يتوجّب عليّ أن أشير في مستهلّ هذه الورقة أن تعبير “مسالك النجاح المختصرة” ليس من صُنعي بل هو عنوان لفكرة واجهني بها صديق عزيز ذات يوم، عندما كنّا بصدد الحديث عن تدخّل الأصل الاجتماعي بنسبة كبيرة (يقدّرها بعض المختصين في العالم بما لا يقلّ عن 20 أو 25 بالمائة في النجاح المدرسي والجامعي من عدمه) …كانت الفكرة -التي تواعدنا على تطويرها سويّا ولم نفعل- هي أنه في ظل استحالة تحييد الظروف المُعيقة للنجاح على المدى المنظور خاصة في ظل حكومات متعاقبة تعاني هي نفسها من أثر عقمها الموروث، لا بد من اجتراح مسالك أو ممرّات مُختصرة لا نظامية des raccourcis نفتحها ونُعبّدها أمام بناتنا وأبنائنا شرط توفّرها على عنصري الفاعليّة المباشرة وضعف الكلفة المادية.
منصف الخميري
فأمام البداهات التربوية الموجِعة اليوم في بلادنا والتي يمكن اختزالها في أن الاستبسال في شحن التلاميذ بواسطة الدروس الخصوصية يساهم في تحصيل علامات مرتفعة، وأن بعض الأساتذة المتمرّسين لا يسلّمون مفاتيح السيطرة على أعتى تمارين الرياضيات أو الفيزياء إلا في سياق الحصص المدفوعة أجورها سلفًا، وأن بعضالاختصاصات الجامعية صعبة المنال في الجامعات العمومية لدينا بالنظر إلى حجم المعدّلات المطلوبة، تخرّ صاغرة في عديد العواصم العالمية أمام يُسر الأحوال وسخاء الأموال… حيال هذه البداهات لا يبقى من آفاق واعدة أمام “الجيوب الحافية والحسابات البنكية العارية” سوى انتهاج “القصّات العرْبي” التي تختصر المسافات وتلتفُّ على الحواجز المعطّلة وتُجانبُ نقاط التفتيش المنتصبة بإحكام في كل مستويات الانتقاء المدرسي والجامعي.
وهذه بعض المسالك المختصرة :
المسلك المختصر الأول : الاقتناع بدءًا بأن الذكاء والدّافعيّة موزّعان بعدل بين جميع الناس
من الكليشيهات التربوية السائدة أن الأوساط الاجتماعية الميسورة بوسعها أكثر من غيرها أن تنقُل لأبنائها ثقافة شفوية ومكتوبة تكون قريبة جدا من الخطاب المُتداول مدرسيّا (من خلال قراءة الكتب والسفر والرحلات والتبادل المُتيحة جميعها لخطاب لغوي مُهيكل). نعم هذا مهمّ وحاسم وبارز لنا بالعين المجرّدة داخل الأقسام وخارجها، ولكن لا يجب أن يتحوّل هذا الإكراه إلى شمّاعة نُعلق عليها فشل أبنائنا في دراستهم. فكم من أمّ أميّة أوصلت أبناءها إلى أعلى المراتب الدراسية، وكم من أب مزارع تابع دراسة أبنائه بحرص وشغف وانتباه جعلهم يذهبون إلى أبعد المراقي. إن عامل عدم توفّر الكتاب تعلّة مردودة، وعدم القدرة على إجراء الزيارات المُخصّبة لخطاب الأطفال ولغتهم منطق واهٍ لأن الوسط الطبيعي الذي يسبح فيه هؤلاء قادر على إلهام أكبر الشعراء والكتّاب، والذكاء موزّع بعدل بين جميع الأطفال، والدافعية محرّك داخلي وعائلي يُصنّع حول أبسط الأكلات، وتثمين الذات يولّده التشجيع والتحفيز دون كلل … هذا كل ما في الأمر. اقرؤوا ما يتداوله الباحثون في النجاح والفشل المدرسيين عبر العالم لتكتشفوا أن هذا كل ما في الأمر. فــ “يا كشفتهم” أولئك الأولياء الذين يتباهون أحيانا بأن “قراية أولادهم” من مشمولات أمهم، أما هو فتكفيه شقاوة المشهد السياسي وأداء اللاعب صلاح في فريق ليفربول.
المسلك المختصر الثاني : لا تجعل الرياضيات تقتلك، افتكْ بها أنت وأسّسْ جمهوريتك الفاضلة
أعتقد شخصيا أن واحدة من المعضلات الأساسية التي تُعيق تطوّر منظومتنا التربوية هي الزجّ بحشود عريضة جدا من التلاميذ في مسارات دراسية أساسية طويلة لا يقدر على النجاح والتألّق فيها إلا عُشُرهم أو أقلّ. ويبدأ مسار “التطويل” التعسّفي في الدراسة مباشرة بعد المرحلتين الابتدائية والإعدادية وصولا إلى باكالوريات عامة لا يستحق التعليم العالي الوازن والواعد إلا عددا ضئيلا من الحاصلين عليها.
كم من سنوات مهدورة في تعقّب معارف مجرّدة ليس لها مستقرّ، وكم من أعمار ضُيّعتْ في محاولة ترويض الصرف والعروض والنحو ثم ننتبه عندما يفوت الأوان ونقول “لو كان النحو رجلا لقتلته” !
إن السعادة والغِبطة اللتين نشعر بهما جميعا عندما نعثر على حِرَفيّ جيد يتمتّع بمهارة خاصة في السّباكة والحِدادة والميكانيك والكهرباء والنّجارة والإلكترونيك والبِناء والتزويق وتقليم الأشجار… دليل قاطع على أن هنالك طلبا اجتماعيا كبيرا على هذه المهن وعلى هذا الملمح بالذات لممارسيها. يكفي أن يتوفر شرط الاستقامة والاقتدار حتى يكون الحريف مستعدّا لدفع أي مبلغ يطلبه الأخصائي (كما لا يناقش أيضا تعريفة الطبيب المختص أو خدمات وكالات الأسفار). ثم وفق أية معايير يعتبر المجتمع أن مهنة الطب أو الهندسة أفضل شأنا أو أكثر اعتبارية من مهنة طبّاخ بشهرة عالية أو خبّاز بمهارة نادرة تتلقفه أفخم النزل وأكبر القصور؟
لكن يظلّ الشغف والولع الشرط الأساسي الأول قبل السؤال التهرّبي “محسوب ثمة تكوين هوّ وثمّة مكوّنين وثمّة مراكز تكوين أصلا ؟ كل شيء عالحيط في تونس !” لكي يستطيع الشاب أن يحلُم بوضع يكون فيه سيّدا وبانيًا لمربّع محصّن لا ينافسه فيه أحد. وهو وضع طبيعي يسمح تماما بأن يُقبل صاحبه على كل لذائذ الدنيا وفاكهتها.
المسلك المختصر الثالث : الدراسة المجانية عن بعد في أرقى الجامعات العالمية
يتمثل هذا المنوال الدراسي الجديد (الذي اتخذ منحى جماهيريا واسعا منذ 2012 حسب جريدة نيويورك تايمز) في دروس عن بعد مفتوحة للجميع تؤمّنُها جامعات عالمية مرموقة ومؤسسات صناعية وتجارية خاصة وعامة، وتكون مُفضية عادة إلى إشهاد مُعترف به لدى أغلب المُشغّلين العالميين بعد حصص منتظمة ومداخلات تأطيرية للأستاذ المشرف وتمارين وامتحانات نهائية… وذلك في أغلب الاختصاصات المُتاحة في الجامعات العمومية والخاصة.
