تابعنا على

لمْسُ نار

بيّاع كلام …

نشرت

في

مررت بأنهج المدينة العتيقة فاستوقفتني لافتتة حديثة كُتب عليها ” هنا بيع الكلام”.. دفعني الفضول للتثبت و التوقف فلعلّ صاحبها يبيع الكلاب و لم يتفطن إلى الخطأ الذي تسرّب إلى اللافتة.

عبير عميش

وجدت شيخا سبعينيا يجلس على كرسي في عتبة المحل ّفقلت بعد السلام : ” يا عمّ.. يبدو أن الخطاط غالطكم و لم تتفطنوا للخطأ… لقد كتب” بيع الكلام” بدل أن يكتب “بيع الكلاب” فضحك الرجل حتى كاد يسقط أرضا ـ كما يُقال في كتب الإنشاء ـ ثم قال بهدوء : أبدا لا يوجد أي خطأ… تفضل شاهد بنفسك… نحن هنا فعلا نبيع الكلام.. حسب طلب الحريف و مزاجه.. دخلت المحل برجلي اليمنى كما طلب مني _ تبرُّكا _ فوجدت قوارير بلّورية و علبا مخملية و صناديق صغيرة بألوان مختلفة مرصوفة على الرفوف غايةً في النظام و التنسيق…

قال: المحلُّ على ذمتك اطلب ما تريد و نحن نزِن لك و ” كل قدير و قدرو” … ثم فسر لي طبيعة العمل و التعامل… هنا لكل حكمة سعرها و لكل مجال في الحياة مكياله و لكل قائل قيمة مغايرة… طلبت تقليب البضاعة فقال البضاعة لا تُلمَس و لا تُقَلَّب و لا تُستبدل .. الكريدي ممنوع و الشراء بالحاضر … طلبت قولة بسيطة لا تكلفني الكثير.. فتح علبة بجانبه و أخرج منها لفافة بردي صغيرة و بعد أن نقدته ثمنها اشترط الاّ أفتحها الا في البيت حتى لا تطير بركتها… وافقته و قد ٱضمرت مخالفة أوامره…

ودعته و خرجت من الدكان و أنا أشعر كأن مغناطيسا خفيّا كان يجذبني إليه.. سرت في الطريق أفكر في ما حصل.. لقد اشتريت بضاعة لا أحتاجها.. و أتساءل عمّا جعلني أنساق وراء كلمات هذا العجوز.. إنّه بيّاع كلام ماهر… يُحسن عرض بضاعته و الإعلان عنها… فكرته طريفة جعلتني أقع فريسة لإغرائه، لكنني لا أعتقد أنه قادر على الاستمرار و المواصلة فمنافسوه كثرٌ و الكلمات ملقاة على قارعة الطريق…

في بلادنا لا شيء أكثر وفرة من الكلام.. ما حاجتي لشراء كلمات و نحن شعب يعيش بالكلام و للكلام … كل العرب صناعتهم الكلام و معجزتهم مصنوعة من كلمات. و العربية هي أكثر اللغات مفردات بما يفوق 12 مليون و 300 ألف كلمة ( ترد بعدها مباشرة اللغة الإنجليزية ب 600 ألف كلمة فقط) نحن لا ننتج إلا كلاما و لا نبيع إلا كلاما… و إن كان الكلام في العربية ثلاثة أنواع اسم و حرف و فعل… فإنا لا نعترف ” بالفعل ” أبدا .. و الكلام عندنا كلمات معسولة لإغواء الحبيبة و كذب و تلوين لإغراء الحريف و وشاية للفوز بمنصب و صراخ لجذب الانتباه و تسريب لتهديد المنافس و إشاعة لتدمير الخصم ….

في وسائل إعلامنا لا نسمع إلا كلمات من قبيل صرّح… قال… أخبر… حاور… تحدّث… ألقى خطابا… أما دشّن و أنجز و خطّط و أقام و فعّل و أنشأ و حقّق .. فأفعال مُهمَلة لا تدخل ضمن فاموسنا اليومي.. رؤساؤنا و نوّابنا و مسؤولونا يتبادلون الاتهامات و يسددون لبعضهم البعض كلمات من نار و لكمات من هراء و هواء يشتمون بعضهم و يخوّنون بعضهم و يُشهِّرون بعضهم… و الشعب ينتظر دون أمل فلا مشاريع أنجزت و لا تطوير تحقّق و لا بنية تحتية شُيِّدت و لا عاطلين شُغِّلوا و لا لقاحات توفّرت و لا استثمارات جُلِبت و لا… و لا…

و لكن عن أي شعب أتحدث إذا كان هذا الشعب هو نفسه من أتى بهم إلى السلطة و وضعهم على كراسيهم… فالراعي و الرّعية من نفس الفصيلة الشعب نفسه مهووس بالكلام، استمرأ بيع الكلام فصار يناضل بالكلام… يدافع عن حقه بالكلام، بالشتم، بالتشويه، بالديغاج ، بالهاشتاغ… بالقص و اللصق… يعبّر من وراء جهاز… ينزل في مظاهرات كلامية مزلزلة ، يلقي خطبا رنانة ثم يعود إلى البيت فرحا مسرورا.. فإن طالبته بالفعل عجز أو تحجج بألف سبب و سبب… إن طالبته بالبناء و العمل أطلق في وجهك محاضرة صماء عن ضرورة توفر العدالة و محاربة الفساد قبل مطالبته بالعمل… ثم يعود إلى مقهاه ليواصل تدخين السجائر المفقودة و الثرثرة مع الأصدقاء…

فماذا يساوي جهده أمام حجم الدمار الموجود… لا أحد يبدأ بنفسه… لا أحد يغير نفسه.. لا أحد يصلح من نفسه… كلنا نتكلم عن الآخر و أخطاء الآخر و لا أحد يبادر بالفعل، و نكتفي بالصراخ و الاحتجاج و الكلام… نحن الشعب الذي يصنع أبطالا كل سلاحهم و عتادهم كلمات، نخلق ظواهر صوتية و أبطالا من ورق… جنرالات و قادة من كلام، فهذا يقود جيش الطباشير و الآخر يحاضر عن الكورونا و ذاك يرفع في وجوهنا كل اللاءات الممكنة و يرسم في طريقنا كل الخطوط الحمراء… كلام… كلام… كلام… و ها أنني المسحور بالكلام… تركت الكلمات الملقاة على قارعة الطريق.. لأشتري كلمات مجهولة من بائع غريب…

توقفت وسط الطريق و فتحت ورقة البردي… و أغرقت في ضحك هستيري أثار فضول المارة… لقد كتب عليها بخط كوفي قيرواني ” اذا كان الكلام من فضة فإنّ السكوت من ذهب” !

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لمْسُ نار

إصدار جديد: حين تراوح فاطمة التليلي بين الفرح والغضب، في “تسابيحها”

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

أتحفتني الصديقة الشاعرة المبدعة فاطمة التليلي حين وصلني منها اليوم إصدار جديد في شكل ديوانها الشعري الثاني بعنوان خفيف الظل مثلها: “تسابيح مملة.

صدر هذا الكتاب ذو الإخراج الجميل الأنيق عن دار “الثقافية للنشر والتوزيع ” التي مقرها مدينة المنستير، وذلك في 127 صفحة من القطع المتوسط. وتنتمي مؤلفته الصديقة الشاعرة الرقيقة فاطمة التليلي مهنيا إلى مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات بالمركز العمراني الشمالي بتونس العاصمة، غير أن ولعها بالقصيدة أكسبها مقاما إبداعيا يسلك طريقه بثبات في المدونة الشعرية التونسية.

تؤثث صفحات ديوان “التسابيح” بكل حب 83 قصيدة بأطوال مختلفة تتخللها تعبيرات تفوق عشرات الأبيات… في هذا الكتاب الجميل لم تتحدث الشاعرة عن القحط أو الظلامية بل حملت لنا معها موسوعة من حالات يأس و فرح و تردد ومواقف أنثى و صدق عاطفة و حتى غضب يطفو من حين لآخر، وتتراوح المشاعر خلاله بين الحيرة والجنون و الاشتياق والغرور و الانزلاق واغتراب روح شفيفة تبحث عن مكمن يليق بأفراحها وأحلامها السياسية أحيانا والتشكيلية أحيانا أخرى بتعابير أكثر فأكثر صدقا وقربا.

“تسابيح مملة” لا ملل منها على الإطلاق، بل هي جملة من الخفقات الفنية والإبداعية لشاعرتنا المحبوبة فاطمة التليلي ولا أضيف على ذلك، بل أترك المجال للقارئ حتى يكتشف ويستمتع، ولي حتى أتعمق وأعود بأكثر تفصيلا في مقال آخر.

شاعرة… في ساعة حلم
Motif étoiles

أكمل القراءة

لمْسُ نار

نيران مشتعلة

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبير عميش:

نيران هنا… ونيران هناك .. لكنها في النهاية تحرق القلب نفسه. ففي تونس، وفي كلّ المواسم والأعياد، تشتعل الأسعار، وبدل أن تشتعل الفرحة في قلوب الناس ترتفع الأسعار بشكل جنوني في كل السلع وكأنها في سباق ومنافسة محمومة دون رحمة ..

ملابس الأطفال التي كان يفترض أن تُدخل البهجة، صارت عبئًا ثقيلاً على الأُسر، والمواد الاستهلاكية —من حلويات ومشروبات وخضر وغلال وأسماك مملّحة في بعض الجهات — تحوّلت إلى رفاهٍ مؤلم وصارت وسيلة إضافيّة للضغط على المواطن الغلبان “اللي يشوف بعينه ويموت بقلبه أو يزيد يغرق في الديون والقروض …”. في بقية بلدان العالم، تُخفَّض الأسعار في مثل هذه المناسبات وتستقبل المحلات حرفاءها بأسعار تفاضلية وبعروض تحفّزهم على الشراء. أما عندنا… فتُستثمر الأعياد والمناسبات في استنزاف الجيوب.. وبين لهفة المواطن وجشع التاجر، تضيع فرحة العيد. لكن، هل هي مجرد حكاية محلية؟ أم أن الجشع بات لغة عالمية؟

في عالم أصبح فيه “تاجر مهووس” يحكم العالم، صارت الأزمات تُدار بجشع التاجر وعقلية الربح والخسارة لا بعقلية الحكمة والرصانة، فيُداس الانسان وتشتعل الحروب وفقا لرغبات و أهواء “شيلوك” العصر الحديث ، وتشتعل معها الأسواق وترتفع أسعار النفط والغاز ، وترتدّ ألسنة اللهب على كل بيت، حتى وإن كان بعيدا عن ساحة المعركة. ما يحدث في الشرق الأوسط غاية في العبثيّة ورغبة مسمومة في السيطرة على كلّ المواقع وخنق كلّ البلدان لفائدة “طفل مدلل” يتقن المساومة والابتزاز ويتعمّد قلب الحقائق وتسخير الوقائع لفائدته ..

حرب أرادوها خاطفة فغرقوا في وحل مستنقعها، ضربات من هنا وهناك ، دمار وتدمير ، تصريحات وتصريحات مضادّة … وبشر في المقابل يعانون الخوف والرعب والألم …و أسئلةٌ بسيطة لا نجد لها جوابًا فلا أحد اليوم يستطيع أن يجزم لمن هذه الحرب؟! ولفائدة من ستؤول وإلى أين تتجه؟! في زمن الصورة والرقمنة، حيث يُفترض أن العالم قرية صغيرة، و أنّ للمعلومة أجنحة من أثير ، وأنّ الحقيقة أقرب إلينا من أي وقت مضى، نكتشف أننا نعيش التعتيم ونسبح في ضباب كثيف من التضليل… فكل خبر قابل للتشكيك وكل صورةٍ تحتمل التأويل، وكأن الحقيقة نفسها أصبحت ضحية.

فإذا كنا اليوم —في عصر السرعة والانفتاح والتكنولوجيا المتطوّرة — نعجز عن فهم ما يجري ، ولا ندرك الحقيقة الفعلية للميدان ، فكيف كان حال من سبقونا؟ كم من “حقائق” آمنّا بها… وربما لم تكن كذلك؟ مَن كَتب التاريخ مِن أسلافنا هل كان أمينا؟ كيف وصلتنا أصداء الماضي وبأيّة رؤية و تأويل ؟!! إلى أيّ مدى يمكن أن نثق بما دوّنه السابقون وكتبوه ؟!!

وسط هذه النيران نعيش العيد… نعم… لكننا لا نعيشه في قلوبنا كما كان… منذ سنوات والفرح مؤجل، تحت رماد الحروب… ووطأة الغلاء… وثقل القلق والخوف .

أكمل القراءة

لمْسُ نار

مدن غارقة في الماء … و إعلام غارق في عركة على قرنيطة!

نشرت

في

عبير عميش:

بين فيضانات 2018 وفيضانات 2026، تغيّرت التواريخ وتبدّلت الحكومات، لكن المشهد بقي ذاته: أمطار غزيرة، طرقات غارقة، أحياء معزولة، ضحايا و مفقودون ، زيارات ميدانية و خطابات مطمئنة…

والإشكال أن هذه الكوارث ليست بلا إنذار. فالأرصاد الجوية تحذّر عادة قبل 24 ساعة أو أكثر، والمعطيات العلمية حول التغيرات المناخية باتت واضحة، ومع ذلك تواصل الدولة التعامل مع الفيضانات بمنطق ردّ الفعل لا بمنطق الاستباق. وكأن المطلوب دائماً أن تقع الكارثة أولاً، حتى يبدأ التحرك بعدها. بعد فيضانات نابل 2018 شاهدنا جميعا يوسف الشاهد رئيس الحكومة آنذاك في تنقل ميداني إلى المنطقة المنكوبة وجلسات عمل و تيليتون لجمع التبرعات .. وقرارات ووعود … و هاهي نابل وما جاورها تُنكَب من جديد.

وُعِد التونسيون حينها بمراجعة البنية التحتية و إصلاح الطرقات و بناء الجسور و تطوير شبكات تصريف مياه الأمطار وتنظيف الأودية وإرساء نظم إنذار مبكر… لكنّ تلك الوعود كانت في أغلبها شعارات مناسباتية. فالأودية ظلّت مهملة، والبناء الفوضوي تمدّد، وشبكات التصريف لم تكن ضمن أولويات السلط لا الجهوية ولا الوطنية… كما غابت التصورات الفعالة لإدارة المخاطر الطبيعية. ورغم التوقعات الجوية بالتغييرات المناخية وبتأثر السواحل التونسية بالمنخفض الجوي، فإن النشرات الجوية لم تتجاوز حدود الخبر ولم تتحول إلى إنذارات وقرارات وقائيّة، وكأن حماية الأرواح مسألة ثانوية مقارنة بالخوف من “التهويل” أو من تبعات القرارات غير الشعبية.

في مثل هذه الأوضاع، يصبح التصرف الأسلم هو ذاك الذي يقدّم الإنسان على كل اعتبار… ولذا نزل قرار تعليق الدراسة بردا وسلاما على المواطنين فالخسائر المادية يمكن تعويضها، أما الأرواح فلا… و لكنه رغم ذلك يبقى قرارا منقوصا إذ لم يراع وضع الموظفين و العملة، وكأنّ الأزمة لا تعنيهم أو لا تؤثر فيهم أو كأنّ قدرتهم على المجازفة مفترضة سلفًا. فالفيضانات، في الواقع، تكشف تمييزًا ضمنيّا بين فئات المجتمع. فالتلاميذ تُعلَّق دروسهم حمايةً لهم أمّا الموظفون والعمال فيطلب منهم الحضور والعمل مهما كانت حالة الطرقات، ومهما بلغ الخطر، ومهما كانت وسائل النقل مفقودة أو مهدِّدة للحياة.

و لئن كان المواطن يتحمّل جزءا من المسؤولية في ما يقع بعدم احترامه للتحذيرات والقوانين واستسهاله البناء في مجاري المياه وعلى ضفاف الأودية، وبمساهمته في انسداد قنوات تصريف مياه الأمطار بسلوكاته اليومية الملوّثة، إلاّ أنّ هذه المسؤولية لا يمكن أن تكون شمّاعة تعلّق عليها السلطة إخفاقها وتهاونها. فالمواطن هو انعكاس لصورتها و أعمالها وهي التي تتحمّل المسؤولية الرئيسية وذلك بالتخطيط والوقاية والإعلام الصادق والردع وتطبيق القانون على الجميع .. فلا يحق للدولة تحميل الضحايا وزر سياساتها المرتبكة وتقصيرها في التعامل مع مثل هذه الوضعيات… حيث أن التعامل مع الفيضانات بعقلية الأمس لم يعد مجدياً، فما كان يُعتبر “أمطاراً غير معهودة” صار واقعاً متكررا وخطيرا وهذا يقتضي الإسراع في إعادة تصميم شبكات التصريف، ودمج التغير المناخي في السياسات العمرانية، والاستثمار الجدي في الوقاية بدل الاكتفاء بالترقيع بعد كل كارثة.

وبهذا الفهم لا يمكن أن نعتبر هذه الفيضانات قضاء وقدراً ، بل نتيجة خيارات وتأجيلات وتراكمات. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس لماذا نزلت الأمطار، بل لماذا نفشل دائما في حماية الناس منها رغم علمنا مسبقا بنزولها ؟ وحتى متى يتواصل هذا الفشل؟ في هذا السياق، لا يمكن تجاهل الشعبوية التي ترافق كل كارثة طبيعية في تونس، والتي تحوّل المأساة إلى مشهد سياسي أكثر منها قضية إنقاذ وإصلاح. فيصير المسؤول هو الخبر وتطغى صورته وتحرّكاته وخطاباته على صور المنكوبين وأحوالهم وتحجبها ، فمع كل فيضان أو فاجعة، يتكرّر السيناريو نفسه: زيارات ميدانية متأخرة، جولات في الأحياء المنكوبة، صور وفييوهات، تربيت على الأكتاف، عبارات تعاطف جاهزة من قبيل “نحن معكم” و“الدولة لن تتخلى عن أبنائها” و”الكلنا نعانيو” … دون أن تتبعها حلول جذرية…

و يمكن اعتبار أنّ ذلك التعاطف يدخل في خانة ترسيخ فكرة قبول الفشل والرضى بالأمر الواقع بدل المحاسبة والإصلاح وتقديم حلول حقيقية وفعالة .. ينسى المسؤول أو يتناسى أنّ المنكوبين، لا يحتاجون إلى من يربّت على أكتافهم بقدر ما يحتاجون إلى دولة تمنع عنهم الكارثة قبل وقوعها…. وإذا كان الإعلام في مختلف دول العالم الديموقراطي يقوم بدوره الحقيقي زمن الكوارث، فإن الإعلام التونسي ما زال دون المطلوب، إذ يكتفي بملاحقة الكارثة بدل أن يسبقها، فيصبح ناقلا للمأساة وموثِّقا للفشل بصور الغرق وشهادات الضحايا ونداءات الاستغاثة ومشاهد الدمار في الطرقات و الأحياء والمباني… بدل أن يساهم في إنقاذ الأرواح عبر بث التحذيرات المرتكزة على تحاليل علمية دقيقة (بلا تهويل أو تهوين) و عبر استضافة خبراء حماية مدنية وأرصاد جوية وهندسة وبيئة، لإرشاد الناس إلى الأماكن الآمنة و كيفية التعامل مع ذروة التساقطات.

وللإعلام أيضا دور أساسيّ في مثل هذه الوضعيات يتمثل في مقاومة الشعبوية. فبدل تضخيم صور الزيارات الرسمية والتعاطف اللغوي ، عليه أن يطرح الأسئلة المهمّة حول مدى الاستعداد للتدخلات وطبيعة الآليات الموضوعة على ذمة المواطنين، وأن يبحث عمّا أُنجز منذ الكارثة السابقة، وأن يستقصي عن مدى تقدم المخططات والمشاريع وعن مدى تجسيد الوعود الفائتة، و أن يستفسر عمن يتحمّل المسؤولية، ويتساءل لماذا تتكرر الأخطاء نفسها؟ أي أن يقوم بدوره الاتصالي والتحسيسي الذي يساهم في رفع الوعي وحماية المجتمع خاصة زمن الأزمات.

لكن إعلامنا في تونس صارت غايته الإثارة و أخذ أصحابه _ إلا من رحم ربّك _ يتسابقون من أجل التشبه بالكروكوزات و جماعة الانستغرام، حتى صار خبر عركة على قرنيطة يتصدر صفحات وسائل الإعلام ” الكبرى”!

Motif étoiles

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار