تنفتح عتبة العنوان في رواية “سماء بلون الشفق” للروائي “إبراهيم أبو حجه” على فضاءٍ متعالٍ ينشحن بسيمياء الخطر، الحمرة /الاشتعال، فيدفع المتلقي إلى حال من الترقب والحذر فيستشرف آفاقًا من المفاجآت المتعددة.
<strong>صالح السيد<strong>
وإذا كانت الرواية ـ كما يقول جورج لوكاتش ـ هي”سِنّ النُضج”، حيث يواجه الإنسان وحدته وإشكالياته، ليحمل مسئولية نفسه، واختياراته، وقلقه، في الاتصال بين ماضيه ومستقبله، بين ضياعه وخلقه المتجدديْن، فإن هذه الرواية معنية بتصوير المسار الجمالي للفرد في بحثه عن مجموع كلي ما، عن تجانس ما، عن هوية يحمل صورتها في أعماق نفسه.
ويعتمد البناء السردي للرواية على “المونتاج” ويتعدد استخدام تكنيك “الفلاش باك” و كذلك “المنولوج الداخلي” في عرض المحتوى الداخلي أو النفسي للشخصية.
ويقوم التشكيل السردي على المقابلة بين صورتين للمدينة – بورسعيد – في زمانيْن مختلفيْن : الأولى في الماضي لمدينة احترفت النضال وشهدت وقائع أسطورية وأياماً خالدة من البسالة والبطولة تؤكدها أحداث جليلة في العدوان الثلاثي وحرب الاستنزاف، والأخرى هي في الواقع المناقض؛ حيث مدينة البضائع والعملات النقدية وواجهات المحلات “الفاترينات” اللامعة، التي تجذب الأنظار إلى عالم الموضات ،وهنا يقع السرد في ثنائية الحضور/الغياب، فالأماكن والشخصيات الحاضرة في النص الروائي تقع في حالة تهميش، أو اغتراب واضح، وهنا يستولي على شخصية البطل ـ علي عليوه ـ حنين دائم وجارف إلي الصورة الأولى وجوداً وتاريخاً محفوريْن في أعماقه ومن هنا يظهر هذا الإنسان الذي يحاول توحيد ذاته المتشظية وروحه الغارقة في لُجّة الضياع، وتأتي لحظة خروج البطل الوحيدة من المدينة إلى القاهرة إبان ثورة يناير ـ وهو الحدث الأعظم في الزمن الحاضر ـ باعتبارها إشراقة أمل واستعادة غالية لتاريخ من الحرية والمقاومة الذي عاش فيه وحلم باسترجاعه.
الشخصية والمكان :
تتسم لغة السرد في تلك العلاقة بالغنائية والتشكيل الجمالي الشعري، فبطل الرواية “علي عليوه” كاتب المواليد والوفيات – وهي مهنة واقعية ذات بعد رمزي – باعتباره هذا الشاهد/الرقيب علي تاريخ أبناء المدينة، يظهر دائما في حالة انغمار نفسي وعاطفي، في معية العشق و التدامج مع المكان “بورسعيد” ويلجأ الراوي إلى ضمير المٌخاطب الذي يمنحه فرصة مراقبة الشخصية وتأملها في حركتها الدائبة، متداخلاً مع ضمير الغائب الذي يفتح مجالاً للاحتكاك بالشخصية و وصف تفاصيلها وعالمها المترامي .
كما يتسم السرد بالكثافة وينحاز إلي المجازية، ويتحكم الراوي في علاقة الشخصية بالمكان حتى يحقق تناميا سرديا تقوم فيه اللغة بدور كبير لتحقيق هذه الفاعلية الجمالية، و يعكس هذا المشهد شعرية الحالة :
” تتهيأ بوهج أنفاسك .. وتتخذ سمتًا في الضباب .. تتحرك ثملاً .. تتحسس طلاء الحوائط، فيسقط عنها لونها نضرًا و زاهيا .. تتبدى بيوت الإفرنج بطرازها الأوربي وقد علاها التراب .. ينفخ ويمشي مسحورًا تنعكس علي المرايا المواجهة رغبته في بلوغ الميناء وما إن يبلغ شارع محمد علي آتيا من الجنوب حتي ينعطف شمالاً . الظلمة خافتة كأنها غلالة حلم تحجب الظلال في شوارع تتداخل فوقها بقع الضوء.. شوارع خلت إلاّ منه ، تداخلت بقع الضوء التي تجلت علي رصيف الميناء، نظرها بحب وهو يسير مأخوذًا، توقف وتملّى المنظر حتى دخله المعنى مجتاحًا ومستقرًا .. سأفيق على أمكنة حية ما تزال تتناوشها أسماك العمق، ينتصب في المكان العنبر المشيّد بالطوب الوردي الأملس ، أسيرا مأخوذًا، يجتذبني التراب الممغنط بدم الشهداء “.