ويُذكر في هذا السياق أن الاختصاصات الخمسة المرغوبة خلال السنوات الأخيرة تدور حول “التعلّم الآلي أولا ، أي العلم الذي يسمح للحواسيب بأداء مهام لم تكن مبرمجة بشكل صريح في هذا الاتجاه، ومن بين التطبيقات الموجودة نذكر العربات الآلية وبرامج التعرف الصوتي الخ… ، والتحولات الطاقيّة والبيئية ثانيا والذكاء الاصطناعي ثالثا وتعلم كيفيّة التعلم رابعا (أي التعرف على الاشتغال العام لمسارات التعلم وتجريب مختلف التقنيات والمقاربات التي تسمح بتحسينها) وكيف تصبح مبادرا للتغيير خامسا (بمعنى إحداث مشاريع تجمع بين النفع الاجتماعي والوجاهة الاقتصادية).
تصوّروا حجم المغانم الدراسية والتشغيلية التي تتوفّر لشابّ لم تقدر عائلته على دفع معاليم ترسيمه بجامعة هارفارد الأمريكية (أكثر من 100 ألف دولار سنويا موزعة بين كلفة الترسيم والأكل والإقامة والكتب والرحلات) لكنه باستطاعته إحرازها (جزئيا على الأقل) دون دفع مليم واحد ودون مغادرة حاسوبه !!!
المسلك المختصر الرابع : اللغات، حصان مُجنّح كما في الأسطورة الإغريقية
إذا أردت أن تهزم المقولة الفرنسية “يتكلم الانكليزية كما تتكلمها بقرة إسبانية“، ليس أمامك سوى الارتماء حافيا عاريا في أحضان اللغة التي تريد تعلّمها، لأنه تبيّن خلال العقود الأخيرة أن الإشباع اللغوي لا يكون في كتب النحو والصرف المغلقة وممارسة رياضة السير عبر ألغام التقعيد والتعقيد القابلة للانفجار في منعطف جملة أو شكل إحدى كلماتها، بل إن المدارس الحديثة تعتنق اليوم مقاربة “الشفوي بالكامل” أي الاستماع إلى اللغة وتعلم قواعدها بشكل ضمني وتلقائي والتشبّع بمفرداتها ونبراتها ونغماتها قبل الإبحار في تعلّم ضوابطها التنظيمية… ويكون ذلك من خلال الاستماع المستمر إلى ما يُذاع بتلك اللغة ومشاهدة الأفلام وقراءة القصص والتواصل الشفوي مع متكلّمي تلك اللغة دون خشية كلما تيسّر ذلك. والدليل أن كبار معلّمي قواعد اللغة (أيّة لغة) غير قادرين في معظمهم على كتابة نص جيّد. ثم إن ربط تعلم اللغة بمدارات الاهتمام الحميمية لدى الطفل، طريق جيدة لمضاعفة شغف الاستقواء لغويا. كأن يتعلم الطفل الانكليزية لأنه يعشق الموسيقى الناطقة بهذه اللغة أو أن يتعلّم الفرنسية لأنه يريد أن يكتب رسائل مُبهرة إلى صديقته في مونتريال…
…ومسالك أخرى يجدر الاهتمام بها أيضا :
بالإضافة إلى كل ذلك، لا يمكن أن نُهمل مسالك مختصرة أخرى تبدو بديهية وفي متناول جميع الناشئين، لكن العائلة والمدرسة لا يطوّرانها بشكل كبير حتى تُسهم في دفعهم دفعا نحو “أخذ الكلمة” والتعبير ووضع كلام على مشاعرهم وتحويل انفعالاتهم إلى خطاب وحركاتهم الجسدية الغاضبة إلى شيء منطوق… مثل القراءة بصوت عال والنشاط ضمن الجمعيات والنوادي والحثّ على معرفة ما نريد والتدريب على البرهنة والتربية على التصرف في نفايات الكلام والتشجيع على تمرين الكتابة المستمرة الخ…
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟
منجي الورغي
6 مارس 2023 في 05:40
ممتاز صديقي أتيت على ما يجب ان يقال في تقييمه مسالم التعليم في هذا الوقت الذي ترذل فيه العلم و التعليم