لم أجد أفضل من الشاعر والرئيس السينيغالي سنغور من بين كلّ الذين كتبوا عن علاقة الأفارقة أو بعض العرب باللغة الفرنسية والثقافة الفرنسية وخاصة من بين السياسيين والكتّاب والمُبدعين بصورة عامة. كان يقول “نحن السياسيين والأدباء الأفارقة نشعر بنفس درجة الحرية في اللغة الفرنسية كما في لغاتنا الأم تماما… لأن الحرية تُقاس بمدى قوّة الأداة التي نستعملها وتقاس أيضا بدرجة العمق الذي يكون عليه خطابنا وإبداعاتنا”.
منصف الخميري
ومن المُفارقات في مسيرة ليوبولد سنغور السياسية والثقافية عموما أنه عندما أنتُخب عضوا في الأكاديمية الفرنسية (سنة 1983 في الكرسي السادس عشر/40) مثله مثل كبار اللغة الفرنسية وفرسانها كمونتسكيو ودوما وكليمنسو ويورسنار وآسيا جبّار ولامارتين ودورميسّون وراسين وهوغو وكورناي وسيمون فايل… قُوبل بشيء من الاستهزاء في بعض الأوساط الشبابية السينيغالية التي اعتبرته “طوبابا” أبيض مُلوّنا بالأسود وفي أحيان أخرى طوبابا أسود ملوّنا بالأبيض. لكنّه بصورة عامة عرف ـ مثله مثل المرحوم الحبيب بورقيبة الذي ساهم هو الآخر بشكل نشيط في بعث تيّار الفرنكوفونية-ـ كيف ينزع فتيل هذا الصراع الزائف بين اللغة الأم واللغات الأجنبية ويُوظّف إشعاعه ومكانته وحظوته في الدوائر العالمية لخدمة قضيّة بلاده واستقلالها وتطوّرها… إلى جانب دفاعه التاريخي غير المسبوق (هو والكاتب المارتينيكي إيمي سيزار) عن قضية إخوتنا ذوي البشرة السوداء.
أعود مُرغما مرة أخرى إلى مسألة الفرنكوفونية المنعقدة قمّتها هذه الأيام تحت سمائنا نظرا لتفاقم ظاهرة ازدراء هذا المشترك اللغوي والثقافي الذي يجمع عديد شعوب العالم والتي بلغت حدّ السّباب والشتيمة والتخوين واعتبار كل من يبحث عن بعض مواطن “التوظيف الإيجابي” للفرنكوفونية في اقتصادنا وتنميتنا وتعليمنا وثقافتنا… هو بالضرورة من أنصار التبعيّة والاستعمار والانبتات الثقافي والحضاري.
تنتابني رغبة جامحة إزاء كل هذا في تدوين بعض الملاحظات الهادئة التي أضعها على طاولة النقاش السّاخن :
أولا : العربية الأمّ مُرضعة وحاضنة وملجأ ومنبع عطاء لا ينتهي
من لا لغة أمّ له، لا يمكن أن ينفتح على لغات أخرى لأنه لا يكفي أن تُقبِلَ على لغة ما وتلجأ إليها وتطلب ودّها حتى تحتضِنَكَ، لا بدّ مقابل ذلك أن تستشعر رغبة صادقة لديك واستعدادا عفويا لتقبّل لون بشرتها والشذى المنبعث منها وتقلّب مزاجها وقساوتها أحيانا …حتى تُقبِل عليك هي أيضا، كما الجياد الأصيلة لا تلينُ لراكبها إلا إذا كان يُتقن فن الطيران دون أجنحة ويقدر على التعامل معها بما يلزم من الليونة والاحترام والتّوقير.
قد لا نكون ـ نحن أو أبناؤنا ـ من المُجيدين الكبار للغة العربية الفُصحى لأسباب موضوعية تاريخية، منها ما يتصل بسطوة العاميّة في خطابنا اليومي ومنها ما يتعلق بمناهج التدريس وبرامجه وسياسات الدولة في المجال الخ… ولكن لا أعتقد شخصيا أن حضور الفرنسية أو اللغات الأجنبية الأخرى هو السبب في جعلنا نواجه كل هذه الصعوبات في تعاطي العربية نطقا وكتابة وتوظيفا بحثيا ودراسيا في شتى المجالات. يبدو لك أحيانا أمام طريقة تدريس العربية لأبنائنا وتفاعل هؤلاء مع ما يُقدّم لهم من دروس ومضامين أنك إزاء تعلّم لغة أجنبية صارمة… نظرا للضيق المتزايد والمتعاظم في إيجاد السياقات اليومية التي نستعمل فيها قواعد اللغة العربية وأحكامها. فلا أعرف مجالا واقعيا يوميا واحدا نضطر فيه لاستعمال العدد والمعدود و”المسائل النحوية في كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح” والحروف العاملة والحروف المهملة… بحيث يُفرض علينا اليوم تبسيط اللغة العربية في مناهجنا وربطها بسياقات العصر ومقتضياته والعمل على إضفاء كل الأبعاد اللعبيّة عليها وجعلها مفضّلة لدى الأطفال وتنظيم التظاهرات الكبرى (كما حدث مؤخرا في البطولة الوطنية للمطالعة بالقاعة المغطاة برادس) التي تُحفّز على القراءة وإعادة بناء الجسور مع لغة أمّ أصبحت مهدّدة في كيانها. فالعربية ليست أقلّ شأنا ولا أقل جدارة بالبقاء والتطور من اللغات الصينيّة أو اليابانية أو الهندية التي يتكلّمها أهلها بشكل طبيعي وخلاّق دون ترذيل أو ذوبان في اللغات الاجنبية وأيضا دون ازدراء أو تحقير للّغات الأخرى.
