تابعنا على

دفءُ نار

تعبُ أبنائنا وعرقهم في الباكالوريا في رقابِكم … يا مسؤولي وزارة التعليم العالي

نشرت

في

غدا الثلاثاء 03 أوت 2021 على الساعة منتصف الليل هو آخر أجل أمام الناجحين الجدد في الباكالوريا للتعبير عن رغباتهم فيما يخص توجيههم الجامعي وبالتالي قطع الخطوة الأولى على الطريق المؤدية إلى بناء مشروعهم الدراسي والمهني والانطلاق في تجسيم الأفكار التي حلموا بها طيلة فترة شبابهم.

منصف الخميري Moncef Khemiri
<strong>منصف الخميري<strong>

لا أُنكر أن التوجيه الجامعي مناظرة تُفتح بموجبها بقاع محدودة في كل اختصاص من اختصاصات التعليم العالي أمام كل نوع من أنواع الباكالوريا السبعة على حدة ويتناظر عليها المترشحون للالتحاق بالجامعة التونسية حسب معايير ثلاثة هي مجموع نقاط كل مترشح وطاقة الاستيعاب المُتاحة في كل شعبة وترتيب الاختيارات الذي سيعتمده كل طالب جديد… وبالتالي فإن المقياس الحاسم والأهم هو التميّز والاستحقاق. ولكن أن يتمّ اتخاذ تدابير فيما يتعلق بالطريقة التي تتصرف بها وزارة التعليم العالي في أدفاق الوافدين عليها أي توزيع طاقات الاستيعاب المفتوحة على مختلف الباكالوريات يتضرّر من تبِعاتها حتى المتميّزين والمتحصلين على معدلات عالية جدا في الباكالوريا… بل وتنسف طموحاتهم دون أية وجاهة أو حجج مُقنعة تقدّمها وزارة الإشراف المعنيّة، فذلك هو ما نعترض عليه. وسأبيّن ذلك جليّا من خلال معطيات مرقّمة بعيدا عن التأويل والقراءة في النوايا واستباق موفور المداخيل التي ستجنيها منظومة التعليم العالي الخاص من جراء هذه التوجّهات الصّادمة.

لقد تطورت نسبة النجاح العامة في الباكالوريا هذه السنة بــ 47 % ويُفترض أن تكون وزارة التعليم العالي قد رفّعت في طاقة الاستيعاب المفتوحة أمام هؤلاء الناجحين بنفس النسبة تقريبا ضمانا لاحترام مبدأ “لكل ناجح في الباكالوريا مقعد في التعليم العالي” ولكن لاحظ جميع المتابعين والمعنيين بأن طاقة الاستيعاب وُزّعت بشكل عشوائي لم يُراعِ بالمرّة مبدأ تكافؤ الفرص والملامح العلمية والمعرفية الخصوصية لكل صنف من أصناف الباكالوريا بما سيؤثّر بشكل كارثي على حظوظ الناجحين في نيْل ما يصبون إليه من مستقبل. (اتهمني بعض المسؤولين بالشعبوية ومحاولة تأليب تلاميذ الباكالوريا من خلال إثارة إشكاليات لم ينتبه إليها هؤلاء وأنا مُرحّب طبعا بهذه التهم لأن الجميع يعرف أنني أفعل ذلك بدافع الغيرة على حقوق أبنائنا الطلبة الجدد وليس من أجل منصب وزاري اعتقد بعض هؤلاء أنهم على قاب قوسين أو أدنى من إحرازه حسب تصريحاتهم المُبتهجة منذ سنتين).

