بداية، ما لُزوم هيئة مُجرّدة من أية صلاحيّات تقريرية يجتمع في لجانها المتخصصة الخبراء وجميع الشركاء في الشأن التربوي والتعليمي والتكويني، من أجل إبداء الرأي في جملة القضايا المتعلقة بتكوين الناشئة وإعداد مستقبلها وتسيير المرفق التربوي عموما وحوْكمته ؟
<strong>منصف الخميري<strong>
المجالس العليا للتربية في عديد بلدان العالم هي هياكل استشارية تُعنى بالتنسيق والتوجيه والمتابعة والتقييم واقتراح اتخاذ القرارات على الحكومات. وباعتبار خصوصية هذا المرفق الاستراتيجي وحيويّته وتشابك العلاقات صلبه وتعدد الأطراف المتدخّله فيه وتنوّعها، وبحكم تشظّي مكوّناته وتوزّعها على أكثر من وزارة وجهة رسمية، وكذلك اعتبارا لكون التربية والتعليم والتكوين هي مجالات خِبرة وتخصّص دقيقين، فإنه لا يمكن لأية حكومة سياسية مهما علا مستوى اقتدار أعضائها أن تُبدي النظر الدقيق والمختص فيها دون الرجوع إلى ما يقوله الخبراء والمختصون وأهل المهنة وجميع الشركاء الآخرين. …
وعليه، فإن وجود مثل هذه الهيئة قد يساهم بشكل كبير في تجاوز عديد الإشكاليات التي أعاقت تاريخيا التوصّل إلى حلول مُقنعة لشتّى معضلات مدرستنا التونسية، مثل تحديد الأطراف المشاركة في الحوار الوطني حول التربية والتعليم، وفق أية نسب تمثيليّة، من يؤمّن التنسيق بين مختلف وِجهات النظر، أيّة آليات للتعديل وحسم الاختلافات في الرؤى والتصورات… ؟
ولكن تحقيق هذا الهيكل الاستشاري المستقل للأهداف التي سيُبعث من أجلها مرتبط إلى حدّ ما حسب اعتقادي بشرط أن لا “يتتوْنس” كثيرا، لا بمعنى ضرورة تبيِئتِه وجعله يراعي مختلف خصوصيّاتنا وإرثنا وعقليّتنا وظروفنا الخ… بل على معنى أن لا يُعيد إنتاج عديد التجارب السابقة مع هيئات وطنية مستقلة أخرى شُحذت السّكاكين من أجل افتكاك مواقع نفوذ فيها أو تمّ السطو عليها واستخدامها في تصفية الحسابات وتمرير أجندات لا تمتّ بصلة للغايات التي بُعثت من أجلها… أو ظلت يافطة لمّاعة تستخدمتها السلطة القائمة لإقناع الهيئات الدولية المانحة بأن “تونس على الطريق المستقيم”.
والتونسيون بصورة عامة بارعون جدا في الالتفاف المُحكم على أي إجراء أو آليّة يتمّ إقرارها :
– إذ تمّ إقرار إجراء احتساب المعدّل السنوي للتلميذ بنسبة 25 % في امتحان الباكالوريا (لجعل التلميذ يستفيد من مجهوده وكدّه أثناء السنة الدراسية … في جزء من فلسفة هذا الإجراء على الأقل كما هو معمول به في عديد بلدان العالم) ولكن سرعان ما اكتظّت المعاهد الخاصة بالتلاميذ الراغبين في “شراء” معدلات مرتفعة جدا تكون حاسمة في المعدّل النهائي ! أذكر في هذا الخصوص بأن معهدا خاصا بالعاصمة كان يدرّس أكثر من 1000 تلميذ في الباكالوريا (أي ما يعادل 30 قسما تقريبا).
– وتمّ إقرار مادّة “إنجاز مشروع” كمادّة اختيارية سنة إجراء امتحان الباكالوريا، فاكتظّت الأسواق والدكاكين بمجموعات هائلة من التلاميذ يشترون مشاريع جاهزة مقابل آلاف الدنانير … ولكن مع ضمان “عشرينات كاملة” في تلك المادة تُحتسب بسخاء في الباكالوريا.
– وتمّ إقرار التمييز الإيجابي لفائدة الجهات الداخلية في التوجيه الجامعي نحو بعض الشًعب صعبة المنال، فهاجر بعض تلاميذ المناطق الساحلية نحو الداخل لضمان التفوّق ضمن جمهور غير متمرّن بشكل جيد على ما قاله أحمد شوقي “وما نيل المطالب بالتمنّي…”
فرجائي بالتالي هو أن نُتوْنس هذه الهيئة إن كُتب لها أن ترى النور بالشكل الإيجابي الذي يجعلنا نتخطّى عجزنا وخيباتنا لا بالشكل الذي كنت بصدد الحديث عنه.
ينصّ الدستور الجديد في بابه الثامن وبالفصل 135 على بعث المجلسالأعلىللتربيةوالتعليمالذي “يتولّى إبداءالرأيفيالخططالوطنيةالكبرىفيمجالالتربيةوالتعليموالبحثالعلميوالتكوينالمهنيوآفاقالتشغيل.“
يمكن لأي مطّلع ولو بصورة جزئية أن فكرة بعث آلية عليا تسهر على حوْكمة الشأن التربوي والتعليمي هي فكرة قديمة جدا، فكان أول مجلس أعلى للتربية في تونس سنة 1888 وكان اسمه المجلس الأعلى للمعارف “يعطي رأيه في الإصلاحات وفي الميزانية وفي التأديب بالنسبة لأعضاء التعليم”. ثم المجلس الأعلى للتربية القومية سنة 1958 إلى أن جاء القانون التربوي عدد 65 لسنة 1991 والأمر الحكومي عدد 2260 المؤرخ في 10 أكتوبر 2000 اللذان يؤسّسان نفس الآلية لتشريك “المجتمع” في ضبط السياسات التربوية والتعليمية العامة والمساهمة في رسم ملامح المدرسة التي يحلم بها عموم الناس.
نحن إذن أمام محاولة متكرّرة تسعى إلى تأسيس آلية وطنية مستقلّة تسهر على تطوير أداء مدرستنا التونسية من خلال تقديم المقترحات ولفت النظر إلى مواطن الخلل وإبداء الرأي في السياسات المتّبعة… وكل رجاؤنا أن ألا يُكتب لها الموت الجنيني مثل سابقاتها وتكون من الملفّات المنسيّة بمجرّد أن تتغيّر الحكومات ويتبدّل الأشخاص.
لن أتحدّث في ما يجب أن يكون عليه المجلس الأعلى للتربية وتركيبته وصلاحيّاته ومجالات تدخّله وكيفية اشتغاله هياكله ولجانه الخ… وإنما سأحاول قدر الإمكان لفت الانتباه إلى ما لا يجب أن يقع فيه هذا المجلس صوْنًا له كمكسب وطني وضمانا لديمومته واكتسابه فاعلية حقيقية بالنظر إلى حجم الانهيارات والأزمات المتتالية :
واحد : المجلس الأعلى للتربية هو أساسا مجال للخِبرة والتخصّص… وليس مجالا “برلمانيا” نُطبّق فيه التمثيلية الشكلية لكل الرؤى والتوجّهات لأن التربية لا علاقة لها بسياسة “السياسيين” بقدر ما لها علاقة بتوجّهات فلسفية وتربوية وثقافية عامة هي اليوم بصدد إحداث نقلات نوعية في المنظومات التربوية الأكثر تطورا في العالم.
إثنان : تجاوز معضلة تمثيلية الأولياء والتلاميذ وكافة المعنيين والمتدخّلين في الشأن التربوي التي عطّلت تاريخيا إحداث “مجلس المؤسسة” و “مشروع المؤسسة” تحت ضغط شعارات نقابية لا تستقيم كثيرا حسب اعتقادي. فبأي منطق نُقصي التلاميذ من إبداء أرائهم داخل هذا المجلس والحال أن كل قراراته ونقاشاته وسياساته المقترحة…محورها الأساسي وهدفها النهائي هو التلميذ ؟
ثلاثة : المدة التمثيلية لا يجب أن تكون نفسها بالنسبة إلى مختلف الأطراف الممثلة داخل المجلس باعتبار أن تلميذ اليوم سيصبح طالبا في ظرف وجيز والولي المعني اليوم غير معني غدا.
أربعة : من الضروري أن يكون المجلس الأعلى للتربية ممثلا للتربية والتعليم العالي والبحث العلمي والتكوين المهني… ولكن مع الانتباه إلى أهمية أن تكون تمثيلية التربية هي الأهم وأن تكون تمثيلية التعليم العالي والتكوين المهني بقدر ارتباط التربية بهذين المرفقين والانسجام مع مهمة التنسيق والتكامل بين الوزارات الثلاث في ما يخص مخرجات التربية.
خمسة : سيكون هذا المجلس هيئة استشارية بالتأكيد مهمته الأساسية التفكير الاستراتيجي في قضايا التربية والتكوين والبحث العلمي ولكن لا يجب أن تكون استشارة بنكهة “جئتُ أستشيركم في سياسة قرّرتُها” بل يتوجّب أن تُتّخذ كل الاحتياطات الإجرائية والقانونية من أجل ضمان إنفاذ الإصلاحات المقترحة والحائزة على أوسع توافق ممكن داخل هيئات هذا المجلس.
ستة : من المفروض ألا يتحوّل المجلس الأعلى للتربية إلى “منتدى فكري حرّ لتطارح النظريات والمقاربات” بل من المفروض أن يكون ورشة كبيرة للخوض في كبرى المسائل التربوية والتعليمية والتكوينية والانتهاء إلى صيغ وحلول ورسم آفاق للتجاوز ويتعيّن أن يُكسِب صاحب القرار قوة معنوية في إنفاذ الإصلاحات والإجراءات المقترحة.
سبعة : لا يجوز استبعاد أية كفاءة أو صاحب رأي يُعتدّ به على قاعدة “الانتماء الفكري أو السياسي المحتمل لهذا أو ذاك” طالما أن القاسم المشترك بين جميع الذين سينتمون إلى هذا المجلس هو مدرسة الجمهورية بمبادئها وقيمها الإنسانية الكبيرة القائمة على الحياد والمواطنة والفكر النقدي ونبذ العنف والتطرف والعيش المشترك …
ثمانية : لا خطوط حمراء في الإصلاحات المرتقبة والتي من المفروض أن يتولى أعضاء المجلس التداول بشأنها والتصديق عليها. فلا إصلاح حقيقي في تقديري بدون التحلي بالجرأة “الرمزية” على زعزعة بعض الثوابت وإجراء مراجعات كلية وعميقة في العديد من المجالات … مع المحافظة قدر الإمكان على استقرار الموارد البشرية المُتاحة ولكن بتوزيع جديد. فالتخلي عن شعب دراسية معينة وإعادة هيكلة أخرى أو بعث مسالك جديدة أو مراجعة منظومة المواد الاختيارية أو كذلك إعادة النظر في المؤسسات التربوية النموذجية … هي إجراءات قد تكون تداعياتها كبيرة لكنها ضرورية ولا مناص منها إن كنّا نطمح إلى إصلاحات حقيقية ترتقي بمدرستنا.
تسعة : تجنّب تمتيع أعضاء المجلس الأعلى للتربية بأي نوع من الامتيازات حتى تكون الرغبة في الانتماء إلى هذا الهيكل قائمة فحسب على التطوّع والالتزام الشخصي والإرادة الصادقة في جعل مدرستنا ذكيّة ومُبادِرة ومُنصفة ومؤهِّلة وتوّاقة نحو معانقة المعايير الدولية. فالامتياز الحقيقي هو رمزي بالأساس لأن المساهمة في بناء نموذج مدرسي جديد وناجح هو أكبر الامتيازات وأرقاها.
عشرة : من الطبيعي أن تكون الجلسات العامة les plénières متباعدة نسبيا في دوريّتها نظرا لارتفاع عدد الأعضاء (حوالي 100 عضو في العديد من بلدان العالم) ولكن لا يجب أن يقتصر عمل المجلس على جلسات عامة سنوية ثم “شكر الله سعي الجميع” بقدر ما يتعين أن يستمر العمل على امتداد كامل السنة في شكل ورشات متخصصة توكل إليها مهمات محدّدة ومضبوطة.
أحد عشر وأخيرا : لا يجب بأي حال إستبعاد عالم المهن وخاصة الفاعلين الاقتصاديين والصناعيين والخدميين الذين لديهم فكرة مستفيضة عن سوق الشغل المحلية والعالمية.
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
تعليق واحد