تابعنا على

جور نار

حظّا مُوفّقا في “الباكالوريا” غدا

نشرت

في

منصف الخميري:

لا تدخل قاعة الامتحان إلا وعُكّازك معك ! عُكّازٌ تتكئُ عليه وقد شكّلتَه من عزيمة وإصرار وهِمّة ليس لها حُدود.

منصف الخميري Moncef Khemiri

من حُسن حظّنا أننا حافظنا في بلادنا على هذه المحطة التقييمية الهامة – بعد أن قاموا بإلغاء كل المحطات الوسيطة الأخرى- والتي مازالت تحتفظ لنفسها في الوجدان التونسي بكامل بريقها لأنها جسرٌ أساسي يمضي من خلاله عشرات الآلاف من الشباب نحو تحقيق أحلامهم وصقل آمالهم… وما أحلى وأنبل أن تتأسّس الأحلام على قِيم الجهد والمُثابرة وإدمان المعرفة وبناء الذّات السويّة والنافعة !

أعتقد أن مجرّد وصول بناتنا وأبنائنا بأعداد كبيرة جدا إلى هذا المستوى هو في حدّ ذاته كسبٌ وطني ثمين لابد من المحافظة عليه والعمل على تجويد مُخرجاته، لأنه تتويج لمسار طويل وشاقّ ومُعبّد بمُراكمة المهارات الدراسية المختلفة وتخزين المعارف بعذبها وغثّها، وبعض إغواءاته أيضا في عتبات عُمريّة معيّنة من قبيل تجريب بعض الأعمال المؤجّرة أو التفكير في زيجات مُبكّرة، أو الرغبة البسيطة في تطليق دروس لم يعد يقدر بعض التلاميذ على فكّ طلاسمها وترويض معانيها.

وبحكم أن الباكالوريا التونسية مازالت لها قيمة علمية مُتداولة (وستظل) في ساحات الشهائد العالمية من ناحية، ولأنني مسكونٌ من ناحية أخرى بالرغبة الصادقة في أن أرى أرفع نسبة ممكنة من المترشحين يُحرزون هذه الشهادة المفتاحية، يتأكّد لديّ الحرص على إسداء بعض النّصح لمُجتازي الامتحان لعلّه يساعدهم ولو قليلا على تذليل صعوبات هذه العقبة، وتبديد الرّهبة التي قد تنتابهم وانتزاع ولو نقطة واحدة إضافية في مادة من المواد، لأن “عُشر نقطة” يكون له تأثير حاسم عندما يحين موعد مناظرة التوجيه الجامعي (الذي أتمنّى أن تمرّوا كلكم على سِراطها المُبين).  

الذّاكرة تحتفظ بكامل مخزونها ليوم الامتحان

لا تحاول الآن أو خلال اليومين المتبقّييْن استعادة كل ما قرأته وحفظته خلال فترات المراجعة لأنك لن تسترجع مضامين كل الدروس في تفاصيلها وجزئياتها إلا عند مواجهة ورقة الامتحان، سيتراءى لك أنك نسيت كل شيء وهذا أمر طبيعي لا تدعهُ يشكّل مصدر ضغط إضافي قبل الامتحان. ستتداعى المعلومات تلقائيا عندما تحتاجها وتنساب وكأنك حفظتها للتوّ.

العلاقة مع الأستاذ المُقيّم هي كما العلاقة مع شخص تحرصُ على استمالته ونيل اهتمامه

ثقْ وأنت تُحرّر ورقتك أن الأستاذ الذي سيتولّى تقييم ورقتك وإسنادها عددا هو تماما مثل الأستاذ الذي درّسك لمدة سنوات طويلة، تونسيّ جدا (بالمعنى الإيجابي) يغارُ عليك ويُثمّن مجهودك ويتفهّم نقائصك ويتجنّد خلال كامل الوقت الذي يستغرقه إصلاح ورقتك، للبحث عن أي إضافة أو فكرة عالية أو إجابة قريبة ممّا تحدده المقاييس المعتمدة ليُعطيك العدد كاملا. لكن يتعيّن عليك أن تُقنعه بنفسك وتُبهرهُ وتُثبت له أنك إنما تكتب لتُلبّي انتظاراته، بداية من استقامة خطك ووضوحه وصولا إلى حسن تدبيج النهايات على مهلٍ، ومرورا بضخّ جُرعات فاتنة من صميم المعارف والجواهر المُحدّدة التي يستهدفها السؤال. (كنتُ أقول دائما لتلاميذي : الخطُّ هو هندامك أمام لجنة الامتحان اِعتَنِ به، والأسلوب هو لسانك كن حريصا على نقاوته وصفائه، والأفكار هي بناتُك اِفخرْ بهنّ واجعلهنّ أجمل فتيات الدّنيا).

