تابعنا على

جور نار

النجاح المدرسي والجامعي عبر المسالك المُختصرة

نشرت

في

يتوجّب عليّ أن أشير في مستهلّ هذه الورقة أن تعبير “مسالك النجاح المختصرة” ليس من صُنعي بل هو عنوان لفكرة واجهني بها صديق عزيز ذات يوم، عندما كنّا بصدد الحديث عن تدخّل الأصل الاجتماعي بنسبة كبيرة (يقدّرها بعض المختصين في العالم بما لا يقلّ عن 20 أو 25 بالمائة في النجاح المدرسي والجامعي من عدمه) …كانت الفكرة -التي تواعدنا على تطويرها سويّا ولم نفعل- هي أنه في ظل استحالة تحييد الظروف المُعيقة للنجاح على المدى المنظور خاصة في ظل حكومات متعاقبة تعاني هي نفسها من أثر عقمها الموروث، لا بد من اجتراح مسالك أو ممرّات مُختصرة لا نظامية des raccourcis نفتحها ونُعبّدها أمام بناتنا وأبنائنا شرط توفّرها على عنصري الفاعليّة المباشرة وضعف الكلفة المادية.

منصف الخميري Moncef Khemiri
<strong>منصف الخميري<strong>

فأمام البداهات التربوية الموجِعة اليوم في بلادنا والتي يمكن اختزالها في أن الاستبسال في شحن التلاميذ بواسطة الدروس الخصوصية يساهم في تحصيل علامات مرتفعة، وأن بعض الأساتذة المتمرّسين لا يسلّمون مفاتيح السيطرة على أعتى تمارين الرياضيات أو الفيزياء إلا في سياق الحصص المدفوعة أجورها سلفًا، وأن بعض الاختصاصات الجامعية صعبة المنال في الجامعات العمومية لدينا بالنظر إلى حجم المعدّلات المطلوبة، تخرّ صاغرة في عديد العواصم العالمية أمام يُسر الأحوال وسخاء الأموال… حيال هذه البداهات لا يبقى من آفاق واعدة أمام “الجيوب الحافية والحسابات البنكية العارية” سوى انتهاج “القصّات العرْبي” التي تختصر المسافات وتلتفُّ على الحواجز المعطّلة وتُجانبُ نقاط التفتيش المنتصبة بإحكام في كل مستويات الانتقاء المدرسي والجامعي.

وهذه بعض المسالك المختصرة :

المسلك المختصر الأول : الاقتناع بدءًا بأن الذكاء والدّافعيّة موزّعان بعدل بين جميع الناس

من الكليشيهات التربوية السائدة أن الأوساط الاجتماعية الميسورة بوسعها أكثر من غيرها أن تنقُل لأبنائها ثقافة شفوية ومكتوبة تكون قريبة جدا من الخطاب المُتداول مدرسيّا (من خلال قراءة الكتب والسفر والرحلات والتبادل المُتيحة جميعها لخطاب لغوي مُهيكل). نعم هذا مهمّ وحاسم وبارز لنا بالعين المجرّدة داخل الأقسام وخارجها، ولكن لا يجب أن يتحوّل هذا الإكراه إلى شمّاعة نُعلق عليها فشل أبنائنا في دراستهم. فكم من أمّ أميّة أوصلت أبناءها إلى أعلى المراتب الدراسية، وكم من أب مزارع تابع دراسة أبنائه بحرص وشغف وانتباه جعلهم يذهبون إلى أبعد المراقي. إن عامل عدم توفّر الكتاب تعلّة مردودة، وعدم القدرة على إجراء الزيارات المُخصّبة لخطاب الأطفال ولغتهم منطق واهٍ لأن الوسط الطبيعي الذي يسبح فيه هؤلاء قادر على إلهام أكبر الشعراء والكتّاب، والذكاء موزّع بعدل بين جميع الأطفال، والدافعية محرّك داخلي وعائلي يُصنّع حول أبسط الأكلات، وتثمين الذات يولّده التشجيع والتحفيز دون كلل … هذا كل ما في الأمر. اقرؤوا ما يتداوله الباحثون في النجاح والفشل المدرسيين عبر العالم لتكتشفوا أن هذا كل ما في الأمر. فــ “يا كشفتهم” أولئك الأولياء الذين يتباهون أحيانا بأن “قراية أولادهم” من مشمولات أمهم، أما هو فتكفيه شقاوة المشهد السياسي وأداء اللاعب صلاح في فريق ليفربول.

المسلك المختصر الثاني : لا تجعل الرياضيات تقتلك، افتكْ بها أنت وأسّسْ جمهوريتك الفاضلة

أعتقد شخصيا أن واحدة من المعضلات الأساسية التي تُعيق تطوّر منظومتنا التربوية هي الزجّ بحشود عريضة جدا من التلاميذ في مسارات دراسية أساسية طويلة لا يقدر على النجاح والتألّق فيها إلا عُشُرهم أو أقلّ. ويبدأ مسار “التطويل” التعسّفي في الدراسة مباشرة بعد المرحلتين الابتدائية والإعدادية وصولا إلى باكالوريات عامة لا يستحق التعليم العالي الوازن والواعد إلا عددا ضئيلا من الحاصلين عليها.

كم من سنوات مهدورة في تعقّب معارف مجرّدة ليس لها مستقرّ، وكم من أعمار ضُيّعتْ في محاولة ترويض الصرف والعروض والنحو ثم ننتبه عندما يفوت الأوان ونقول “لو كان النحو رجلا لقتلته” !

إن السعادة والغِبطة اللتين نشعر بهما جميعا عندما نعثر على حِرَفيّ جيد يتمتّع بمهارة خاصة في السّباكة والحِدادة والميكانيك والكهرباء والنّجارة والإلكترونيك والبِناء والتزويق وتقليم الأشجار… دليل قاطع على أن هنالك طلبا اجتماعيا كبيرا على هذه المهن وعلى هذا الملمح بالذات لممارسيها. يكفي أن يتوفر شرط الاستقامة والاقتدار حتى يكون الحريف مستعدّا لدفع أي مبلغ يطلبه الأخصائي (كما لا يناقش أيضا تعريفة الطبيب المختص أو خدمات وكالات الأسفار). ثم وفق أية معايير يعتبر المجتمع أن مهنة الطب أو الهندسة أفضل شأنا أو أكثر اعتبارية من مهنة طبّاخ بشهرة عالية أو خبّاز بمهارة نادرة تتلقفه أفخم النزل وأكبر القصور؟ 

لكن يظلّ الشغف والولع الشرط الأساسي الأول قبل السؤال التهرّبي “محسوب ثمة تكوين هوّ وثمّة مكوّنين وثمّة مراكز تكوين أصلا ؟ كل شيء عالحيط في تونس !” لكي يستطيع الشاب أن يحلُم بوضع يكون فيه سيّدا وبانيًا لمربّع محصّن لا ينافسه فيه أحد. وهو وضع طبيعي يسمح تماما بأن يُقبل صاحبه على كل لذائذ الدنيا وفاكهتها.

المسلك المختصر الثالث : الدراسة المجانية عن بعد في أرقى الجامعات العالمية

يتمثل هذا المنوال الدراسي الجديد (الذي اتخذ منحى جماهيريا واسعا منذ 2012 حسب جريدة نيويورك تايمز) في دروس عن بعد مفتوحة للجميع تؤمّنُها جامعات عالمية مرموقة ومؤسسات صناعية وتجارية خاصة وعامة، وتكون مُفضية عادة إلى إشهاد مُعترف به لدى أغلب المُشغّلين العالميين بعد حصص منتظمة ومداخلات تأطيرية للأستاذ المشرف وتمارين وامتحانات نهائية… وذلك في أغلب الاختصاصات المُتاحة في الجامعات العمومية والخاصة.

ويُذكر في هذا السياق أن الاختصاصات الخمسة المرغوبة خلال السنوات الأخيرة تدور حول “التعلّم الآلي أولا ، أي العلم الذي يسمح للحواسيب بأداء مهام لم تكن مبرمجة بشكل صريح في هذا الاتجاه، ومن بين التطبيقات الموجودة نذكر العربات الآلية وبرامج التعرف الصوتي الخ… ، والتحولات الطاقيّة والبيئية ثانيا والذكاء الاصطناعي ثالثا وتعلم كيفيّة التعلم رابعا (أي التعرف على الاشتغال العام لمسارات التعلم وتجريب مختلف التقنيات والمقاربات التي تسمح بتحسينها) وكيف تصبح مبادرا للتغيير خامسا (بمعنى إحداث مشاريع تجمع بين النفع الاجتماعي والوجاهة الاقتصادية).

تصوّروا حجم المغانم الدراسية والتشغيلية التي تتوفّر لشابّ لم تقدر عائلته على دفع معاليم ترسيمه بجامعة هارفارد الأمريكية (أكثر من 100 ألف دولار سنويا موزعة بين كلفة الترسيم والأكل والإقامة والكتب والرحلات) لكنه باستطاعته إحرازها (جزئيا على الأقل) دون دفع مليم واحد ودون مغادرة حاسوبه !!!

المسلك المختصر الرابع : اللغات، حصان مُجنّح كما في الأسطورة الإغريقية

إذا أردت أن تهزم المقولة الفرنسية “يتكلم الانكليزية كما تتكلمها بقرة إسبانية“، ليس أمامك سوى الارتماء حافيا عاريا في أحضان اللغة التي تريد تعلّمها، لأنه تبيّن خلال العقود الأخيرة أن الإشباع اللغوي لا يكون في كتب النحو والصرف المغلقة وممارسة رياضة السير عبر ألغام التقعيد والتعقيد القابلة للانفجار في منعطف جملة أو شكل إحدى كلماتها، بل إن المدارس الحديثة تعتنق اليوم مقاربة “الشفوي بالكامل” أي الاستماع إلى اللغة وتعلم قواعدها بشكل ضمني وتلقائي والتشبّع بمفرداتها ونبراتها ونغماتها قبل الإبحار في تعلّم ضوابطها التنظيمية… ويكون ذلك من خلال الاستماع المستمر إلى ما يُذاع بتلك اللغة ومشاهدة الأفلام وقراءة القصص والتواصل الشفوي مع متكلّمي تلك اللغة دون خشية كلما تيسّر ذلك. والدليل أن كبار معلّمي قواعد اللغة (أيّة لغة) غير قادرين في معظمهم على كتابة نص جيّد. ثم إن ربط تعلم اللغة بمدارات الاهتمام الحميمية لدى الطفل، طريق جيدة لمضاعفة شغف الاستقواء لغويا. كأن يتعلم الطفل الانكليزية لأنه يعشق الموسيقى الناطقة بهذه اللغة أو أن يتعلّم الفرنسية لأنه يريد أن يكتب رسائل مُبهرة إلى صديقته في مونتريال…

…ومسالك أخرى يجدر الاهتمام بها أيضا :

بالإضافة إلى كل ذلك، لا يمكن أن نُهمل مسالك مختصرة أخرى تبدو بديهية وفي متناول جميع الناشئين، لكن العائلة والمدرسة لا يطوّرانها بشكل كبير حتى تُسهم في دفعهم دفعا نحو “أخذ الكلمة” والتعبير ووضع كلام على مشاعرهم وتحويل انفعالاتهم إلى خطاب وحركاتهم الجسدية الغاضبة إلى شيء منطوق… مثل القراءة بصوت عال والنشاط ضمن الجمعيات والنوادي والحثّ على معرفة ما نريد والتدريب على البرهنة والتربية على التصرف في نفايات الكلام والتشجيع على تمرين الكتابة المستمرة الخ…

أكمل القراءة
تعليق واحد

تعليق واحد

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار