يوم أمس، كانت طوابير السيارات تسدّ الأفق على كامل طرقاتنا و في كافة مدننا، ما الخطب؟ … في رأس الصف و بعد لأي و استطلاع، تبيّن أن كل هذا أساسه ازدحام على محطات بنزين لا بنزين فيها … ما الخطب ثانية؟ لقد انقطع مدد هذا الرحيق المشتعل عن محطات التزويد و حصل ذلك فجأة ودون إنذار … ما الخطب ثالثة؟ بواخر الشحن القادمة من الخارج تعطلت في الميناء فتعطّل و توقّف وتجمّد و تحنّط و “تكنجل” كل شيء …
عبد القادر المقري
و الله لم يلحقنا الذلّ على قدر ما كنّا على الدوام أذلاّء، مثلما طأطأنا الرؤوس في عشرية الشؤم هذه … عشنا خلالها الهوان بأشكاله، عوملنا كحيوانات الزريبة مرة نتزاحم على لتر إيسانس، و مرة على كيلو سكر، و مرة على باكو فارينة، و مرة على قارورة زيت، و مرة على مستودع دروس خصوصية، و مرة على دواء لمرض مزمن، و مرات و مرات على شبابيك القنصليات الأجنبية تسوّلا لفيزا لن تأتي رغم دفع ثمنها، أو على مركب صيد وضعه صاحبه على ذمّة مهرّبي البشر نحو أية حفرة خارج تونس … و لعلّ مرددي مسخرة “ثورة الحرية و الكرامة” شبعانون اليوم بالمادّتبن هاتين حتى التخمة …
لو كنتم شعبا حرّا البارحة مثلا، لأدارت كل سيارة مقودها إلى حيث وزارة التجارة و حاصرتها وزيرا و كتّاب دولة و مديرين و موظّفين و حلفت عليهم بالحرام لا يخرج منهم أحد حتى يعود التزويد … لا بالبنزين فحسب، بل بكل المواد الضرورية التي صرنا نشتاق إليها و لا نرى منها واحدة حتى تختفي أخرى … و تعود الأسعار إلى وضعها الطبيعي لا أن يباع العنب على الأرصفة و في شاحنات الطريق بـ 3.500 كأرخص سعر ممكن، في حين أن ثمنه الأصلي لا يتجاوز بضع مئات …
طبعا أخرّف … أخرّف تخريفا ما دام في وجهك شعب رخيص ديّوث يقبل الباطل و يبلع الشتيمة إذا جاءت ممن هم أقوى منه … شعب يجد نفسه دائما مخيّرا بين الطاعون و الكوليرا فيختار أحدهما أو يغلق على نفسه في بيته أو في مقهاه و الله لا يكوّن فيها البلاد … شعب منسوب الوطنية لديه أضعف ما في العالم أجمع، فكل الأوطان بلده و مرعاه إلا هذه الرقعة التي يتعامل معها كأنها متاع الآخرين … و يتعلل دائما بأن هذه البلاد لم تعطه شيئا و وطن لا يمنحه قوتا و كرامة ليس وطنه … رحمك الله يا كرماوي على هذه العبارة التي تركتها، و لو أنك كنت مخطئا خطأ فادحا في هذا رحمك الله و سامحك في مثواك …
تعبدون فرنسا و تمنّون النفس بهجّة إلى إيطاليا؟ … داكوردو، و لكن لا أحد منا تساءل لماذا أصبحوا هم هكذا في السماء و نحن نزلنا إلى قعر الطنجرة … ما أبسط الجواب عن هذا … منذ أيام شاهدت شريطا وثائقيا عن الثورة الفرنسية و عادت بي الذاكرة إلى ما نعرفه و لا نعرفه عن هذا المنعرج التاريخي الخطير … نفس الوضع الذي نعيشه هذه الأيام و عشناه زمن الجبالي و العريض و جمعة و الشاهد و بقية الجوقة … لم يصبر الفرنسيون كثيرا و لم يقبلوا بأنصاف الحلول … كل الطبقة السياسية العفنة وقع تطييرها جُفاء و إرضاخ الوافدين الجدد لأن يخدموا البلاد و شعبها إذا راموا السلامة … أما المتعاملون مع الخارج فقد اشتغلت المقصلة ليلا نهارا حتى تصبح الخيانة كابوسا ثقيلا لمن يفكّر فيها مجرّد تفكير …
الآن عندك خونة بالبالة في الحكم، و في المعارضة (أو شبه المعارضة، فأولئك ديكور في عملية توزيع حصص و أدوار)، و في المجتمع المدني، و في الشعب نفسه الذي يبيع أباه بحارة سواقر … فمن ستزيح وعلى من ستُبقي؟ الشعوب الحية هي التي تصنع الدول القويّة و شعبنا ميّت بارد جبان فاسد لا يمكن أن ينتج إلا الساسة الذين أمامنا …
أما إيطاليا فيكفي أن نتذكر الحرب الضروس التي خاضوها هناك ضد المافيا … و المافيا الإيطالية تبدو مافياتنا أمامها أطفال كشّافة و حمائم بيضا … كانت حربا بالمعنى الحقيقي و السلاح و الرصاص و اغتيال قضاة و رجال أمن و إعلام و شهود محكمة و حتى مواطنين بسطاء لا ناقة لهم و لا جمل … و مع ذلك كلما اغتالت العصابات قاضيا طلع قاض أشجع مكانه، و كلما سقط رئيس مركز جاء مفتشون آخرون و واصلوا الحملة، و كلما سُفح دم صحفي هبّت وسائل الإعلام بالسهر و الحمّى، و كلما استشهد مواطن خرج الآلاف لتوديعه و توعّد المجرمين بالقصاص … و هذا ما حصل و قُطعت رأس الأفعى أكثر من مرة و لم يتوقف النضال رغم ضراوة المعركة …
شعب صغير الهمّة تقوده نخبة أصغر من برغوث … و في نفس جشعه أيضا … و ها أنك تقرأ و تسمع “مثقفين” من سائر المستويات يهربون إلى الخارج، أو يحلمون بالهرب، أو يحضّون باقي الشعب على أن يفرّ كمرتكب حادث مرور … في حين أن رجلا مثل “ماو” و حين أغلق أبواب الصين في وجه الاستعمار من ناحية ووجوه الجبناء من شعبه الراغبين مثل جماعتنا في ترك أهل البلاء للبلاء … قرر على النخبة أن “تهاجر” من المدن إلى الأرياف، و أن تسند الفلاح الفقير و تسمع منه و تتعلم قيمة الأرض و قيمة الوطن … و انظر إلى ذلك البلد اليوم …
فمتى، متى تقع في جغرافيتنا المنكوبة ثورة ثقافية تجرف كل الوساخات التي رانت على قلوبنا دهورا و غيّرت من جلدتها أكثر من مرة و في كل فصل تنطلي علينا … و لكن حالنا معها لم يفتأ يهبط من سوء إلى سوء …
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.