تخلّصْ مؤقّتا من ضغط العدد والمجموع وما تنوي دراسته بعد الباكالوريا

الامتحان ليس مجرد مقفز للمرور نحو مراحل دراسية أرقى بل هو هدفٌ في حدّ ذاته يجب الاحتفاء به كأنّ لا شيء بعده، وبذل كل الجهد في سبيل الاشتغال عليه بكل ما أُوتيت من مُتعة المشتاقين واستبسال المقاتلين ودقّة العارفين بخفايا الأسئلة وجمال الأمثلة… وسيكون العدد لاحقا في تناسُب مع روح المُكابدة التي أبديتها. أقول هذا لأن الحصول على شهادة الباكالوريا في نظري أهمّ إلى حدّ ما ممّا تُتيحُهُ هذه الأخيرة من مُمكنات دراسية في الجامعة. فإحراز الباكالوريا هو إنجازٌ مهمّ وعنوان تميّز مهما كان مستوى المعدّل لأن مسالك التكوين في التعليم العالي متنوّعة بنفس قدر تنوّع ملمح الناجحين أو أكثر، والمختصّ في فيزياء المواد ليس أكثر أو أقل شأنا من المختصّ في كيمياء الإسمنت أو سيمياء التواصل واللغات.

ثق بنفسك

لا تحاول إعادة كامل برنامجك صبيحة الامتحان لأن ذلك غالبا ما يُربك المترشحين، فلقد راجعتَ بما فيه الكفاية واطلعتَ على مئات الوثائق واشتغلتَ على عشرات السلاسل من التمارين وشحنتَ كل بطارياتك استعدادا لليوم الموعود الذي انتظرتَهُ طويلا لليّ عُنُقه وليس العكس، فكن واثقا من قدرتك على انتزاع النجاح لأن مواضيع الامتحان صُمّمت على مقياس برنامجٍ أنت تعرفه وتشرّبتَ تفاصيله على امتداد سنة كاملة. يكفي أن تعي ما هو مطلوب منك بدقّة وتحديد المنهجية التي ستعتمدها في تناوله مع ضرورة تدوين كل ما تستذكره على ورقة المسوّدة، قبل تدقيقه وتوظيبه وتنظيمه وإلباسه الحُلّة الأخيرة على ورقة الامتحان.  

يُحتسبُ المجموع إلى حدّ 4 أرقام بعد الفاصل في التوجيه الجامعي

عندما تُحتسب مجاميع نقاط الناجحين في الباكالوريا، يحدث أن يتساوى مئات التلاميذ في نفس المجموع إلى حدّ رقمين بعد الفاصل، ولا يكون ثمّة من سبيل للفصل بين المتسابقين سوى الذهاب إلى أربعة أرقام جزئية بعد الفاصل… بما يعني أن كل رُبع نقطة تحصدها ستكون ثقيلة في ميزان توجيهك الجامعي لاحقا، فلا تتعفّف عن أيّة مادة تُمتحن فيها وتعامل بنفس الجدية مع كل المواد حتى تلك التي تعتبر أنها لن تفيدك كثيرا في المستقبل. لا تستعجل إرجاع ورقتك قبل الأوان واعلم أن النقاط التي يتمّ جنيُها في مواد “مُهملة” و “متروكة” هي التي تصنع الفارق الحسابي بين مترشّح وآخر.

بالإضافة إلى بعض الملاحظات السريعة :

حتى لا تُربك ما تبقّى في مسار الامتحان، لا تهتم بـ “الأجوبة النموذجية العالِمة” التي ستتهاطل بعد الامتحان من الأصدقاء والأساتذة وعلى صفحات الويب، فالآخرون قد فهموا الموضوع كل من زاوية نظره الخاصة، لكن هذا لا يعني أبدا أن طريقتك الخاصة في معالجة الموضوع أو المشكل الرياضي هي خاطئة… فالأستاذ المُصحّح هو الوحيد القادر على تقييم ورقتك، لأنه مسلّح بمقاييس دقيقة محددة ومُشبعٌ بنقاش منهجي مطوّل مع اللجنة المتخصصة في كل مجال مخصوص قبل انطلاق عملية الاصلاح.

أعِرْ أهمية قصوى لأخطاء الرّسم (باللغات الثلاث) لأنه بقدر ما ترتكب أخطاء بدائية، تحصل فكرة سلبية عنك وعن جديتك ومستواك لدى المُصحّح.

قُم بتهيئة أدواتك جميعها ليلة الامتحان وتأكد تماما أن هاتفك الجوّال بقي بالمنزل طيلة أيام الامتحان لأن مجرّد نسيانه ولو عن حسن نيّة ضمن أدواتك، يُعرّضك لمساءلات غير محمودة.

أحرص على نيل باكالوريتك بعرق جبينك لأن عار الغشّ المحتمل سيظل يلاحق مرتكبيه بعد أجيال وأجيال.

أرجو لكم(نّ) جميعا كل التوفيق والنجاح في امتحان لن يكون في كل الحالات أكثر عُسرا ممّا واجهتموه في محطات سابقة.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار