شاهدت كما شاهد أكثر من مليار مشاهد فيديو تلك القطة التي شاكست الإمام الشيخ الجزائري وليد مهساس وهو يؤم المصلين وصفقت لتصرفه الانيق والإنساني مع القطة…وصفقت كثيرا للقطّة لأني من أصدقاء القطط وأحتفظ بالبعض منها في منزلي …
محمد الأطرش
مساء الأمس وأنا أستعد للنوم طرقت قطتي شباكي قبل موعدها وهي المتعوّدة بطرقه كل ليلة لتنام قريبا منّي، فتحت الشباك لأجد قطتي في وضع لا يبشّر بخير وكأني بها عائدة من معركة دامية…عدت إلى مشاكسة النوم طمعا في كسب أكثر ما يمكن منالوقت قبل حلول موعد السحور…استسلمت للنوم وأنا أنظر لقطتي وكأني بها تريد أن تقول شيئا…
فجأة وأنا أغرق واسبح في نوم عميق استمعت إلى حشرجة صغيرة ثم صوت يرتفع بجانبي ليقول لي: سيدي سيدي هل تسمعني…؟ ودون أن أفكّر في الأمر أجبت: من أنت من معي وماذا تريد؟ قال الصوت الآتي من يميني: أنا قطتك أنا “عشيرتك”…قلت: ومنذ متى تتكلمين لغتنا…لعلك مخطئة فلست النبي سليمان يا أختاه؟ أجابت: تعلمتها عنك بالسماع…قلت: وماذا هناك؟ قالت: القطط وأنا منها وعائلاتها في الحي الجنوبي تعاني كثيرا من قائدها الذي انتخبته منذ بعض السنوات، وقد كلفتني بطلب المساعدة منك ومن الأحياء المجاورة…ضحكت وقلت: انتخبته…مساعدة !!! ومنذ متى تنظمون أنتم معشر القطط انتخابات لاختيار قيادتكم؟ قالت باكية: منذ أبد الآبدين ونحن نختار قائدنا بالانتخاب…لكنكم معشر البشر لا تعلمون ولا تهتمون لأمرنا كثيرا…قلت مستغربا: وما الحكاية هات ما عندك؟ قالت: انتخبنا قائدنا لأننا كنت نراه الأجدر فهو نظيف وعادل وحقوقي ولا يعتدي على أي من القطط ويحترم ضعاف الحال وديمقراطي جدااا…قلت: ديمقراطي ؟؟ وهل تعرفون الديمقراطية أيضا؟ قالت: طبعا نعرف الديمقراطية والاستبداد وكل ما تعرفونه أنتم معشر البشر…قلت: ولماذا اخترتموه إذا كان هو بالشكل الذي تحدثت عنه؟ قالت: خدعنا…تحايل علينا…لم نعرف حقيقته كان أمامنا لطيفا …هادئا…يحب الجميع ولا يظلم أحدا…لم يكن فاسدا …فاخترناه…قلت: وما الذي غيّره إذن ليصبح مستبدا؟ قالت: ربما عائلته…ربما زبانيته…ومن هم حوله… ربما الكرسي…قلت: وماذا فعل معكم بالضبط؟ كيف يحكمكم…؟
قالت: لم نكن نعرفه كما هو اليوم وكأنه قطّ آخر وكأنه ليس ذلك الذي انتخبته القطط وعائلاتها…ومن وضعوا فيه ثقتهم…أصبح عنيفا في خطابه…وفي تصرفاته مع الجميع…لا يثق في أي قط أو قطّط من الحي…وهوايته استعداء الجميع حتى بعض الأحياء الأخرى التي تجاور الحي الذي يحكمه…اختار جماعته ومن يهتفون باسمه في كل المناصب الحساسة في حكم الحي…غيّر كل أنظمة حياتنا…وأتى بنظام غريب هجين سيكون سببا في هجرة وهروب كل قطط الحي إلى الأحياء المجاورة…وقد يكون سببا في مجاعة وانهيار كامل لمنظومتنا الغذائية، خاصة بعد استعداء البشر وسكان الحي من خلال ما يأتيه في خطبه من استعداء لهم وتهجم على نظامهم ومنظماتهم…وقد يتسبّب في وضع مأسوي لجميع السكان من القطط…قلت: وماذا يريد مثلا؟ قالت: يتهمنا جميعا بالفساد…وباستغلال النفوذ للبعض منّا…وبإهدار كل ما نحصل عليه من فضلات المنازل…وبعضنا باحتكار الفضلات والاستحواذ على المزابل الغنية بالفضلات الغذائية…ويريد ان يتحكّم في كل مسالك توزيع الأكل الذي نحصل عليه من مزابل سكان الحي…