فتطوّرت على سبيل المثال نسبة النجاح في شعبة الرياضيات بــــ 22 % وتقول الوزارة أن هذه الزيادة قرأنا لها حسابا في توزيع طاقة الاستيعاب. وهي عين المغالطة لأن الاختصاصات التقليدية المحسوبة على الرياضيات (مثل الأقسام التحضيرية للدراسات الهندسية والتحضيري المندمج وإعلامية التصرف …) والتي يُقرّ جميع الجامعيين بأنهم أوّل من يتألّق فيها لم تشهد ترفيعا تناسبيا بل تقليصا لافتا الى مستوى النصف أحيانا مقارنة بأرقام السنة الماضية.وهذا مثال مُرقّم على ما أقول :

المؤسسةطاقة الإستيعاب 2020طاقة الإستيعاب 2021 (بعد التعديل نتيجة الضغط)
المعهد الوطني للعلوم التطبيقية و التكنولوجيا بتونس168141 ( – 27 مقعدا)
المعهد التحضيري للدراسات الهندسية بمنفلوري220168 (- 52 مقعدا)
المعهد التحضيري للدراسات الهندسية بالمنار11083 (- 27 مقعدا)
المعهد التحضيري للدراسات الهندسية بنابل13598 (- 37 مقعدا)
المعهد التحضيري للدراسات الهندسية بالمنستير197150 (- 47 مقعدا)
المعهد التحضيري للدراسات الهندسية بصفاقس176121 (- 55 مقعدا)

فبأيّ منطق ووفق أية دراسات استشرافية قررت وزارة التعليم العالي التقليص بهذه الكيفية في اختصاصات تميّز فيها تلاميذ الرياضيات تاريخيا والتحقوا من خلالها بأرقى مدارس الهندسة في تونس وفي الخارج ؟ والذي لا يُفهم حقّا أن هذه المؤسسات عبّر أغلبها عن استعداده لقبول أعداد أكبر من الناجحين الجدد في باكالوريا رياضيات ! المجلس العلمي للمعهد الوطني للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا مثلا (INSAT) طالب بطاقة استيعاب لا تقل عن 200 طالب جديد من شعبة الرياضيات ! وبالتالي فإن قرار التقليص اتخذه إداريون في الإدارة المركزية وفق أهواء لم نستطع تمثلها.

أما في اختصاص إعلامية التصرف الذي يُدرَّس في عديد المؤسسات الجامعية والذي أثبت تلاميذ الرياضيات منذ انبعاثه أنهم جديرون به ولا تعترضهم أية صعوبات في مسايرة برامجه، فقد ارتأت وزارة التعليم العالي أن توصده تماما في وجه حاملي باكالوريا رياضيات (وليتها أوصدته في وجه الجميع) لأنها بفتح مقعد وحيد على المستوى الوطني تكون قد فرضت شرط الحصول على معدل يفوق الــ 15 من عشرين على الأقل للحصول عليه. وهذه بعض الأرقام :

المؤسسةطاقة الاستيعاب في 2020طاقة الاستيعاب في 2021
المعهد العالي للتصرف بتونسISG142
المدرسة العليا للعلوم الإقتصادية و التجاريةESSEC161
معهد الدراسات العليا التجارية  بقرطاج  IHEC31
المعهد العالي للتصرف بسوسة    ISG SOUSSE72

(علما بأن مجموع النقاط المُعتمد في هذا الاختصاص يساوي الصيغة الإجمالية مع عددي الرياضيات و الإعلامية /2)

هذا ونشير إلى أن نسبة التوجيه الى شعبة الرياضيات في التعليم الثانوي آخذة في التقلص المُريع من سنة إلى أخرى حتى بلغت 8 بالمائة بعدما كانت تفوق الــ 20 بالمائة في مطلع القرن الحالي بما يُحتّم إطلاق خطة وطنية من أجل إعادة الاعتبار لهذا المسار الدراسي المتميز والحؤول دون اندثاره نهائيا من مؤسساتنا التربوية (كما هو حاصل اليوم في العديد من المعاهد الثانوية للأسف).

الباكالوريا علوم تجريبية إلى أين ؟

تطورت نسبة النجاح في العلوم التجريبية من 13746 إلى 20483 وهو ارتفاع لم يكن متوقعا وشكّل إكراها موضوعيا لم تتوفّق حسب اعتقادي وزارة التعليم العالي إلى التعاطي معه إيجابيا :

  • اعتماد قاعدة التناصف بين الرياضيات والعلوم التجريبية في اقتسام مقاعد اختصاص الرياضيات فيزياء في المراحل التحضيرية للدراسات الهندسية هو – حسب رؤساء الأقسام في المؤسسات المعنية- “زجّ بتلاميذ العلوم التجريبية في مسلك يصعب النجاح فيه بالنظر إلى أن العديد من المسائل الرياضية الأساسية لم يتعرضوا لها مُطلقا في الثانوي مقارنة بشعبة الرياضيات” ! وليعلم الناس أنه خلال السنوات السابقة كان تلاميذ العلوم التجريبية والرياضيات يوجهون الى المرحلة التحضيرية العلمية دون تمييز في البداية بين التفرّعين الأساسيين المنبثقين عنها، ثم في مرحلة ثانية عندما تُفتتح السنة الجامعية يُدعى تلاميذ العلوم التجريبية من قِبل المجالس العلمية الى التسجيل بقسم الفيزياء كيمياء PC وتلاميذ الرياضيات بقسم الرياضيات فيزياء MP. وسنقف سويّا على طبيعة تداعيات هذا الخيار على نتائج أبنائنا من الباكالوريتين في المناظرة الوطنية لدخول مدارس الهندسة بعد سنتين.
  • ما الذي يمنع الدولة التونسية من الترفيع ولو بشكل نسبي في طاقة الاستيعاب المفتوحة أمام تلاميذ العلوم التجريبية في الاختصاصات الطبية وشبه الطبية (التي لم تتغير على امتداد عقود) وعدم الانصياع إلى الضغط الذي تمارسه العمادات المتنفّذة . وهذه مرة أخرى ليست بالشعبوية لأنني أدرك ما أقول وواثق تماما من أن بعض الجهات تدخلت بعد 2011 للتقليص من طاقة استيعاب الاختصاصات شبه الطبية خدمة لأجندات مشبوهة اتضح أن وراءها منظومة التعليم العالي الخاص.

أخيرا شعبة الإعلامية، هذه الباكالوريا “اللي اسمها عالي ومربطها خالي”

اختصاص PC : مقعد يتيم في كل مرحلة تحضيرية في 13 مؤسسة (أي 13 مقعدا وطنيا).

اختصاص MP : مقعد يتيم في كل مرحلة تحضيرية في 14 مؤسسة (أي 14 مقعدا وطنيا)

بما سيزيد من حدّة التنافس على تلك المقاعد النادرة ويرفّع بشكل مهول في مجموع نقاط آخر موجّه بشكل سيجعل من دخول هذه الاختصاصات وغيرها بالنسبة الى تلميذ حاصل على باكالوريا إعلامية مهمة أولمبية تستدعي مهارات استثنائية.

ما كنت سأكتب هذه الورقة لولا إحساسي العميق بفداحة المظلمة التي تعرضت لها شريحة واسعة من الناجحين في الباكالوريا هذه السنة، وستكتشفون رجاحة ما أقول الأسبوع القادم عند الإعلان عن نتائج الدورة الرئيسية للتوجيه الجامعي وفي بداية السنة الجامعية عندما تنطلق الدروس في الأقسام التحضيرية للدراسات الهندسية.

فأيّ منطق يحكم هذا الاستنزاف المُمنهج ؟ ومتى ينجح التعليم العمومي في المحافظة على نُخبِه كما الوطن في الاحتفاظ بأبنائه الهاربين بجلودهم إما نحو القطاع الخاص في الحالة الأولى أو نحو الضفاف الجنوبية لأوروبا في الحالة الثانية ؟

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

دفءُ نار

رمضان.. و حالة الطوارئ الغذائيّة…

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبير عميش:

حالة طوارئ لدى العائلات، فمنذ أيام وحتى قبل حلول شهر رمضان بدأ الاكتظاظ والازدحام… حركة المرور تكاد تكون مشلولة… طوابير من السيارات أمام المغازات الكبرى وصفوف أمام محلات صنع المرطبات والحلويات وأمام باعة اللحوم والدواجن والأسماك والخضر والغلال والفواكه والتوابل… وما تسمع كان “آش حضّرت لرمضان؟” وتتواصل هذه اللهفة وهذه المظاهر حتى بعد حلول الشهر.

حالة طوارئ لدى الدولة، وهي تُطمئن الشعب عبر بلاغاتها بأنها تمكنت من تخزين لا أدري كم من مليون بيضة وأنها ضخّت كميات إضافية من الزيت النباتي المدعّم ومن السكر والفارينة، وحالة استنفار لدى المسؤولين الذين يؤكدون على تسعير اللحوم وعلى الصرامة في مراقبة عمليات البيع ويهدّدون المخالفين ويتوعدونهم (لكن في بلادنا ديما الواقع يخالف الكلام والمواد المدعومة ناقصة أو مفقودة وأسعار الحكومة موش هي أسعار الواقع).

حالة طوارئ في الإذاعات والتلفزات ، فلا تجد سوى أحاديث عن قضْية رمضان ومواكبة لواقع الأسواق ولا تسمع إلاّ برامج الطبخ والتصنيف ولا تتابع إلا إعلانات عن الطعام هذا للإفطار وهذا للسهرة وهذا للسحور…

حالة طوارئ في الشوارع والمجالس، فلا ترى إلا اللهفة في العيون ولا تسمع إلا اشنوّة المنيو الليلة؟ وحديثا عن الشوربة والبريك والسلايط والطبق الرئيسي والحلويات ولوازم السهرة.. كل هذا من أجل شهر الصيام الذي يفترض أنّه مجعول للتراحم والاحساس بالفقراء والزهد والاعتدال.. فرمضان في جوهره ليس شهر الإفراط في الطعام، بل شهر التخفف، وضبط النفس، وتغيير العادات الغذائية، وفرصة للتخلص من التخمة والسكريات والوزن الزائد. والصوم هو مدرسة للصبر والتوازن، لا موسما لمضاعفة الاستهلاك…

لكن في بلادنا وفي البلدان العربية خرج رمضان من غايته ومقاصده الأساسية ليصبح شهر الاستهلاك بامتياز إلى درجة أن البعض يستدين أو يقترض لمجاراة نسق الاستهلاك العالي، وصارت المائدة هي الغاية وصرنا نرى القيمة في تعدّد الأطباق، ونسينا أنّ رمضان فرصة لإصلاح علاقتنا مع ذواتنا ومع أجسادنا وأنّه ليس سباقا نحو الموائد… بل عودة نحو القيم… وأنه شهر الرحمة موش شهر اللحمة، وشهر الرأفة موش شهر اللهفة.

أكمل القراءة

دفءُ نار

بورِك رمضانكم

نشرت

في

(اللوحة من تصميم الفنان الكبير محمد الأطرش)

Motif étoiles

أكمل القراءة

دفءُ نار

مُراكمة اللّغات بدلاً من تحاذُفها*  

من أجل تعزيز القدرات التواصليّة للتلميذ، عوضا عن تعليم القواعد الحجريّة منذ الطفولة الأولى

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منصف الخميري:

تفاعلا مع ما يجري من نقاش في الآونة الأخيرة حول واقع تدريس اللغات في بلادنا وتراتبيّتها الهيكلية وتدنّي المستوى العام للتلميذ التونسي، لا فقط في اللغات الأجنبية بل وفي اللغة العربية الأم كذلك، يهمّني أن أدلي ببعض الملاحظات بهدف الوقوف على بعض أوجه هذه “العلّة” الحقيقية التي تُعيق نجاح بناتنا وأبنائنا وتميّزهم وبهدف صياغة بعض المقترحات التي قد تساعد على تجاوز واقع الحال.

ما يُلاحظ أوّلا

أن المستوى العام لتلاميذنا في اللغات وكذلك في الفلسفة باعتبارها مادة مؤثرة وباعثة على التفكير المنطقي على طول مسار التلميذ حتى في التعليم العالي وفي المسارات العلمية والهندسية (أنظروا في هذا الصدد الاثار الفلسفية والفكرية المُبرمجة سنويا في الاقسام التحضيرية العلمية للمدراس الهندسية الفرنسية الكبرى) كما تعبّر عنه المعدلات المُحرزة في الباكالوريا، هو مستوى متدنّ للغاية لا يُساعد في كل الأحوال على مباشرة دراسات جامعية تتطلب مهارات لغوية وتواصلية كبيرة مهما كان حقل الاختصاص. إذ أن :

  • 54.41 % من المُحرزين على الباكالوريا تحصلوا على 10 أو أقل من عشرة في مادة العربية في كل الباكالوريات مجتمعة (76180 ناجح سنة 2025).
  • 39.37%  تحصلوا على عشرة أو أقل في مادة الفرنسية
  • 32.64 %  تحصلوا على عشرة أو أقل في مادة الانكليزية
  • 60.12 %  تحصلوا على عشرة أو أقل  في مادة الفلسفة

وهذا يعني أن ضعف مستوى ناشئتنا في لغتهم الأم يُثير مخاوف أكبر من تلك التي يُثيرها ضعف المستوى في اللغات الأجنبية، بالرغم من “اليُسر العام” في اختبارات امتحان العربية في الباكالوريا التي تُضاهي مستوى امتحان التاسعة أساسي كما يُقرّ بذلك السادة المتفقدون. وقد يعود هذا “الجفاء” إزاء الفُصحى إلى وعي تلميذ اليوم بأن اللغة العربية لن تعترض سبيله في جميع المسارات الجامعية إلا إذا اختار شعبة اللغة والآداب العربية من ناحية، ومن جهة أخرى إلى عدم سعي الدولة منذ عقود – رغم براعتها في تصريف اللغة- إلى تفعيل العربية لتكون لغة ناقلة للعلوم والتكنولوجيا والمعارف المختلفة، كما هو الحال بالنسبة إلى الصينية أو اليابانية أو الفارسية أو التركية عندما تمّ تحطيم الأسطورة القائلة بأن “العلوم تلينُ –طبيعيا- للّغات الأوروبية”. مع الاعتراف كذلك بأن الانزياح القائم اليوم بين العامّيّة والفصحى la diglossie في لغتنا يزيد الأمر تعقيدا إضافيا لا تعاني منه بلدان أخرى مثل روسيا أو الصين أو كوريا الجنوبية.

ثانيا : تدنّي مستوى تلاميذنا في اللغات هو عابر لجميع الباكالوريات، لكنه أكثر فداحة في شعب مدرسية بعينها : الاداب، والاقتصاد والتصرف، والإعلامية أساسا.

إن نسبة التلاميذ الذين لا يحصلون على المعدّل في العربية تساوي 70% في الباكالوريا آداب و69 % في الباكالوريا اقتصاد وتصرف و 65.38 %  في علوم الاعلامية (هل تشابه النسب الثلاثة هو مجرد صدفة ؟ لا أعتقد شخصيا ذلك) . بينما لا تتجاوز هذه النسبة الـ 14.11%  في باكالوريا رياضيات ! ومن المفارقات  أيضا أن نسبة الحاصلين على أكثر من عشرة في مادة العربية تصل إلى 65.71 % في باكالوريا علوم تجريبية بينما لا تتجاوز 25.89 % في باكالوريا آداب على سبيل المثال.

ولتدعيم هذه الحقائق، فإن :

من تحصلوا على عشرة أو أكثر في الفرنسية باكالوريا آداب، تساوي نسبتهم  30.30 %  مقابل 81.58 % في باكالوريا رياضيات.

أما من تحصّلوا على أكثر من عشرة في مادة الانكليزية فنسبتهم تساوي 36.27 % في باكالوريا آداب في حين تبلغ 86.68 % في الرياضيات و 47.47 % في العلوم التقنية و 58.14 % في العلوم التجريبية.

وفي مادة الفلسفة، كانت معدلات الشعب العلمية أفضل من باكالوريا آداب، حيث بلغت على سبيل المثال نسبة المتحصلين على عشرة فما أكثر  46.19 %   في الاداب مقابل 54.17 %  في الرياضيات.

ذلك يعني – في ما يعنيه- أن ما تكسبه منظومتنا التربوية من جودة على مستوى تملّك اللغات بفضل جيوب التميّز في الباكالوريات العلمية بصورة خاصة، سرعان ما يتلاشى على مستوى المعدلات العامة جرّاء تدهور مستوى الملتحقين بشكل جُزافي يفرضه غياب البدائل الأخرى نحو شعب الآداب والاقتصاد والتصرف وعلوم الاعلامية بصورة خاصة.

وبناءً على ذلك، يصحّ القول بأن أزمة اللغات في مدرستنا التونسية هي أزمة مُركّبة تتداخل فيها طبيعة البيداغوجيا المُعتمدة في تدريس “التكلّم الصّرف المُنهمر دون كلفة أو وجل”  قبل “كيف نتكلّم ووفق أي قواعد نتكلّم” ومستوى تكوين المُدرّسين وغياب التوجهات الوطنية الواضحة (غير الشعاراتية) للدولة وهيكلة التعليم وما يُعرض من شعب ومسالك إلى جانب ما يغيب من معابر ومختصرات.  

ثالثا : النحو الداخلي بواسطة الشفاهي والتواصل في وضعيات ذات معنى بالنسبة إلى التلميذ بدلا من قصفه منذ بدايات ابتهاجه بمفاتن اللغة، بما اختلفت فيه البصرة والكوفة والتمييز بين المفاعيل عندما يبدأ التأويل.

يبدو أن تلميذنا التونسي لا يُقبل على درس اللغة – مهما كانت هذه اللغة- بشكل فيه فرحة التعلّم وبهجة التعبير عن مشاعره والدّفع بما يعتقده صحيحا أو خاطئا…خوفا من الاصطدام بقواعد اللغة الصمّاء والاشتباك غير محمود العواقب مع شرطة العدد والمعدود والممنوع من الصرف وخشية التّيه في متاهات اللغو والوقوع في شراك حِباله التي كلما صعدت درجة وإلا وزاد طولها ورعونتها. من الأمثلة الناجحة اليوم ـأكثر من غيرها- في إقدار الأطفال على تعلّم اللغات (الوطنية والأجنبية على قدم المساواة) هي اللوكسمبورغ وسنغافورة، حيث تُمارس ما يُسمّى بالمقاربات الانغماسية في تدريس اللغات (يعجبني شخصيا أكثر تعبير تعلّم اللغات بواسطة المعايشة أو بواسطة الغَمر، كما في تقنية السّقي الزراعي) بحيث لا تكون اللغات “مواد مستقلة بذاتها تُدرّس بشكل قواعدي صرف” بل تكون بمثابة  قنوات للريّ اللغوي غَمرا أحيانا وقطرة قطرة أحيانا أخرى، من خلال وضعيات لعبيّة مرحة وألعاب أدوار تواصليّة مُحفّزة … خاصة في المراحل التعليمية الأولى. فلا يتمّ بالنتيجة تبجيل البعد الهيكلي (النحو) على البعد الاستعمالي الحيّ (الحياة) حتى لا يُكبّل اللسان قبل أن ينطق بعدُ.  

يقول أصحاب هذا التوجّه بأنه لا يجب أن نُعطي الطفل دروسا تشريحية حول مهمة العضلات والأنسجة والأوتار من أجل تعليمه كيف يمشي، لأن الانسان يتعلم المشي من خلال فقدان التوازن والمحاولة والخطأ والغريزة… فإذا كان النحو هو التركيبة البنيوية للغة فالكلام هو حركتها.

رابعا وأخيرا : لا نُواجه ظاهرة ضعف تلاميذنا في اللغات، بالعقاب والمنطق المردود بعد الباكالوريا !

بعد حصولها على معدّلات الباكالوريا للتلاميذ وأعدادهم في كل المواد التي تمّ اجتياز الامتحان فيها، تعمد وزارة التعليم العالي إلى احتساب ما تُسمّيه بمجموع النقاط لترتيب التلاميذ وتوزيعهم على مختلف مسالك التكوين لديها (اعتماد الحساب مع الاستئناس باختيارات كل مترشح للتوجيه الجامعي وكيفية ترتيبها).

هنالك إجراءان لافتان للانتباه في هذا الخصوص وجب التوقّف عندهما :

– يتكوّن هذا المجموع من عنصرين أساسيين هما المعدل العام للتلميذ في الباكالوريا ضارب 4 يُضاف إليه 6 ضوارب خصوصية أخرى موزّعة على المواد الأساسية في كل شعبة من شعب الباكالوريا (مثلا بالنسبة إلى الرياضيات يُضاف الى المعدل العام ضاربان للرياضيات وضارب ونصف للعلوم الفيزيائية ونصف ضارب لعلوم الحياة والأرض وضاربان للفرنسية والانكليزية …). بمعنى أن معدلات التلميذ في الباكالوريا، المتدنية بصورة عامة  تُحتسب مرتين في هذه الحالة : مرة في المعدل العام ومرة ثانية في الضوارب الخصوصية…بما يجعل منه إجراءً عقابيا لا موجب له، يُعيق التلميذ في الحصول على ما يرغب فيه بدلا من تحييد هذه الهِنات وتذليل تبعاتها.

– إضافة أعداد الفرنسية والانكليزية إلى مجموع النقاط (المُحتسبة بعدُ في المعدل العام) برّرته وزارة التعليم العالي حين إقراره بـ “ضرورة تحفيز تلميذ الباكالوريا على تحسين مستواه في اللغات الأجنبية” وهذا ضرب من الديماغوجيا الصرفة لأن التلاميذ لا يهمّهم الاطلاع على كل هذه التفاصيل الفنية إلا بعد نجاحهم النّاجز ومواجهة استحقاقات ما بعد الباكالوريا.

ونقول في النهاية بدون أي تحفّظ إن:

إيجاد روافد إسناد لغوي خارجي في العائلة والمحيط ووسائل الاعلام (لا وجود لأي برنامج إذاعي أو تلفزي جادّ أو ترفيهي حاليا في تونس يُعنى باللغة أو الثقافة) وحسم ازدواجية تدريس العلوم باللغة العربية ثم اللغة الفرنسية بشكل جريء وبعيد عن الهوويات الكريهة والتمسك بـ “فرنسية” لم نخترها على حدّ سواء، ومراجعة الطرائق التي نُدرّس بها اللغات، وإيجاد الحوافز المُجزية لمدرّسي اللغات خاصة في المناطق المنسيّة حتى ننهض بمستواهم .. وغيرها قد تشكّل حزمة من الاختيارات التي تُساعد على إطلاق ألسنة ناشئتنا بما يُصلّب عودهم دراسيا وشغليّا، ويُخرجهم من مُربّع اليُتم الحضاري وفقدان السّند اللغوي المطلوب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* التحاذف، كلمة فرضها سياقها في علاقة بدعوة البعض إلى قلب الهرميّة المعتمدة وجعل لغات معينة تحذف أخرى.

أكمل القراءة

صن نار