يشير تقرير اليونسكو العالمي بشأن رصد التعليم الصادر في ديسمبر 2021 و الخاص بالفئة العمرية 25 سنة فما فوق من التونسيين إلى أنّ:
26 % لم يدخلوا المدرسة إطلاقا
29 % لديهم مستوى ابتدائي
<strong>عبير عميش<strong>
16 % لديهم مستوى إعدادي
14 % لديهم مستوى تعليم ثانوي
15 % فقط لهم مستوى جامعي
و هو ما يعني أن:
85 % من السكان النشطين اقتصاديا في تونس لم يدرسوا في الجامعة..
55 % من السكان النشطين اقتصاديا في تونس لهم مستوى ابتدائي أو دون أي مستوى..
71 % من السكان النشطين اقتصاديا في تونس لهم مستوى تعليمي أقل من الثانوي..
عن كل 4 تونسيين وتونسيات، يوجد تونسي أو تونسية لم يدخل أو لم تدخل المدرسة إطلاقا..
تقرير صادم و مخيف يجعلنا نتساءل عن مستقبل هذه البلاد … و عمن سيحملون المشعل عن جيل أو أجيال – رغم أخطائها – آمنت بالعلم و قيمته و حاولت البناء و توطيد أركان هذا الوطن
جيل يطلب منه الرئيس انطلاقا من اليوم الفاتح من جانفي أن يشارك في “حوار وطني” حول مستقبل البلاد.. فبأية آليات و إمكانيات سيستطيع المشاركة ؟؟ و هل في عصر العلم و اكتساح الفضاء و اكتشاف الذّرة و ما دونها، يمكن التعويل على أصحاب المستويات التعليميّة المحدودة في رسم مستقبل البلاد و الأجيال القادمة ؟؟ هل نحن في حاجة إلى استشارات ممططة في الزّمن أم في حاجة إلى قرارات استراتيجيّة تبنيها مجموعة من كفاءات هذه البلاد في المجالات العلميّة و الاقتصاديّة و الثقافيّة و النّفسية و الاجتماعيّة و القانونيّة و الإداريّة و التّعليميّة و غيرها … و تساندها إرادة سياسيّة من أجل التغيير و التطوير مثلما فعل بورقيبة غداة الاستقلال.
اليوم تستهل تونس سنتها الجديدة بما يسميه الرئيس استشارة شعبية و حوارا غير مسبوق لا في التاريخ و لا في الجغرافيا عبر منصة وضعت خصيصا لذلك … و هو ما يدفعنا إلى طرح مجموعة من الملاحظات و الأسئلة التي نرجو أن نجد لها إجابات في قادم الأيام ..
نستهلّ السّنة باستشارة لم يقع الترويج لها إعلاميّا و التداول في محاورها أو توضيح تفاصيلها للمواطنين … فكيف سيكون الإقبال عليها و التفاعل معها ؟
أوّل ملاحظة أشار إليها المختصون في الإعلاميّة هي أنّ هذا الاستفتاء الالكتروني يفتقر إلى الطابع التفاعلي و هو ليس سوى استبيان على شاكلة الأسئلة المتعددة الخيارات QCM في ستّة محاور كبرى و بخمسة أسئلة لكلّ محور مع مساحة للتعبير الحرّ
فمن صاغ هذه الأسئلة و كيف تم توجيهها ؟
مَن اللجنة أو اللجان المكلفة بالتجميع و التّأليف بين الإجابات؟ و كيف ستؤلف بين المتضادات؟؟ و لنأخذ مثالا بعيدا عن الجانب السياسي … في مجال التعليم كيف سيوفق أفراد اللجنة بين آراء من يريدون الدراسة يوما كاملا و أسبوعا من خمسة أيام مثلا، و بين من يفضلون أسبوعا بستّة أيام مع ساعات أقل يوميّا ؟؟
هل يمكن لكلّ الشعب أن يشارك في هذه الاستشارة و نحن نعلم حالة الأمّية التي عليها مجموعة كبيرة من أفراده و خاصّة الأمية الالكترونيّة … و نعلم كذلك خاصيات البنية التحتيّة و وضع الانترنت في بعض الجهات المهمّشة حيث يجد عديد التلاميذ صعوبات في بداية السنة الدراسية في التسجيل الالكتروني ؟
لمن ستكون الرّقابة على هذه المنصّة و كيف نضمن عدم تزوير النتائج و المعطيات ؟ بل كيف نضمن عدم تعرّضها للقرصنة أو لعمليّة اجتياح الكتروني يجعلها تخسر معطياتها ؟ و لنا في ما تعرّضت له منصة e-vax منذ أيام خير مثال ؟
و بعضنا يتذكّر فضيحة فايسبوك و شركة كامبريدج أناليتيكا التي جمعت “بيانات شخصية” حولَ ملايين الأشخاص ( 87 مليون تقريبا ) على موقع فيسبوك من دون موافقتهم قبل أن تستخدمها لأغراض “الدعاية السياسية” لأحد المرشحين …
فما الذي يمنع من تكرار نفس الأمر و استغلال كلّ المعطيات و الخيارات التي سيقع تجميعها في موقع واحد ، و تبويبها و تقسيمها بحسب الجهة و الجنس و الشريحة العمريّة، للدعاية السياسية و دغدغة المشاعر و كسب الأنصار ؟؟
ثمّ أ لا يمكن في مرحلة لاحقة محاسبة المشاركين على مواقفهم و آرائهم خاصّة أنّ الرّقم السرّي لا يبدو سرّيا تماما بما أنّه سيبقى مخزنا بذاكرة حواسيب المنصة لمدة أشهر و يمكن مطابقته مع رقم بطاقة التعريف في كلّ وقت؟ هذا دون أن ننسى أنّه يمكن لأيّ شخص يملك رقم بطاقة تعريف شخص آخر أن يستعمل رقم هاتف ثانيا فيحصل على رقم سرّي للمشاركة في الاستفتاء بدلا منه و دون علمه … و لا يقتصر الأمر على الأشخاص فحسب، بل يمكن لأية جهة لديها قاعدة معلومات فيها آلاف بطاقات التعريف الوطنيّة أن تصوّت بدلا عن أصحابها ؟
ما دور الأحزاب و الإعلام و منظمات المجتمع المدني في استفتاء كهذا ؟
هل سيقبل المواطنون على هذا الاستفتاء الالكتروني و هل ستكون لهم الثقة في نتائجه و مآلاته، أم أنّهم سيعتبرونه نوعا من المخاتلة و التّمويه و طريقة من طرق إضفاء المشروعيّة على مشروع الرئيس و خياراته المعروفة سلفا …؟
هذه بعض من أسئلة لم نرد أن نستهل بها السّنة و لكنّ الرّاهن و موعد الفاتح من جانفي اقتضيا منّا ذلك.
سنة طيّبة نرجوها للجميع و علّها تكون سنة خير على تونس و التونسيين و تكون بداية عهد من الاستقرار و الرّخاء الوطني …