وقد تأزم الوضع كثيرا في هذا الشهر وأقصد رمضان…وأنت تعلم سيدي أننا لا نصوم لكننا نتأثر كثيرا بهذا الشهر فالفواضل من الاكل تصبح نادرة في العديد من الأحياء الفقيرة، خاصة أننا نعلم بما تعانونه أنتم معشر البشر من غلاء في الأسعار وارتفاعها الجنوني…نحن نتأثر بما تعيشونه من معاناة وارتفاع الأسعار يضرّ بنا أكثر مما يضرّ بكم…ضحكت وقلت: كيف علمتم بارتفاع الأسعار؟ قالت: نستمع معكم إلى ما تستمعون إليه في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي…مثلا نعلم أنه منذ شهر مارس 2022 الى اليوم ارتفعت بعض أسعار المواد الغذائية التي هي ما يهمّنا في الأمر إلى نسب خيالية ومرتفعة جدا لم تعرفها البلاد منذ الاستقلال …قلت: كيف ذلك هات ما عندك؟ قالت: أتعلم أن لحم العلوش ارتفع بنسبة 34% ولحم البقر ارتفع بنسبة 22% ولحم الدجاج ارتفع بنسبة 24% والبيض ارتفع بنسبة %31 والخضر ارتفعت بنسبة 11 % والغلال ارتفعت بنسبة 14 % أما الزيت فقد ارتفع بنسبة 24 % …أتعلمون كل ذلك ام لا تدرون بما تدفعونه؟
قلت مستغربا: وماذا أيضا عن تصرفات قائدكم؟ قالت وهي في حالة احباط غريبة: أتدري أنه يتهم من كانوا يقودون قطط الحي قبله بالفساد وتهريب ما نحصل عليه من مزابلكم إلى الأحياء المجاورة التي يقطنها الكثير من الإناث ويعتبر تلك الفضلات الغذائية ملكا لدولته وجب إعادتها إلى قطط الحي وعائلاتهم…كما أنه تسبّب في ابعاد أكثر القطط دفاعا عن مصالح الإخوة بعد ان منعه من الاجتماع بنا والحديث إلينا والحديث عن الأزمة في كل وسائل إعلامنا القططي في الحي والأحياء المجاورة…قلت ضاحكا: وكأنها أموال منهوبة يا سلام…وكأن لكم إعلام معارض أيضا وفايسبوك وإذاعات …أظنّ أن عندكم أيضا برهان بسيس ورياض جراد والبقية …هل مايا القصوري القطّة جميلة وجذابة كمايا القصوري الإنسانة عندنا؟؟ أتعيشون نفس ما نعيشه؟ وكيف تهرّبون تلك الفضلات هل صحيح ما يتهمكم به قائدكم “الغضنفر”…؟
قالت: لا والله لا…لا فساد ولا هم يحزنون…أقسم لك سيدي…هو فقط يريد ألا يسلم الحكم عند انتهاء عهدته لذلك يحاول من الآن، خاصة أنه لم ينجز شيئا لقطط الحي ولم يكتشف أماكن ومزابل كافية لتحسين أوضاع القطط ولم ينجز شيئا مما وعد به من عدالة غذائية وزبالة للجميع…أقول هو فقط يريد أن يتخلص من خصومه بتأليب كل القطط على من ينوون الترشح للانتخابات القادمة باتهامهم بأبشع التهم…وبتحميلهم مسؤولية تأزم كل الأوضاع الاقتصادية والصحية لقطط الحي…قلت: ألا تخافين اتهامه لك بالتآمر على أمن الحي بعد اتصالك بي اليوم؟ ألا يعتبر هذا اللقاء استقواء بالأجنبي؟ ألا تخافين الأمر؟ قالت: لا، لا عاد يهمني الأمر فأنا أصبحت شبه لاجئة هنا وأبنائي ماتوا جوعا وأنت تعلم جيدا أني لم أطلب أمرا يمسّ من سيادة الحي ولا من قيادة الحي … فنحن معشر القطط في الحي الجنوبي نحترم القيادة ولا نريد المسّ من هيبتها نريد فقط ديمقراطية تحمينا من تغوّل القطّ الحاكم ومن معه وتوفر لنا كل وسائل العيش الكريم…
أتدري أن بعض قططنا من الشباب ماتوا تحت عجلات السيارات وهم يحاولون العبور إلى الحي الشمالي بحثا عن مزابل أغنى بالمواد الغذائية الجيدة تُبعد عنهم وعن أبنائهم شبح الجوع…قلت: وكيف تريدون مني مساعدتكم؟ هل تريدون مني أن اجلب لكم بعض المواد الغذائية لمزابل الحي حتى تقتسموها وتوزعوها على جميع القطط هناك؟ لكن من يضمن لي أن قائدكم سيتغيّر وسيوزع ما سأرسله إليكم بالعدل بين جميع القطط وفئات القطط…وسيقدم على إصلاحات سياسية واقتصادية تخرجكم من الوضع المأسوي الذي تعيشونه؟ قالت: لا شيء يضمن لك ذلك ولا أحد منّا يمكنه ضمان ذلك لكم…خاصة ونحن نعاني مشكلة أخرى: هجرة القطط البريّة من الأحياء الجنوبية إلى مزابل حيّنا لتصبح معاناتنا مضاعفة…كما نعاني من تحجير الحركة والسفر عن الكثير من قططنا المعارضة لسياسات القط الحاكم…ونعاني من التضييقات على إعلامنا القططي الخاص في أنهج الحي، فهذا التصرف لا يليق بنا ولا ينطبق علينا ولا نتمناه لاحد نحن الذي كنّا الاستثناء…فقطط الحي اليوم تعاني الفقر وتشكوه ليلا نهارا، تصرخ كل يوم الجوع والعطش و”البطالة” فلا بحث عن مزابل جديدة ولا تنظّم من أجل اكتشاف موارد غذائية جديدة…
نحن القطط نعيش كابوسا اظلم وسلوكا عجيبا وتصرفات لا يمكن تصورها ممن اجتمعنا حوله واخترناه قطنا الأكبر الحاكم بأمره…فنحن الحي المجروح والموجوع…المحاصر بالجوع والخصاصة والاستبداد وآلام القطط التي لم تكف عن انينها الذي يؤرق مضاجع جميع سكان الحي من القطط وغيرها من الحيوانات الصديقة والشقيقة… قلت: وماذا تنتظرون؟ قالت: لا أحد ينكر أننا نعيش في ظروف كانت هي الأقسى على شعب القطط وخاصة الطبقتين الوسطى والفقيرة وهي الغالبية العظمى في حيّنا الجنوبي، وأن هذا النظام اغلق على القطط وأقصد أغلبية القطط سبل العمل ومنافذ الدخل الغذائي، وساهم في خنق سكان الحي الجنوبي وعزله عن بقية الاحياء مع تراكم اعداد القطط البريّة من المهاجرين من الأحياء الجنوبية نحو الأحياء الشمالية، والذين أتوا على ما تبقى من “زبالة”لا تفي بالحاجة ولا تكفي سكان الحي من القطط…وفي خضم هذه الآلام والمعاناة، والجوع والفقر والعطش، وفي أتون الضرائب التي جاء بها حكم وقانون مالية القط الأكبر الحاكم بأمره وتآكل الرواتب التي نخاف غيابها في قادم الاشهر…والتضخم الكبير الذي صنعه وساهم فيه كل من حكموا قبل القط الأكبر حاكم الحي وسيّده…علما أن للحي نقابات قططية أتت على الأخضر واليابس وتسببت في أكبر نسبة مما وصل إليه الحي وقطط الحي…
وفي ظلّ ندرة الفضلات الغنيّة بالمواد الغذائية الجديدة ومع تزامن الأزمة وشهر رمضان، ووسط احباط شباب القطط من إيجاد حاوية مليئة بالفضلات تكفيهم تعب البحث طويلا عن صيد ثمين، وشعورهم بفقدان الامل وانعدام الثقة في القط الأكبر حاكم الحي وقطط الحي ومن معهم من حيوانات اليفة أخرى كالدجاج الذي لا يحرّك ساكنا ويكتفي بالرقص مع بعض الديكة…في ظلّ كل هذا يخسر الحي كل يوم العديد من خيرة شباب قططه التي تموت تحت عجلات السيارات وهي تعبر للأحياء الشمالية الراقية والمليئة بالحاويات الغذائية الغنية بالأكلات الكاملة…ينتظر القطط من لقائي معكم اليوم تدخلا لدى الحاكم بأمره القطّ الأكبر وإيجاد حل للخروج مما آلت إليه الأوضاع بالحي بتلطيف الأجواء بين الجميع، ويرون في شخصكم النفق الذي يبزغ منه بصيص النور بغض النظر عن طول أو عمق هذا النفق…
“شبيك تخبّش؟؟” هكذا صرخت بعد أن شعرت بوخز وألم في يدي واستفقت من نومي لأجد قطتي وهي تطالبني بفتح الباب وتمكينها من الخروج للتبوّل وفي نفس الوقت لتقول لي حان موعد السحور…نظرت يمينا …ثم يسارا…وحمدت الربّ على أن كل ما عشته كان حلما …وأي حلم…لو كان واقعا لأخذني إلى حيث يقبع المتهمون بالتآمر على أمن البلاد…وقد يتهمونني بارتكاب حلم انقلابي…فخرجت مسرعا لأتناول وجبة السحور وأنا اتمتم…”ما زال كان باش تقلي القطوسة اللي عندهم 25 جويلية وعندهم 14 جانفي…وقريب تقلي اللي عندهم الغنوشي وحمه الهمامي وعندهم شهداء وإرهاب…الله يهلكك يا سخطة عمل لا ورطتيني وأنا اللي نوكل فيك في السردينة كل يوم,,,استغفر الله…استغفر الله…استغفر الله…”…
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