المدينة والتاريخ المشرق:
تعمل تقنية الاسترجاع على تحويل السرد إلى ذاكرة حاضرة تنبش في ذاكرة قديمة وتتعدد مداراتها بين الفضاء المكاني والفضاء الاجتماعي، ففي الفضاء الاجتماعي ترصد روح المقاومة وحالة الاستنفار التي تلبست الصغار والكبار في الذود عن المدينة و صدّ العدوان الثلاثي والدفاع عن كرامة الوطن وهو رصد لا يكشف عن حالة الخوف و الجزع الحذر؛ إنما يحتفي بحالة البهجة والسعادة والشعور بالزهو والنشوة :
“جلسنا على حواف البالوعة الخرسانية فوق الرمل الناعم المجلوب من الشاطئ ورحنا نغني … رفعت أنت الطبق الصاج الذي كان عليك أن تحضر لهم فيه الفول المدمس للعشاء وراحت أصابعك تتدافع عليه فيخرج الإيقاع منتظماً يعلو الرنين (إيدين وبن جوريون وموليه .. جايين يحاربونا على إيه .. هو الكنال دي في أراضيهم) الإيقاع يعلو فتشتعل الحناجر التي أخذت تهدر وراءك ونحن اندمجنا مع الحالة بالأكف الصغيرة نصفق، فيعلو الإيقاع آتياً من حواف الساحة كان ينزل علينا ليسبح وجودنا تحت وجوم الليل قريبًا من قلوبنا ومن الشرفات التي بدت معلّقة في الفضاء”.
كما يعتمد الراوي في وصف الفضاء المكاني على منظوره الخاص متضافرًا مع منظور الصورة الشعرية والتي تعكس أيضاً حالة القوة، روح الشجاعة، والبسالة، التي تلبست المكان:
” كانت كأنها النسور، حطت على الأرض، تنشب مخالبها في الرمل، وتقف موزعة في خطوط متناسقة، تخترمها الساحات، تلك هي عمارات ناصر التي بنيت في بداية ستينيات القرن الماضي ..أخذ يحك عينيه في حوائطها الجهمة عله يجد ما خطته الروح يوم أن غرز سبابته في الرماد وخطّ : الموت للأعداء”
المدينة والواقع المناقض :
يتجلى انحياز الراوي القيمي والإيديولوجي من خلال رصد حالة الانتكاسة والتراجع التي أصابت المدينة ومسختها سواء أكان على المستوى المعنوي أم المادي إذ إن سياسية الانفتاح التي اتبعها السادات، شوّهت وجه المدينة، فانزلقت بها من منعطف إلى آخر من تاريخ للبطولة والصمود إلي سوق رائجة للبضائع من كل صنف، إنها زيفت التاريخ ومسخت الأفراد وتاجرت بقيمهم، أو ربما أصبح المال هو قيمتهم الوحيدة :
” ..أين هو الأفضل ؟؟ والأسوأ يجتاح .. يغتصب .. كهذه الموجات التي تتدافع به في نهر الشارع .. كراتين كثيرة متراصة في نهر الشارع، والبضائع بين أيدي اللاهثين تنتقل زائفة وبراقة تتخطف المتهافتين، وقد أتوا من كل حدب وصوب إلي هذه المدينة التي انفتحت بعد القرار الجمهوري الذي أصدره السادات .. ورق البنكنوت يجتاح مخرفشًا .. رنين المال خلاب .. والغالبية يرقصون إلاّ نفسه التي – فجأة – قالت له: ماذا يعجبك في شارع أصبح لعنة حقيقية .”
كما يتكرر خطاب الإدانة في صورة أخري علي المستوي المادي الجمالي حيث فقدت المدينة رونقها وهويتها العمرانية وجمالها الفاتن وانزلقت دون أدنى مقاومة إلى عشوائية صارخة وربما تأتي هذه الحالة نتيجة لتخليها عن دورها ومكانتها كما يصف الراوي:
” كلهم يتفقدون شوارع خلت مما يدلّهم علي أنفسهم، أبراج شاهقة قامت تعاركت فيما بينها، بعد الحرب لم تزل سوى بيوت قليلة، فقال مسامراً نفسه: نجح السلم في ما لم تنجح فيه الحرب .. وهو تغيير وجه المدينة فها هي الأبراج تناثرت متخللة البيوت الخشبية، ولا غير تقطيبة سؤال تواجههم في جبينه عما كانوا يحلمون به؟! ..”
الثورة و حالة الانعتاق :
مع أحداث ثورة يناير تتبدى حالة الانفتاح المادي والمعنوي للرواية، فعلى المستوى المادي يتسع المكان ليتجاوز حيز المدينة عبر أماكن أخرى في طريق السفر والعودة ومناطق مختلفة في القاهرة ومنها ميدان التحرير، كما يظهر البطل وهو المحب للعزلة والفردية وسط حشود غفيرة من الجماهير، بينما على المستوي المعنوي فإن الذاكرة والحلم يتحولان إلي واقع مشهود فهاهي روح المقاومة والحرية ـ التي جسّدتها المدينة ـ تسري في أرجاء الوطن كله، وهنا تشعر الشخصية بحالة الانعتاق الروحي والنفسي والعاطفي ، ويستجمع الراوي كل قوى التصوير في كاميرته ليصور هذا التحول الخطير حيث يتماهى مع الجموع ويتمظهر المشهد تمظهراً تشكيليا وحركياً يبرز عظمة وقداسة هذا الحدث :
” حشود حول قلبه تضخ دفئًا آتيا من كافة أنحاء مصر جماعات كانت تمشط الشوارع (يا أهالينا يا أهلينا إحنا بنهتف ليكو ولينا) ربما ما تراكم في النفوس من قهر هو ما دفع الناس الي الميدان راح يهجس بذلك وهو منصرف وراء صوته الذي أخذ يهتف مع الهاتفين .. يخرج من داخله حماس يجعله لا يحس برد يناير القارس كانت الحشود تصب في ميدان التحرير الذي شغل فيه مجرد نقطة، تتجمع الجماعات وتسير تهتف بحماس بالغ تمشط شوارع القاهرة التي بدت له مختلفة ذلك اليوم وهو بين الحشد محشور يهتف بحماس بالغ ” .
ـ______________________________________
الهوامش :
1- د. عبد البديع عبد الله ، الرواية الآن ، ص 75
2- د. أمينة رشيد ، حول بعض قضايا نشأة الرواية : ،مجلة فصول ،المجلد السادس 1986م، ص 99
3 – د. نبيلة إبراهيم ،قص الحداثة ، مجلة فصول المجلد السادس 1986م ص 111
تزامنا مع شهر رمضان الكريم صدر هذه الأيام كتاب “رمضان زمان في تونس بين العادات والتقاليد” للدكتور الباحث أنيس المحجوبي، ليرصد من خلاله مؤلّفه ملامح الحياة الرمضانية في المجتمع التونسي في فترات سابقة.
في هذا الكتاب، يرصد المؤلف ما ارتبط بهذا الشهر من مظاهر روحية واجتماعية وثقافية ويحرص على توثيق العادات والتقاليد التي ميزت رمضان في الذاكرة التونسية، سواء في طقوس العبادة والتضامن الاجتماعي، أو في تنوع الأطعمة والمأكولات التي كانت تحضر على موائد الإفطار والسحور، إلى جانب ما كان يرافق ليالي رمضان من سهرات عائلية وألعاب شعبية وأنشطة ثقافية وترفيهية. وفي محاولة من أنيس المحجوبي لاستحضار جانب من الذاكرة الجماعية للمجتمع التونسي وإبراز ثراء تراثه الرمضاني.
وجاء هذا الكتاب حسب مؤلّفه “في إطار محاولة توثيقية تسعى إلى استعادة صورة شهر رمضان كما عاشه التونسيون في الأزمنة الماضية، لا باعتباره مجرد فترة زمنية من السنة الهجرية، بل باعتباره فضاءً اجتماعياً وثقافياً وروحياً تتقاطع فيه الممارسات الدينية مع العادات اليومية، وتتداخل فيه مظاهر التعبّد مع أنماط العيش والاحتفال والتلاقي الإنساني… فالكتاب ينطلق من فكرة أساسية مفادها أن شهر رمضان في المجتمع التونسي لم يكن فقط شهراً للصيام والعبادة، وإنما كان أيضاً موسماً غنياً بالطقوس الجماعية التي تعكس عمق الهوية الثقافية للمجتمع وتبرز تنوع ممارساته الرمزية والمادية”.
وقد ركّز الكتاب بين تفاصيله على البعد الروحي والديني الذي شكّل قلب التجربة الرمضانية في تونس عبر التاريخ، حيث ارتبط شهر رمضان لدى التونسيين بمظاهر إيمانية عميقة، تجلت في الإقبال على المساجد لآداء الصلوات، خاصة صلاتي التراويح والتهجد، وفي الإكثار من تلاوة القرآن الكريم وحضور حلقات الذكر والدروس الدينية التي كانت تنتظم في الجوامع والزوايا، كما كان لهذا الشهر حضور قوي في الوجدان الجماعي من خلال قيم التضامن والإحسان والتكافل الاجتماعي، حيث تتكاثف أعمال الخير وإطعام الفقراء وتبادل الزيارات العائلية، فتتحول الأيام والليالي الرمضانية إلى فضاء للتقارب الإنساني وإحياء الروابط الاجتماعية ليصبح بذلك هذا الشهر لحظة زمنية متميزة تتجدد فيها القيم الروحية وتُستعاد فيها معاني الصفاء الداخلي والتقوى.
ولا ينفصل هذا البعد الروحي عن الجانب المادي واليومي الذي يتجلى خصوصاً في عالم الأطعمة والمأكولات الرمضانية وأشار الكتاب إلى أن الموائد التونسية شكّلت خلال رمضان مجالاً خصباً للتنوع والإبداع الغذائي، حيث ظهرت أصناف عديدة من الأكلات التي ارتبطت وجدانياً بهذا الشهر وفي هذا الإطار يعرض الكتاب تصنيفاً دقيقاً لهذه الأطعمة، فيميز بين أطباق الإفطار الأساسية مثل الشوربة والكسكسي وأنواع الطواجن، وبين الأطعمة الخفيفة التي ترافق السهرات الرمضانية، إضافة إلى الحلويات التقليدية التي تزيّن الموائد مثل الزلابية والمخارق والبقلاوة والمقروض وغيرها من الأصناف التي أصبحت جزءاً من الذاكرة الغذائية للتونسيين.
كما يتناول الكتاب الدور الذي لعبته الأسواق الشعبية والحرفيون وصناع الحلويات في إحياء هذا التراث الغذائي، حيث تتحول الأسواق إلى فضاءات نابضة بالحياة تعكس حركة المجتمع وتقاليده الاستهلاكية الخاصة بهذا الشهر.
وإلى جانب البعدين الروحي والمادي، يسلّط الكتاب الضوء على الجانب الثقافي والفكري الذي ميّز ليالي رمضان في تونس ليشير إلى أن هذه الليالي كانت مناسبة لازدهار حلقات الأدب والشعر والسمر الثقافي، حيث يجتمع الناس في المقاهي أو في البيوت للاستماع إلى الحكايات الشعبية والقصص التراثية، أو لمتابعة العروض الموسيقية والإنشاد الديني، كما ذكر الكتاب أن المجالس الرمضانية شكّلت فضاءً لتبادل الأفكار والنقاشات حول القضايا الاجتماعية والثقافية، مما جعل من هذا الشهر موسماً ثقافياً حقيقياً تتلاقح فيه المعرفة الشعبية مع أشكال التعبير الفني المختلفة.
أما تناول الكتاب للجانب الترفيهي خلال رمضان فكان من خلال التعرض له كعنصر كان بدوره حاضراً بقوة في الذاكرة الرمضانية التونسية، إذ تحولت السهرات الليلية بعد الإفطار وصلاة التراويح إلى لحظات للمتعة الجماعية والتواصل الاجتماعي حيث كانت الأزقة والساحات تشهد ألعاباً شعبية متنوعة يمارسها الأطفال والشباب، كما تنتشر في المقاهي ألعاب تقليدية مثل الورق والدامة وغيرها من وسائل الترفيه التي كانت تضفي على ليالي رمضان أجواءً من الألفة والمرح لتكشف هذه الممارسات عن قدرة المجتمع التونسي على التوفيق بين روحانية الشهر ومتطلبات الحياة الاجتماعية، بحيث يصبح رمضان زمناً يجمع بين العبادة والفرح الجماعي في آن واحد.
وعموما ومن خلال هذا الإصدار التوثيقي سعى الباحث إلى حفظ الذاكرة الرمضانية التونسية وتدوين مظاهرها المختلفة قبل أن تطمسها تحولات الزمن وتسارع أنماط الحياة الحديثة حيث لم يكتف بسرد العادات والتقاليد، بل حاول تحليل دلالاتها الاجتماعية والثقافية، مبرزاً كيف استطاع المجتمع التونسي أن يطوّر عبر التاريخ أنموذجاً خاصاً للاحتفاء بشهر رمضان يجمع بين الأصالة والتنوع. وهكذا يشكّل هذا الكتاب مساهمة في دراسة التراث الاجتماعي التونسي، ومحاولة لإعادة إحياء صورة رمضان كما عاشته الأجيال السابقة بكل ما حمله من روحانية ودفء إنساني وغنى ثقافي.
جدير بالذكر أن مؤلف هذا الكتاب الدكتور أنيس المحجوبي هو من موليد مدينة الزهراء بولاية بن عروس وهو متحصل على الماجستير والدكتوراه في التاريخ المعاصر وفي الحضارة العربية، كما أنه حائز على الأستاذية في اللغتين الإيطالية والألمانية وسبق أن نشر عدة كتب منها “اليهود في تونس” و”الديوانة التونسية زمن الاستعمار” و”الديوانة التونسية ودورها في الاقتصاد الوطني”.
القيروان تدهشك بأسرارها كما تفعل العرائس الروسية التي كلما كشفت عن وجه واحدة نجمت لك أخرى في نفس الجمال وأكثر… ففي كل المضارب لها خيمة، وفي كل العصور لها شاعر، وفي كل الأغراض معلّقة… وفيما فيروز تصدح بحُصرية “ياليل الصب”، ويجيبها عبد الوهاب بمعارضة من الشوقيات، يقتفي الرواة والناشرون أثر ابن رشيق شاعرا وناقدا، وابن شرف شاعرا وموسوعيا، وتكرّ سبحة الأسماء حتى زمننا الحديث من الشاذلي عطا الله إلى محمد الفائز إلى جعفر ماجد إلى ما سمي في الثمانينات بـ “مدرسة القيروان” المتصوفة (الوهايبي، القهواجي، الغزي…) إلى هذا الشاعر المتفرّد حقا في وقتنا المتخم بالمتشابهات: عبد الرحمن الكبلوطي…
الكبلوطي اقتلع مكانه في ستار الكعبة القيروانية على ازدحامها بالحُجّاج والمنشدين، سالكا إلى ذلك دربا قلّ أن سلكه غيره… فهو شاعر له نبرة خصوصية تعرفها من دون أن تتعب في اسم صاحبها، وقد نعود يوما إلى ذلك… ولكنك وأنت منشغل بأشعاره الرامية أغصانها على الخمسين سنة الأخيرة (ولا أكبّره) يفاجئك بين فينة وأخرى بمصنّف غير شعري وإن كان على وشيجة بالشعر… إنه التوثيق والتحقيق لشعراء آخرين قد تكون أغفلتهم الذاكرات، أو تغافلت عن زوايا من عطائهم، فيما أضاءت بقوة أركانا أخرى لنفس الأعلام…
سبق للكبلوطي أن أثرى المدوّنة البحثية بمؤلفات عن امرئ القيس والشعر الفرنسي وأنطولوجيا عن شعراء القيروان عامة، ثم بتحقيق دواوين لمحمد الفائز القيرواني والشاذلي عطا الله… وهاهو أخيرا يصدر عن دار الأمينة للنشر والتوزيع، كتابه الجديد “قصائد الشاعر الرائد صالح سويسي القيرواني”… وهو أيضا ثمرة جمع وتحقيق وتبويب مضنية، ولكن حصيلتها إنصاف لا ريب فيه لشاعر ومصلح يجهله كثيرون، ويظلم مكانته كثيرون أيضا…
يقع الكتاب في 259 صفحة (بما فيها الفهارس والحواشي) من القطع المتوسط وطباعة جيدة الحرف والورق، ويتحلى غلافه الأول بصورة المحتفى به ، فيما يقدم غلافه الأخير نبذة عن المحقق وسوابقه شعرا ونثرا ودراسة ومسرحا… ولكن الأهمّ من هذا حرص محقق القصائد على مقروئيتها شكلا وموضوعا…
فبعد مقدمة تترجم للشاعر وحياته ومؤلفاته… وتفسر وجاهة اختياره وتحدد تموضعه في الحركة الأدبية والسياسية والإعلامية مطلع القرن العشرين… ينحو المحقق إلى إعطاء فكرة عن تنوّع القصائد وفتح شهية القارئ لتناولها قصيدة قصيدة حين يأتي دورها… كما يبيّن طريقة اشتغاله على مادة شعرية متناثرة بين الصحف القديمة ومصنفات دارسين سابقين ونسخة أولى من “ديوان” لقصائد الرجل كانت مشوّشة حافلة بالنقائص … دون أن ينسى سواء عند عرض هذه القصائد أو انتقاء أبيات منها في المقدمة، أن يشير كعادته إلى البحر العروضي الذي اتزنت به، عائدا دون قصد إلى هويته التعليمية الصارمة، وغامزا ـ داريا أو دون أن يدري ـ من قناة بعض شعراء الزمن الأخير المختلة أوزانهم كما تختلّ لغتهم وقرائحهم…
بعد جمع المتن الشعري وتصحيح أخطائه، عمد المحقق إلى تبويب هذه القصائد حسب أغراضها، ووضع لكل باب عنوانا مسجوعا كأنه لكتاب من عصر خال، وهو أقرب لشخصية الكبلوطي ظرفا وبلاغة… وإليكها:
ـ حب القيروان الأبية… وأجواؤها الروحانية
ـ خدمة الأوطان بالعلم والإيمان
ـ مجتمع الخطوب ومستودع العيوب
ـ خواطر وتأملات من تجارب الحياة
ـ حسن التوجيه في رحلات الترفيه
ـ أثر الثقافة ودور الصحافة
ـ فكاهات ومداعبات في المجالس والمراسلات
ـ المدح والتهاني مع أخلص الأماني
ـ قذائف الأهاجي، من مِنها الناحي؟
ـ رثاء الأصدقاء ومناقب العظماء
إلخ
وبين معابر هذه القصائد وأبواب عرضها، تجد نفسك مجايلا للشاعر مجالسا له، معاشرا للناس والخطوب ممن ومما عاشر وعاش… فقد عمّر صالح السويسي بين سنتي 1871 و1941، سبعين حولا لم يسأمها كما فعل زهير بثمانينه، واخترق في زمنه أحداثا امتزج بها أو سمع عنها أو رمت بظلالها على بلده ووجدانه ولو بعد أمد… ففي سنة ولادته انهزمت فرنسا أمام بيسمارك، وما عتمت بعد عشر سنوات أن استعادت سطوتها ولكن جنوبا، حيث احتلت القطر التونسي الذي ظل عصيّا عليها طيلة نصف قرن من استقرارها بالجزائر قبل ذلك… كما تخللت الفترة حربان عالميتان، ومؤتمر صلح وثورة مصرية أدت إلى تحرر نسبي… في الأثناء أيضا نشأت ثم تفجّرت حركة وطنية ونقابية وثقافية تونسية محتدمة… ورافق ذلك انفتاح نوافذ وروافد، ومحاولات نهضة وإصلاح، ومدارس فكر وأدب وفنون… وظهرت أسماء محمد عبده والشابي وقاسم امين والطاهر الحداد وطه حسين وحافظ وشوقي … وهبت رياح أدب المهجر وأبوللو وتحت السور والرشيدية وزخم الصحافة والمسرح لما بين الحربين…
ولد السويسي كما ذكرنا سنة 1871 في مدينة القيروان، منارة شمال إفريقيا وحاضرة بني الأغلب، وأرض “حصباؤها درّ ومسكٌ ترابها” وأضاف قائلا فيها:
بلاد لها عزّي وغاية مطلبي
ونفسي لها تصبو على منتهى البعد (46)
أو:
يا جنة الخلد بل يا قيروان ومن
حبي لها فاق عن وصف وتبيين (62)
وجال في ثناياها معيدا تذكارات مجد ومتنهدا على عهود ذهبية ابتعدت، فكان هذا التصوير الأندلسي الروح، للفسقية القيروانية:
وعشية راقت ببركة أغلب
حيث المياه جرت بأحسن منظر (48)
هذا عن المكان… أما الزمان فهو فترة ظلام وجهل وفقر وتخلف، زاد عليها الاحتلال الأجنبي سوءا على سوء… فإذا بالسيد يُستعبد، وبالعزيز يُذل:
فالله قد جر الشقاء لذا البلد
ولكم سلاه المجد والعيش الرغد (92)
ما أبعدنا عن رغيد عيش غابر، أما في تلك الأيام فقد:
تغيّرت البلاد ومَن عليها
ودون رجوعها خرط القتاد
تلبّد في أفاق الفكر جهل
فأوجب كل شرّ في العباد (72)
ويفصّل شاعرنا مظاهر البؤس التي رانت على البلاد والتي منها أيضا بغي المترفين وتفاقم الظلم المؤذن بخراب العمران، على حد تعبير ابن خلدون:
يجور الظالمون وبعد حين
ويا ويل الذي في الكون جارا (74)
ينذرهم ويعيد عليهم ما قيل في فراعين الماضي:
قل للألى بغرور الملك قد فتنوا:
آثار من غبروا درس إلى الجيل (54)
وقت فسدت فيه الرعية بعد الراعي:
سرت المطامع في الورى
فجميع اهل الارض أشعب (103)
شعب فيه فاسدون وطمّاعون، ولكن فيه كادحون شرفاء، فإذا به يهتمّ بوضعهم على غرار ما فعله معاصراه الحامي والحداد، فهاهو مع عمال مات منهم من مات في حريق بمصنع:
وقد كان قبل الصبح يذهب باكرا
ليكسب أجرا قدر ما يحمل الظهر…
مضى عنهمُ صبحا وعاد إليهمِ
حريقا، فكيف اليوم يُمتلك الصبر (93)
ولكنه يلتفت إلى النخبة فيجد تذبذبا عكس الرواية الرسمية التي سادت بعد عقود:
فالشعب ينظر حائرا
لم يدر للزعماء مذهب (103)
تماما كما خاب ظنه في رجال الدين:
خطباء هذا العصر خطب في الورى
ووجودهم ضرب من النكبات
لا لوم إن تبدو المساجد فرّغا
والعذر بان لتارك الصلوات (90)
فإذا به يهبّ في أبناء البلاد خطيبا بدوره:
يا أهل تونس قومي استدركوا رمقا
من عزكم قد أراه اليوم منقلبا
هيا ادفعوا عنكمُ دهماء مظلمة
سحابها أرعدت ما أرسلت صببا (69)
الواقع نفسه كان يمر به ما جاورنا من ديار بني يعرب، وكذا الدعوة إلى نهوض بدأت بوادره هنا وهناك:
ما آن أن تنهضي يا أمة العرب؟ (70)
وفعلا فقد أطلّت بشائر إصلاح وتيار تنوير حمل رايته مصلحون كبار منهم الشيخ المصري محمد عبده، وقد عبر السويسي عن عرفانه لهذا العلَم العالم، وقال محزونا حين بلغه خبر وفاته:
والعلم منذعر لموت إمامه
وتصدعت مصر البلاد وهنده (194)
ويبدو أن دعوات شاعرنا للإصلاح قد ألّبت عليه أكثر من مؤلّب:
فكم خائن تحت الخفا يتستّر
وفي صحف الأعداء دوما يحرر (76)
يحررون في صحافة العدوّ، وأيضا في تقارير وشاية إلى سلطة المستعمر، وما لبث ذلك أن رمى به سنة 1897 في دياجير العقوبة والمنفى إلى الجنوب التونسي:
فكم فوّقوا نحوي سهاما من الأذى
وصاغوا من الأقوال كل مفنّد
رموني إلى الأعدا بكل سعاية
وصرت عن الخلان أشهر مُبعد* (45)
إبعاد زجري وتغريبة شقاء دونما شك، إلا أن المنفى يخفّ لظاه مع حفاوة توزر وأهل الجريد بضيفهم القيرواني، حفاوة بلسمت بعضا من جراحه وتركت فيه أثرا طيبا:
تجردت في ارض الجريد عن الضنى
وعافية ألبستُ قد حلها الركب
بها الهمم القعساء والفخر والأُلى
نموذجا في توزر صانها الرب (127)
لعلها نوع من التضامن الوطني يتجاوز الأشخاص إلى المصير المشترك، وها أن شاعرنا يَنشُد حب الناس فينشد:
انا شاعر كالطير حل بأرضكم
أغنّي على الأغصان في وضح الفجر
أريد التقاط الحَبّ بالحُب فيكمُ
فان لم أجد حُبّا رجعتُ إلى وكري (96)
ويختم بَوْحه باستشراف نهاية للطغاة شبيهة بوعيد الشابي في “حذار”، ولعلها نفس روح النبوّة الثائرة ترى بعين الشعر ما لا تدركه عيون الساسة:
أرى تحت الرماد وميض جمر
ويوشك أن يصير إلى اتقاد (73)
أما من حيث “التقنية” الشعرية، فيمكن أن نقول إن السويسي خزّاف متنوع الصنعة مشتغل على صلصال القصيدة في مجمل أغراضها، من الرثاء إلى الحماسة كما رأينا، إلى الهجاء وهو فيه جريريّ الإيلام:
يا ايها الاعور المنحوس طالعه
ابشر باخذ شديد البطش مقتدر (هجاء 189)
يعني قذفا وتهديدا، لم يكن سهلا هذا الرجل ! ومن الهجاء ينقلب صاحبنا إلى المدح، وهل خير من الرسول الأكرم مستأهلا لهذا:
يا (مصطفى) أنا في جمالك عاشق
ولقد تركت هوى الذي لا ينفع (50)
عشق واهتداء أيضا:
فكم ضل الذي قد تاه عشقا
ومن يهوى الرسولَ فلا يضلّ (52)
ولعل هذا الضرب من المديح النبوي أكرم وأسلم عاقبة من غيره:
مدحنا اناسا لا مروءة عندهم
وفعلهم من فعل ابليس اشنع (114)
عشق النبيّ، وأيضا عشق الجمال كأيّ شاعر، وهاهو صاحبنا في إحدى الغزليات:
قلت يا ربة الجمال انعطافا
فالغواني من طبعهن السخاء (219)
قبس من الشوقيات؟ نعم وهو معترف بذلك ومؤكد حبه لأمير القافية، ولكن ذلك لم يمنعه من صوغ رقائق أخرى تمس بعذوبتها الوجدان:
ارى الحب منقوشا على كل صفحة
من الكون حتى في النبات وفي التُرب
تعانُق أشجار وتغريد طائر
وتقبيل اوراق وزهر مع العشب
…. وفي جذب انواع الحديد لبعضه
بقوة تاثير غرام بلا ريب (221)
بل ويجنح إلى الوصف الحسّي ويتفنن في ذلك منتهجا منهج الموشح الأندلسي أو ما يقترب منه:
تلك العيون السود
حرب على الأُسود
وانظر الى الخدود
شقائق النعمان (224)
كما أن شاعرنا اعترته أحيانا حالات وجودية، فإذا بقصيدته تنضو فيلسوفا معرّيّا متأملا:
عيش ونعش معدّ
لنقل تلك الرفات (105)
ويختزل معاناته الطويلة بأسلوب مهجري:
قاسيت في هذي الدنا
كل العنا
ومآل جسمي للفنا
يوم الرحيل (107)
…وجبراني حينا آخر، ألم يصدع صاحب “العواصف” ذات يأس من حضارة مصطنعة (باطلة هي المدنيّة وكل شيء فيها)؟ كذا فعل السويسي القيرواني، ولكن بأكثر تجريحا، في قوله:
كل تمدين تراه
زخرفا من صنع وَبْش (113)
وينزاح التعبير حينا آخر إلى ألسنة الحيوان وقصص الغاب الآدمي في حقيقته:
فجاءت الطيور للحمائم
تشكو إليها فعل ذاك الظالم (81)
وحينا ثالثا إلى توظيف ديكورات ألف ليلة وليلة:
فطار ذاك القصر في الفضاء
وصار ذاك الجمع في هباء (84)
إنها النهايات التي عرفتها كل الممالك الجائرة، أكانت من أهل البلد أو من الدخلاء عليه، ولكن ليس ألطف منها ما ينتهي إليه شاعر بعد رحلة عمر:
فلا يكسب الشعر صاع شعير
فرحمة ربي على الشاعر (110)
رحم الله هذا الشاعر العتيّ الذي لم نفِه هنا كل حقه وهو الذي كتب في هذه الأغراض كما كتب في غيرها، وقال سخرية أيضا وفكاهة وصحافة وترسّلا ووصف مدن وطبائع ناس، وملأ الدنيا في زمنه كما أقفرت منه في أزماننا وذاكراتنا… وأطالت القدرة عمر صديقنا أستاذ الشعر والنثر عبد الرحمن الكبلوطي حتى يضيء أمامنا مزيدا من الدروب التي جهلناها أو التبست علينا
بعد عملين من جنس النثر وهما “الأزهر…الجنرال الفارس” و”حنبعل…الفرار الأخير” الصادرين سنة 2020 ومجموعتيه “لست أرى في النساء سواك” و”إلياذة تونس” المنشورتين سنة 2021 وروايته “أنطالاس” ومجموعته الشعرية “دراكولا الحب” المطبوعتين بالجزائر سنة 2022 ومجموعته “كل النساء…أنت” سنة 2023، صدرت مؤخرا عن دار وفاء للنشر المجموعة الشعرية “المسافة صفر” للشاعر وليد السبيعي وهو من مواليد سنة 1979 بالكاف وطبيب أسنان متخرّج سنة 2005 من كلية المنستير.
وجاءت هذه المجموعة في 91 صفحة ضمت بين دفتيها 31 نصا أدبيا مهداة كلها الى “الصامدين على آخر الأسوار… بدمائهم يردّون مغول العصر…” وإذ تنحت هذه النصوص من صميم واقع مرير يعيش على ايقاع حزنه الشعب الفلسطيني وفي ايجاز وتكثيف شعري يختزل هدير الموت ونبض الحياة من خلال مشاهد متضادة تمنح النصوص بُعدًا ملحميًّا يتجانس صوتيا ويتماثل تركيبيا ويتقابل دلاليا مع بعد غنائيّ اخر يجمع بين ثنائيّة الموتِ والحياةِ في لغةٍ إيقاعيّةٍ تتعاضد فيها الوظيفةُ التّأثيريّةُ والوظيفة الإنشائيّة.
يعتمد الشاعر في ديوانه هذا، إيقاعِ الحروفِ و التّوليدِ اللّفظيِّ بما يشكلِ نانصهارا في القضية الفلسطينية وعذابات أبناء غزة وعبر إيقاع جنائزيّ حزين ومن خلال صورٍ تجسّدُ فاجعةَ الموتِ والفقدِ و الوَجَعِ والألمِ فالشاعر اختار ان يكون لنصه معنى ومن منطلق قناعته انه لا معنى للكتابةِ و للإبداعِ مطلقا إنْ هو تخطّى الواقعَ وأقصاه.
كما تأخذنا هذه المجموعة في رحلة تبدأ واقعية حوارية عن ثنائية الحب والحرب والمعادلة الصعبة بين اليومي المتعوّد والألم والتشرّد وعذابات الذات وأوجاع التّاريخِ لتنتهي ملحمة شعرية تؤسس لأسطورة المارد الفلسطيني.
ويوغل النص الشعري في السرد وهو يروي حكاية الحياة اليوميّة للشعب الأبيّ في شكل درامي حواري أقرب الى السينما والصورة التي جعلت مما يحدث في غزة هوليوودا واقعية وخالدة عرى بها الشاعر زيف هوليوود ونفاق الغرب، وهنا تكمن قدرة الشاعر على صياغة نص جامع بين الفنون الشعرية والسردية الروائية والسينمائية الفرجوية لان عذابات الفلسطينيين أكبر من أن يعبّر عنها شكل ابداعي واحد.
وقد تمكّن الشاعر من خلال مجموعته هذه من تحويل الوجع الفلسطيني الى أسطورة ملحمية تختزل الصراع الأزلي بين قُوَى الحياةِ وقُوَى الموتِ ذلك انه كما قال عن هذه المجموعة الناقد “رضا الجبالي” في عصر التّغييبِ القسريِّ ومحاولاتِ القطعِ الجماعيّةِ يُكتَبُ الشّعرُ ليبقى ويخلُدَ”، وقد اشتغل الشاعر وهو جرّاح أسنان من خلال هذه المجموعة على رتق آلام الفلسطينيين وغرس جرعة أمل بالانتصار في بصيرتهم مستعملا لا الادوات الطبية بل أدوات شعرية خاصة به لم نعهدها في مجموعات شعرية مماثلة.
السبيعي جمع بين الشعرية والسردية والتصوير الحيّ عبر الكلمات للآلام والامال وهو ما يغري بمزيد استقراء هذه المجموعة التي جاء غلافها هدية من الرسامة الفلسطينية منال القدومي وهي حاليا طبيبة أسنان في فرنسا وقد سبق لها ان درست طب الأسنان في تونس،
يشار إلى أن وليد السبيعي نشر مجموعته “المسافة صفر” لتوزع مجانا وليست للبيع لقناعة الشاعر بأن فلسطين هي قضية شعب وعمر وليست مطية لربح المال.