ثانيا : اللغة الأجنبية كنّة وليست ضرّة
نكتة قبل البدء :“الفرنسيون يُفاخرون بأنهم يتعاطون اللغة الفرنسية بشكل جيّد…لأنهم لا يتكلمون أية لغة أجنبية !“
لديّ تقدير بأن اللغات الأجنبية بنات جميلات تزوّجهنّ أبناؤنا (أو شبّانا على درجة من الوسامة تزوّجتهم بناتنا) فأنجبن أو أنجبوا وِلدانًا باهرين هم اليوم بمثابة انفتاح شبابنا على ثقافات العالم وقدرتهم الفائقة على اقتحام سوق العمل العالمية لا فقط بفضل مهاراتهم العلمية والتكنولوجية بل وأيضا بفضل إتقانهم للّغات الأجنبية وتكلّمها بطلاقة.
صادف مرّة أن تمّ تقديم مهندسة تونسية في إحدى الشركات السويديّة على أنها كفأة في مجالها وتحذق اللغتين الفرنسية والانكليزية… فأجاب مسؤول الانتدابات السويدي بذلك المجمع المهني بأن صاحب التقديم اقترف حشوا مضاعفا (بمعنى تكرّر معنى لا موجب له pléonasme ) لأن كلمة مهندس تونسي لوحدها تؤدّي المعنى كاملا دون إضافات زائدة !
فاللغات الأجنبية إذن هي فرصة وامتياز… وليست عائقا واغترابا. ولم يتأتّ هذا الرصيد الثمين من القدرة على تعاطي لغات العالم بأسره صدفة بل هو نتيجة مسار تعليمي طويل آمن بخطر الانغلاق وعمل على ترسيخ قيمة حضارية لم تُتَح لغيرنا من الشعوب تمثّلت في إنفاذ شعار عزيز على مدرستنا التونسية عبر كل الحقبات وهو “العمل علىتأصيل الناشئة في لغتها الوطنية مع الانفتاح على لغات العالم“. قليلة جدا هي الشعوب التي تنطق لغات أخرى إلى جانب لغاتها الوطنية كما يفعل الشباب التونسي إزاء الفرنسية أو الانكليزية أو الألمانية… جرّبوا التحدث إلى ألماني في غير الألمانية أو تركيّ في غير التركية أو أمريكي في غير الانكليزية (الأمريكية) ! وبالعودة إلى صورة الأم التي تُزوّج ابنها فيصبح لديها كنّة، فأعتقد أن درجة تعلّقها بهذه الوافدة الجديدة تكون بنفس قدر السعادة التي ستترعرع بين الزوجين.
ثالثا : يٌندّدون بالفرنكوفونية ويسجّلون أبناءهم في أرقى المدارس الأجنبية
يُحزنني كثيرا أن أرى نفس الذين ينادون بمقاطعة الفرنسية بل وإدانتها باعتبارها لغة المستعمر الغاصب (أنظروا دعوة الاتحاد الإسلامي الدولي للمحامين – فرع تونس مؤخرا إلى وقفة احتجاجية للتنديد بانعقاد القمة الفرنكوفونية في جربة باعتباره “تبعية واستعمارا”) هم أنفسهم من يُسارعون إلى تسجيل أبنائهم وبناتهم بالمدارس الخاصة (حيث يتمّ التركيز على اللغات الأجنبية منذ المستويات الدراسية الأولى) والمؤسسات التربوية الأجنبية بتونس وبالجامعات الفرنسية والبريطانية بعد الباكالوريا… لأنهم يدركون جيدا (في غفلة من شعاراتهم السياسية والإيديولوجية) أن اللغات الأجنبية هي مفاتيح لمعالجة أبواب المستقبل ونوافذ مُطلّة على نفائس الثقافة والأدب والسينما والشعر في القارّات الخمس، وأدوات فاعلة تُلوّن شهائدنا الوطنية وتُقدر أبناءنا لكي يكونوا من مواطني العالم.
وأختم في علاقة بآخر جملة في هذه الورقة بمقولة للكاتب اللبناني أمين معلوف في روايته الرائعة “التائهون” (باللغة الفرنسية) : أنا وُلدتُ في كوكب الأرض ولم أولد في بلد بعينه” … وحتى لا تُخرج هذه الجملة من سياقها الأصلي الذي كُتبت فيه، سأُترجم المقولة بأكملها :
“…أنا وُلدتُ في كوكب الأرض ولم أولد في بلد بعينه. لكن بكل تأكيد، أنا وُلدتُ أيضا في بلد، في مدينة، في طائفة، في عائلة، في قسم ولادة، في سرير… لكن الشيء الوحيد الذي يكتسي أهمية بالنسبة لي كما بالنسبة إلى كل الناس هو أن نكون أتينا إلى العالم. إلى العالم ! الولادة، هي أن تأتي إلى العالم لا أن تأتي إلى هذا البلد أو ذاك، في هذا البيت أو ذاك”.
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