الحقيقية والثابتة لا هي 18 ولا هي 5 ولا هي المعدل بينهما، بل هي قيمة أخرى متحوّلة يستحيل المسك بها ولا يدركها إلا صاحبها كلما اشتغل بحدّة وقساوة على نفسه وحقيقة مؤهلاته ووجد سندا متبصّرا يساعده على ذلك.

ثالثا :

اختزال التكوين المعرفي في العدد المتحصّل عليه في نهاية كل فترة حجر مدرسي هو عملية خصي ممنهج للطاقات التلمذية، والقول بأن الأعداد لا قيمة لها هو أمر مضلّل وخطير كذلك. فإسناد الملاحظات التقييمية لا مفرّ منه لأنها بنّاءة بمعنى كونها تشكل مؤشّرات هامة يمكن البناء عليها، أي الاستئناس بها من أجل إدراك الهِنات وتلافيها ورصد النقائص وتحاشيها وذلك مهما كانت طبيعة الشبكة المعتمدة في التقييم (والتي قد تتجلى في شكل أعداد أو علامات أو ملاحظات أو درجات ملوّنة…). هذا بالإضافة إلى أن العدد الوحيد الذي له قيمة في واقعنا التربوية التونسي هو عدد الباكالوريا لكونه خاضعا لمقاييس إصلاح وطنية تُشرف على تحديدها لجان علمية مختصة من ناحية، وتُسند الأعداد على أوراق امتحان غير معلومة الأسماء من ناحية ثانية… وتُعتمد كمؤشرات كمية يتناظر بموجبها الناجحون على بقاع محدودة في الجامعة بعد الباكالوريا من ناحية ثالثة. ما عدا ذلك، يظل العدد ذا دلالة نسبية لا قيمة حقيقية له خارج سياق منطق تعزيز الدافعيّة والدّعم والعلاج التربويين.

رابعا :

العدد ظرفي ولا يعتبر درجة نضج الطفل ولا يعكس حقيقة اهتماماته أو نمط تعلّمه، وهي أبعاد أهم بكثير من مستوى العدد في حدّ ذاته لأنّه دالّ فقط على حفظ أو استيعاب محتوى معرفي محدد في لحظة محدّدة، وليس وفيّا بالمرة في أحيان كثيرة لطبيعة الجهد المبذول والحماسة الداخلية القوية التي تحدو أي تلميذ، في أن يتحصل على عدد يُناسب طموحه وتوْقه إلى الخروج من مربّع الفشل والإخفاق الذي تريده المدرسة مربّعا طبيعيا، مثله مثل مربّع النجاح والنبوغ… والحال أنه باستطاعة المدرسة أن تكون مربّعا شاسعا يتّسع لكل التلاميذ كلّ في مَلَكة أو مهارة أو اقتدار أو براعة مَا.

خامسا :

لقد حان الوقت لجعل الأعداد – والتي غالبا ما تكون ذاتية وظرفية ونسبية وغير دقيقة كما أسلفنا- تستأنس بمُعطى آخر لا يقلّ أهمية لأنه يُكمّل ما يُخفيه العدد ويحجبه، وهو الملف المهاري الذي من المفروض أن يرافق التلميذ من سنواته الدراسية الأولى إلى غاية الباكالوريا لاعتماده في التوجيه الجامعي. وما تخصيص عدد من البقاع في جامعتنا التونسية في شعب الإبداع الفني بصورة عامة وبعض المسالك الأخرى بناءً على ملفات (وليس مجموع نقاط) تضمّ أمثلة ونماذج ممّا أنتجه التلميذ في مجالات غير مألوفة تربويا لفائدة ما يُصطلح عليه بأصحاب المواهب، إلا دليل على أهمية هذه الأداة التقييمية الاستثنائية التي تعطي قيمة لأبعاد أخرى في شخصية التلميذ ومسيرته واهتماماته، لكنها ذات شأن في نحت مستقبله الدراسي والمهني والحياتي بصورة عامة.

سادسا :

الخلط بين العدد المتحصّل عليه وقيمة التلميذ “السياديّة غير القابلة للمفاوضة” أمر خطير ومُشلّ للعزائم، خاصة عندما يُستعمل هذا العدد لأغراض انتقائية واصطفائية تُعلي من شأن البعض وتُحيل على هامش الدورة التربوية البعض الآخر. فالتلميذ المتحصّل على علامة سيّئة في الرياضيات قد يتحصّل على أعداد مرموقة في اللغات أو الفنون أو الأنشطة التي تتطلّب مُطاوعة بدنية أو براعة يدوية، والتلميذ الحاصل على عدد أقل من المعدّلات المطلوبة ليس بالضرورة أقل ذكاءً أو أدنى مهارة من الآخرين، كما أن العدد الجيّد لا يعني دائما أن الطفل تعلّم حقيقة شيئا مهمّا أو اكتسب مهارة ستؤهله مستقبلا لتحمّل أعباء طرقات المعارف السيّارة ومواجهة السّيول المهارية الجرّارة.

سابعا وأخيرا : مُجازاة “الفاشلين” مُثمرة أكثر من مُجازاة النجباء

من الأجدر – كما يحدث في بعض البلدان-  التأكيد على جعل مجالس الأقسام في نهاية كل فترة دراسية ثلاثية كانت أو سداسيّة، محطة تقييمية حقيقية يتم خلالها التوقّف الجدّي عند نسق سير التعلّمات وجودتها مادّة بمادّة وتلميذ بتلميذ، والخوض العملي في إجراءات التدارك ومعالجة التصدّعات في تكوين الناشئة لا مجرّد تلاوة عَجْلَى للمعدلات وتوزيع الملاحظات الكسولة المتراوحة بين حسن جدا ومستوى هزيل لا يعمل…

وفي هذا السياق، يحدث في بعض البلدان أن يتمّ تحديد قائمات بكل التلاميذ المتحصلين على معدّلات متدنّية في نهاية الثلاثي، ثم تقع دعوتهم لحصص تحفيزية يشرف عليها المدرّسون ويتمّ رصد جوائز مُجزية جدا يقع إعلامهم بها سلفا لو بذلوا ما يكفي من الجهد يجعلهم يتجاوزون المعدّل المطلوب، وكثيرا ما تُعطي هذه التجربة أُكلَها مع عدد لا بأس به من التلاميذ.

أكمل القراءة
تعليق واحد

تعليق واحد

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار