جلب انتباهي وأنا أتجوّل في مواقع بعض وزارات التربية والتعليم في البلدان العربية الاختلاف الكبير في المصطلحات المستعملة هنا وهناك للتعبير عن تفاصيل شؤون التربية والتعليم.
<strong>منصف الخميري<strong>
على إثر هذا التجوال، قلت لِم لا أقوم بعملية جرد لجزء من هذا السجل الاصطلاحي الذي يُترجم أحيانا عن تباين في الرؤى والتصوّرات (سنعود إليه لاحقا في الجزء الثاني الذي أسميتُه “السجل الدّلالي”) ولكنه طريف وجدير بالتوقّف عنده، نُروّح به عن أمزجتنا المُتعبة ونُطلّ من خلاله على بيوت إخوتنا التربوية لنرى كيف يُوزّعون حِبرهم ويؤثّثون محافظ أبنائهم ويُهندسون أقسامهم.
نبدأ بالشقيقة موريتانيا
وزارة التربية هناك يُطلق عليها وزارة التهذيب الوطني وإصلاح النظام التعليمي، وهي حسب رأيي تسمية متفرّدة مشحونة بمعاني التأديب والتثقيف والتربية والإصلاح، خاصة أن النسيج المُجتمعي في شنقيط (الاسم القديم لموريتانيا) ظل لعهود طويلة تحكمه القبليّة والبداوة. أما وزير التربية فمتحصل على عديد الشهائد الجامعية ومنها “شهادة المتريز بملاحظة لاباس” !
من النتوءات المسجلة أيضا في الحقل التربوي الموريتاني أن وزارة التهذيب تفرض على التلاميذ زيّا مدرسيا موحّدا (قميصا قصير الذراعين وبنطلونا للأولاد، وبنطلونا ومعطفا للبنات) لكن ما يدعو للاستغراب شيئا مّا هو الإجراء الخاص بــ ” البنات البالغات سن الخطاب الشرعي“، واللواتي يُفرض عليهنّ اضافة خِمار بلون القميص أي اللون الوردي أو ارتداء ملحفة كثيفة بنفس اللون.
اللافت أيضا أن مكوّنا أساسيا في المنظومة التربوية الموريتانية هو المحاظر الموريتانية (جمع محظرة) وهي عبارة عن مدارس قرآنية بدويّة متنقّلة منذورة “لنشر الإسلام وقيمه”.
كذلك في وزارة التهذيب الوطني الموريتانية لا يتم الحديث عن مناظرات للانتداب في خطة معينة بل عن “اكتتاب” ويتحدّثون عن المسابقات بدلا من المناظرات. ورد مثلا في بلاغ رسمي “فتح مسابقة لاكتتاب 6 أطر لصالح سلطة حماية المعطيات الشخصية“
الملاحظة الموريتانية الأخيرة تهمّ اللغات الوطنية المُدرّسة في شنقيط وهي البولارية والسنونكية و الولفيه وهو مؤشر على التنوّع الثقافي الكبير في هذا البلد والإكراهات الموضوعية الإضافية التي تفرض نفسها أمام أي برنامج للإصلاح والتجديد التربوي.
في السّودان المُقسّم، وقفنا على أهم الخصوصيات التالية :
عادت “الخلاوي” بقوة الى الحياة السودانية لتشكل ملاذا يحتضن التلاميذ، وذلك بعد أن أغلقت المدارس والمؤسسات التعليمية المختلفة في كل أنحاء البلاد بسبب وضع عدم الاستقرار الأمني وتتالي الحروب التي مزّقت البلاد، وهي أقدم نظام تعليم تقليدي في السودان. وهذه الخلاوي هي بمثابة المدارس القرآنية ويحدث أن تُدرج العربية والرياضيات في برامجها الدراسية.
الخصوصية الثانية في السودان هي ظاهرة المدارس المتنقلة لتعليم أبناء الرُحّل، ويقوم هذا المشروع على الشراكة الفعلية بين المجتمع المدني، حيث يلتزم المواطنون بتشجيع المعلمين بحوافز عينية ومالية مثلاً (اعطاء المعلم عشرة رؤوس من الضأن وناقة شايل ،والناقة الشّائلُ في القاموس هي النّاقة اللاّقح التي تشُولُ بذنبها للفحل) وجمل ركوب بالإضافة إلى الإعاشة والتزامهم بنقل المدرسة عند الترحال.
الجزئية الثالثة هي وجود عمود ثابت في الإحصائيات الرسمية للتربية يُخصص لما يسمّىى عندهم بــ “أجلاس التلاميذ” أي مقارنة نسبة الجالسين داخل الفصل بنسبة الذين يظلون واقفين، كأن يقال “تشير الدراسات إلى أن % 77.5 من التلاميذ يجلسون فى مقاعد بينما 22.5 % يجلسون ارضاً . هذا بالإضافة إلى أن نسبة النجاح في الامتحانات الوطنية تُحتسب على قاعدة “عدد الجالسين” أي ما يقابل عندنا عدد المُترشّحين أو المسجّلين في الامتحان.
في لبنان،
يعترضك مباشرة امتحان الكولوكيوم Colloquium وهو الامتحان الخصوصي الذي يُجرى في الاختصاصات الطبية وشبه الطبية مثل الطب العام وعلم التغذية وتنظيم الوجبات والقبالة والعلاج الفيزيائي وعلوم التمريض الخ…
لكنّ هناك أيضا تفصيلين آخرين لا يقلاّن طرافة هما :
– الصور الشمسية التي يتقدّم بها المترشحون للمناظرات أو الامتحانات يُشترط أن يكون مُصدّقا عليها من مختار القرية (من المَخترة التي غنّت عنها فيروز في مسرحية ميس الريم) تجنّبا للتدليس وانتحال الشخصية.
– المناشير والمذكرات التي تصدرها وزارة التربية والتعليم العالي في لبنان يُطلقون عليها عبارة “التعاميم” لكونها تصدر عن المركز ليتم تعميمها على المحافظات.
أما عند جارة جارتنا المغرب، فقد أفضت جولتنا إلى رصد جملة من التباينات هذه أهمّها :
– “الغاشّون المعنيّون بعقوبة الإقصاء” هم ببساطة التلاميذ الذين يرتكبون الغشّ خلال الامتحانات. و”ترصيد” المبادرات هي ما نسمّيه نحن في تونس تثمين المبادرات ورسملتها. أما “الأسدوس” (وجمعها أساديس) فيعني السداسي أو السداسية والمباريات هي المناظرات (فتح مباراة لتوظيف 250 معلما بوزارة التربية الوطنية والتعليم الأوّلي والرياضة … والتعليم الأوّلي هنا يُقصد به التعليم ما قبل المدرسي).
المترشحون للباكالوريا بصفة فردية يُسمّوهم في المغرب “ترشيحات الأحرار” والحوكمة حِكامة والمعلوماتية معلوميات. هذا ويُطالب المترشحون لامتحان الباكالوريا باستخراج بطاقة تعريف وطنية من مصلحة البطائق الوطنية بمراكز الأمن المغربي.
في سلطنة عُمان، تُسجّل النّتوءات التالية :
تخصص جائزة سنوية يطلق عليها جائزة الإجادة التربوية للمعلم العُماني وهو تقليد محمود ليته يُعمّم على كافة الانظمة التربوية في البلاد العربية لما فيه من تحفيز وتقوية روح المنافسة المُنتجة.
أما المربّون الذين مازالوا على قيد مباشرة العمل فيُطلقون عليهم “المربّون الذين مازالوا على رأس العمل“، والحياة المدرسية هي البيئة الصفّية واختبارات الامتحانات تُسمّى المفردات الامتحانية للاختبارات الوطنية للصفوف، والبلاغ هناك يصبح تنويها (تنويه للطلبة العمانيين الراغبين في الدراسة بماليزيا…) ويقسّم الأطفال المتمدرسون إلى أطفال مواطنين وأطفال غير مواطنين (كأن يُقال في بلاغ رسمي أن يكون لدى الطفل (المواطن) رقم مدني بشهادة الميلاد وأن يكون لدى الطفل (غير المواطن) بطاقة مقيم سارية المفعول بسلطنة عمان (كان من الممكن الحديث عن أبناء المهاجرين بكل بساطة وبدون تجريح).
والترشّح يصبح تقديما والعمل الدوري تدويرا (إعلان فتح التقديم في فرص التدوير الوظيفي)
والشغورات في التخصصات يُصطلح عليها بالشواغر والشهادة إفادة وكشف الأعداد كشف للدرجات … كما يُطلب أحيانا من المترشحين لوظائف معينة أن يكونوا لائقين طبيا للخدمة.
نأتي الآن إلى وزارة التربية والتعليم بالأردن، لنتوقّف بُرهة عند أهم ما يشدّ الانتباه :
الأقسام هي غرف صفيّة ومعلّمو التربية الخاصة بالأطفال الملتحقين بالمدارس العامة والذين لا تتناسب قدراتهم مع زملائهم، هم “مدرّسو الظل” أو “مدرسو الدعم التعليمي”، وبرامج مهننة المعلمين تسمى برامج التنمية المهنية للمعلمين، ومن أجل تحفيز الأطفال الذين يحتاجون “رفع استعدادهم للتعلم” ترصد حوافز خاصة للدارسين والدارسات مثل التغذية والمواصلات والقرطاسية (ويقصد بالقرطاسية الأدوات المدرسية).
أما في مجال توزيع التلاميذ على مسارات التكوين فتتحدث أدبيات وزارة التربية هناك عن “ضرورة بدءعملية التشعيب للمسار الأكاديمي والمسار المهني من الصف التاسع” على معنى بعث الشعب وفتح المعابر.
والتعليم المتمازج هو ما نسميه نحن ببيداغوجيا الإفراق أو تفريد التعليم حيث يتم مراعاة احتياجات المتعلمين جميعا على اختلافها.
نذهب الآن إلى المملكة العربية السعودية لنرصد بعض الاختلافات الطريفة :
تطوير مُخرجات التعليم في ربوعنا يقابلها “تحسين نواتج التعلم في النواحي المعرفية والمهارية وتعديل السلوك” وترشيد الإنفاق العام في التربية يُطلق عليه رفع كفاءة الإنفاق المالي على التعليم، أما مادة الرياضة فتسمى التربية البدنية واللياقة الصحية والدفاع عن النفس.
وما يسرّ الناظر إلى مضامين التكوين في المراحل الدراسية الأولى في السعودية هو برمجة مضامين متقدمة تقطع مع التعليم التقليدي الذي كان مرتكزا بصورة أساسية على التعليم الديني، مثل “المهارات الحياتية والأسرية” منذ السنوات الأولى من المرحلة الابتدائية والتدريب على “التفكير الناقد” في المرحلة الإعدادية (التي يسمّونها متوسّطة).
ونُنهي أخيرا بالإمارات العربية المتحدة وبتخريجة ذكية ونبيلة جدا، حيث يسمّون أصحاب الحاجيات الخصوصية “فئات أصحاب الهِمم” وتشمل الخلل النفسي والسلوكي وحالات التوحّد وخلل المخاطبة واللغة وضعف البصر الخ…
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…
عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟
في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…
مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…
تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…
اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…
إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…
قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…
الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟
موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…
قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …
كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.
تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.
سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.
الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.
هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟
أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…
ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟
يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.