تابعنا على

جور نار

القطّة والإمام… وقطتي والاستقواء بالأجنبي!

نشرت

في

فيديو لـ "قطة" على كتف الإمام في صلاة التراويح يثير الإعجاب | سكاي نيوز  عربية

شاهدت كما شاهد أكثر من مليار مشاهد فيديو تلك القطة التي شاكست الإمام الشيخ الجزائري وليد مهساس وهو يؤم المصلين وصفقت لتصرفه الانيق والإنساني مع القطة…وصفقت كثيرا للقطّة لأني من أصدقاء القطط وأحتفظ بالبعض منها في منزلي …

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
<strong>محمد الأطرش<strong>

مساء الأمس وأنا أستعد للنوم طرقت قطتي شباكي قبل موعدها وهي المتعوّدة بطرقه كل ليلة لتنام قريبا منّي، فتحت الشباك لأجد قطتي في وضع لا يبشّر بخير وكأني بها عائدة من معركة دامية…عدت إلى مشاكسة النوم طمعا في كسب أكثر ما يمكن من الوقت قبل حلول موعد السحور…استسلمت للنوم وأنا أنظر لقطتي وكأني بها تريد أن تقول شيئا…

فجأة وأنا أغرق واسبح في نوم عميق استمعت إلى حشرجة صغيرة ثم صوت يرتفع بجانبي ليقول لي: سيدي سيدي هل تسمعني…؟ ودون أن أفكّر في الأمر أجبت: من أنت من معي وماذا تريد؟ قال الصوت الآتي من يميني: أنا قطتك أنا “عشيرتك”…قلت: ومنذ متى تتكلمين لغتنا…لعلك مخطئة فلست النبي سليمان يا أختاه؟ أجابت: تعلمتها عنك بالسماع…قلت: وماذا هناك؟ قالت: القطط وأنا منها وعائلاتها في الحي الجنوبي تعاني كثيرا من قائدها الذي انتخبته منذ بعض السنوات، وقد كلفتني بطلب المساعدة منك ومن الأحياء المجاورة…ضحكت وقلت: انتخبته…مساعدة !!! ومنذ متى تنظمون أنتم معشر القطط انتخابات لاختيار قيادتكم؟ قالت باكية: منذ أبد الآبدين ونحن نختار قائدنا بالانتخاب…لكنكم معشر البشر لا تعلمون ولا تهتمون لأمرنا كثيرا…قلت مستغربا: وما الحكاية هات ما عندك؟ قالت: انتخبنا قائدنا لأننا كنت نراه الأجدر فهو نظيف وعادل وحقوقي ولا يعتدي على أي من القطط ويحترم ضعاف الحال وديمقراطي جدااا…قلت: ديمقراطي ؟؟ وهل تعرفون الديمقراطية أيضا؟ قالت: طبعا نعرف الديمقراطية والاستبداد وكل ما تعرفونه أنتم معشر البشر…قلت: ولماذا اخترتموه إذا كان هو بالشكل الذي تحدثت عنه؟ قالت: خدعنا…تحايل علينا…لم نعرف حقيقته كان أمامنا لطيفا …هادئا…يحب الجميع ولا يظلم أحدا…لم يكن فاسدا …فاخترناه…قلت: وما الذي غيّره إذن ليصبح مستبدا؟ قالت: ربما عائلته…ربما زبانيته…ومن هم حوله… ربما الكرسي…قلت: وماذا فعل معكم بالضبط؟ كيف يحكمكم…؟

قالت: لم نكن نعرفه كما هو اليوم وكأنه قطّ آخر وكأنه ليس ذلك الذي انتخبته القطط وعائلاتها…ومن وضعوا فيه ثقتهم…أصبح عنيفا في خطابه…وفي تصرفاته مع الجميع…لا يثق في أي قط أو قطّط من الحي…وهوايته استعداء الجميع حتى بعض الأحياء الأخرى التي تجاور الحي الذي يحكمه…اختار جماعته ومن يهتفون باسمه في كل المناصب الحساسة في حكم الحي…غيّر كل أنظمة حياتنا…وأتى بنظام غريب هجين سيكون سببا في هجرة وهروب كل قطط الحي إلى الأحياء المجاورة…وقد يكون سببا في مجاعة وانهيار كامل لمنظومتنا الغذائية، خاصة بعد استعداء البشر وسكان الحي من خلال ما يأتيه في خطبه من استعداء لهم وتهجم على نظامهم ومنظماتهم…وقد يتسبّب في وضع مأسوي لجميع السكان من القطط…قلت: وماذا يريد مثلا؟ قالت: يتهمنا جميعا بالفساد…وباستغلال النفوذ للبعض منّا…وبإهدار كل ما نحصل عليه من فضلات المنازل…وبعضنا باحتكار الفضلات والاستحواذ على المزابل الغنية بالفضلات الغذائية…ويريد ان يتحكّم في كل مسالك توزيع الأكل الذي نحصل عليه من مزابل سكان الحي…

وقد تأزم الوضع كثيرا في هذا الشهر وأقصد رمضان…وأنت تعلم سيدي أننا لا نصوم لكننا نتأثر كثيرا بهذا الشهر فالفواضل من الاكل تصبح نادرة في العديد من الأحياء الفقيرة، خاصة أننا نعلم بما تعانونه أنتم معشر البشر من غلاء في الأسعار وارتفاعها الجنوني…نحن نتأثر بما تعيشونه من معاناة وارتفاع الأسعار يضرّ بنا أكثر مما يضرّ بكم…ضحكت وقلت: كيف علمتم بارتفاع الأسعار؟ قالت: نستمع معكم إلى ما تستمعون إليه في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي…مثلا نعلم أنه منذ شهر مارس 2022 الى اليوم ارتفعت بعض أسعار المواد الغذائية التي هي ما يهمّنا في الأمر إلى نسب خيالية ومرتفعة جدا لم تعرفها البلاد منذ الاستقلال …قلت: كيف ذلك هات ما عندك؟ قالت: أتعلم أن لحم العلوش ارتفع بنسبة 34% ولحم البقر ارتفع بنسبة 22% ولحم الدجاج ارتفع بنسبة 24% والبيض ارتفع بنسبة %31 والخضر ارتفعت بنسبة 11 % والغلال ارتفعت بنسبة 14 %  أما الزيت فقد ارتفع بنسبة 24 % …أتعلمون كل ذلك ام لا تدرون بما تدفعونه؟

قلت مستغربا: وماذا أيضا عن تصرفات قائدكم؟ قالت وهي في حالة احباط غريبة: أتدري أنه يتهم من كانوا يقودون قطط الحي قبله بالفساد وتهريب ما نحصل عليه من مزابلكم إلى الأحياء المجاورة التي يقطنها الكثير من الإناث ويعتبر تلك الفضلات الغذائية ملكا لدولته وجب إعادتها إلى قطط الحي وعائلاتهم…كما أنه تسبّب في ابعاد أكثر القطط دفاعا عن مصالح الإخوة بعد ان منعه من الاجتماع بنا والحديث إلينا والحديث عن الأزمة في كل وسائل إعلامنا القططي في الحي والأحياء المجاورة…قلت ضاحكا: وكأنها أموال منهوبة يا سلام…وكأن لكم إعلام معارض أيضا وفايسبوك وإذاعات …أظنّ أن عندكم أيضا برهان بسيس ورياض جراد والبقية …هل مايا القصوري القطّة جميلة وجذابة كمايا القصوري الإنسانة عندنا؟؟ أتعيشون نفس ما نعيشه؟ وكيف تهرّبون تلك الفضلات هل صحيح ما يتهمكم به قائدكم “الغضنفر”…؟

قالت: لا والله لا…لا فساد ولا هم يحزنون…أقسم لك سيدي…هو فقط يريد ألا يسلم الحكم عند انتهاء عهدته لذلك يحاول من الآن، خاصة أنه لم ينجز شيئا لقطط الحي ولم يكتشف أماكن ومزابل كافية لتحسين أوضاع القطط ولم ينجز شيئا مما وعد به من عدالة غذائية وزبالة للجميع…أقول هو فقط يريد أن يتخلص من خصومه بتأليب كل القطط على من ينوون الترشح للانتخابات القادمة باتهامهم بأبشع التهم…وبتحميلهم مسؤولية تأزم كل الأوضاع الاقتصادية والصحية لقطط الحي…قلت: ألا تخافين اتهامه لك بالتآمر على أمن الحي بعد اتصالك بي اليوم؟ ألا يعتبر هذا اللقاء استقواء بالأجنبي؟ ألا تخافين الأمر؟ قالت: لا، لا عاد يهمني الأمر فأنا أصبحت شبه لاجئة هنا وأبنائي ماتوا جوعا وأنت تعلم جيدا أني لم أطلب أمرا يمسّ من سيادة الحي ولا من قيادة الحي … فنحن معشر القطط في الحي الجنوبي نحترم القيادة ولا نريد المسّ من هيبتها نريد فقط ديمقراطية تحمينا من تغوّل القطّ الحاكم ومن معه وتوفر لنا كل وسائل العيش الكريم…

أتدري أن بعض قططنا من الشباب ماتوا تحت عجلات السيارات وهم يحاولون العبور إلى الحي الشمالي بحثا عن مزابل أغنى بالمواد الغذائية الجيدة تُبعد عنهم وعن أبنائهم شبح الجوع…قلت: وكيف تريدون مني مساعدتكم؟ هل تريدون مني أن اجلب لكم بعض المواد الغذائية لمزابل الحي حتى تقتسموها وتوزعوها على جميع القطط هناك؟ لكن من يضمن لي أن قائدكم سيتغيّر وسيوزع ما سأرسله إليكم بالعدل بين جميع القطط وفئات القطط…وسيقدم على إصلاحات سياسية واقتصادية تخرجكم من الوضع المأسوي الذي تعيشونه؟ قالت: لا شيء يضمن لك ذلك ولا أحد منّا يمكنه ضمان ذلك لكم…خاصة ونحن نعاني مشكلة أخرى: هجرة القطط البريّة من الأحياء الجنوبية إلى مزابل حيّنا لتصبح معاناتنا مضاعفة…كما نعاني من تحجير الحركة والسفر عن الكثير من قططنا المعارضة لسياسات القط الحاكم…ونعاني من التضييقات على إعلامنا القططي الخاص في أنهج الحي، فهذا التصرف لا يليق بنا ولا ينطبق علينا ولا نتمناه لاحد نحن الذي كنّا الاستثناء…فقطط الحي اليوم تعاني الفقر وتشكوه ليلا نهارا، تصرخ كل يوم الجوع والعطش و”البطالة” فلا بحث عن مزابل جديدة ولا تنظّم من أجل اكتشاف موارد غذائية جديدة…

نحن القطط نعيش كابوسا اظلم وسلوكا عجيبا وتصرفات لا يمكن تصورها ممن اجتمعنا حوله واخترناه قطنا الأكبر الحاكم بأمره…فنحن الحي المجروح والموجوع…المحاصر بالجوع والخصاصة والاستبداد وآلام القطط التي لم تكف عن انينها الذي يؤرق مضاجع جميع سكان الحي من القطط وغيرها من الحيوانات الصديقة والشقيقة… قلت: وماذا تنتظرون؟ قالت: لا أحد ينكر أننا نعيش في ظروف كانت هي الأقسى على شعب القطط وخاصة الطبقتين الوسطى والفقيرة وهي الغالبية العظمى في حيّنا الجنوبي، وأن هذا النظام اغلق على القطط وأقصد أغلبية القطط سبل العمل ومنافذ الدخل الغذائي، وساهم في خنق سكان الحي الجنوبي وعزله عن بقية الاحياء مع تراكم اعداد القطط البريّة من المهاجرين من الأحياء الجنوبية نحو الأحياء الشمالية، والذين أتوا على ما تبقى من “زبالة”لا تفي بالحاجة ولا تكفي سكان الحي من القطط…وفي خضم هذه الآلام والمعاناة، والجوع والفقر والعطش، وفي أتون الضرائب التي جاء بها حكم وقانون مالية القط الأكبر الحاكم بأمره وتآكل الرواتب التي نخاف غيابها في قادم الاشهر…والتضخم الكبير الذي صنعه وساهم فيه كل من حكموا قبل القط الأكبر حاكم الحي وسيّده…علما أن للحي نقابات قططية أتت على الأخضر واليابس وتسببت في أكبر نسبة مما وصل إليه الحي وقطط الحي…

وفي ظلّ ندرة الفضلات الغنيّة بالمواد الغذائية الجديدة ومع تزامن الأزمة وشهر رمضان، ووسط احباط شباب القطط من إيجاد حاوية مليئة بالفضلات تكفيهم تعب البحث طويلا عن صيد ثمين، وشعورهم بفقدان الامل وانعدام الثقة في القط الأكبر حاكم الحي وقطط الحي ومن معهم من حيوانات اليفة أخرى كالدجاج الذي لا يحرّك ساكنا ويكتفي بالرقص مع بعض الديكة…في ظلّ كل هذا يخسر الحي كل يوم العديد من خيرة شباب قططه التي تموت تحت عجلات السيارات وهي تعبر للأحياء الشمالية الراقية والمليئة بالحاويات الغذائية الغنية بالأكلات الكاملة…ينتظر القطط من لقائي معكم اليوم تدخلا لدى الحاكم بأمره القطّ الأكبر وإيجاد حل للخروج مما آلت إليه الأوضاع بالحي بتلطيف الأجواء بين الجميع، ويرون في شخصكم النفق الذي يبزغ منه بصيص النور بغض النظر عن طول أو عمق هذا النفق…

“شبيك تخبّش؟؟” هكذا صرخت بعد أن شعرت بوخز وألم في يدي واستفقت من نومي لأجد قطتي وهي تطالبني بفتح الباب وتمكينها من الخروج للتبوّل وفي نفس الوقت لتقول لي حان موعد السحور…نظرت يمينا …ثم يسارا…وحمدت الربّ على أن كل ما عشته كان حلما …وأي حلم…لو كان واقعا لأخذني إلى حيث يقبع المتهمون بالتآمر على أمن البلاد…وقد يتهمونني بارتكاب حلم انقلابي…فخرجت مسرعا لأتناول وجبة السحور وأنا اتمتم…”ما زال كان باش تقلي القطوسة اللي عندهم 25 جويلية وعندهم 14 جانفي…وقريب تقلي اللي عندهم الغنوشي وحمه الهمامي وعندهم شهداء وإرهاب…الله يهلكك يا سخطة عمل لا ورطتيني وأنا اللي نوكل فيك في السردينة كل يوم,,,استغفر الله…استغفر الله…استغفر الله…”…


أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 115

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…

عبد الكريم قطاطة

عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟

في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…

مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…

تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…

اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…

إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…

قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…

الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟

موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…

قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

جور نار

لا تخرّبوا سور وسقف الوطن… فنحن غدا من سيدفع الثمن!

نشرت

في

محمد الأطرش:

كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.

تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.

سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.

الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.

هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟

أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…

ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟

يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.

أكمل القراءة

صن نار