تابعنا على

جور نار

حكايات صالحة للقِسم … وخارجه (1)

نشرت

في

الحَكْي بصورة عامة ممتع والاستماع إلى الحكايات مُبهج ولكن بشرط أن يكون الرّاوي خفيف الروح ويتملّك القدرة على شدّ انتباه سامعيه، وأن تكون الحكاية حاملة لمعنى ومُروّجة لقيمة ويمكن أن تُشكّل منطلقا لتعميق الخوض في قضايا انسانية كبرى مثل الحرية والحب والعمل والتفاؤل والأمل والتعايش …

القصص والحكايات تُضفي معنى وتُنتج مشاعر وأحاسيس وانفعالات وتُمتع السامع ويسهُل تقاسمها وتضع الأطفال (خاصة) في مواجهة جيدة مع أفكار جميلة وأشياء طريفة يكتشفونها لأول مرة وتفتح طريقا رحبا أمام التفكير “الفلسفي” حول قيم إنسانية إيجابية يجب غرسها في تربتنا …

منصف الخميري Moncef Khemiri
<strong>منصف الخميري<strong>

أعتقد شخصيا أن أسلوب الحكي كمهارة بيداغوجية يكتسب في سياق التعليم والتعلّم قدرا كبيرا من الفاعلية والنجاعة التبليغيّة خاصة عندما يكون هادفا ومحبوكا ويختار له مؤدّيه نبرة مؤثّرة (بتلقائية صادقة وفي غير تلاعب بعواطف الناس كما يفعل دعاة الفتنة الدينية والتنمية البشرية) وأسلوب سرديّ مُحفّز يتوفر على قيمة تربوية أو فلسفية أو بيداغوجية مُضافة.

هذه بعض الحكايات التي جرّبتها شخصيا مع أطفال وكهول في سياقات تعليمية وتربوية مختلفة وكان لها في كل مرة تأثير إيجابي ومنافع تفوق بكثير حصص القصف النظري المملّ والاجترار الركيك لمضامين أوراق بيداغوجية اصفرّت وشاخت ولم يعد لها طعم ولا فائدة.

حكاية كسّار الحجارة : في قيمة التّنسيب وأهمية بذل الجهد وفق أهداف ومرامي

كان الكاتب والشاعر الفرنسي شارل بيغوي (توفي سنة 1914) في طريقه إلى مدينة شارتر، ومرّ برجل على حافّة الطريق بصدد تكسير الحجارة والعرق يتصبّب من كل جسده وكانت تبدو عليه ملامح التعب والنقمة والضّجر، وجهه شاحب وملامحه داكنة. توقّف شارل بيغوي وسأله بعد التحية : ماذا أنت فاعل يا رجل ؟

أجابه كسّار الحجارة : “كما ترى، أنا بصدد تفتيت الحجارة لا أكثر”، مضيفا في مرارة بارزة :  “ظهري يؤلمني، أحسّ بعطش شديد، آخر وجبة أكْل تناولتُها مرّ عليها أكثر من ستّ ساعات، ولكنّني للأسف لم أستطع الحصول على ما هو أفضل من هذا العمل المّضني والأحمق”.

واصل المسافر سيره نحو وِجهته فمرّ برجل ثان يُكسّر الحجارة هو الآخر لكن حالته تبدو أفضل بقليل من الرجل الأول وثمة شيء من الهدوء والانسجام في حركاته. بادره بيغوي بالتحية والسؤال “ما هذا العمل الذي تقوم به سيدي ؟”

“أنا كسّار حجارة، هو عمل شاق كما تلاحظ لكنه يسمح لي يإعالة زوجتي وأولادي”…قبل أن يستردّ أنفاسه ويضيف في ابتسامة خفيفة “وعلى أية حال، أنا أعمل في الهواء الطلق وصحتي جيدة ومن المؤكد أن هنالك وضعيات مهنية أكثر ضراوة من هذه”.

تمنّى له شارل بيغوي حظا موفورا وواصل طريقه باتجاه شارتر فعثر على كسّار ثالث بملامح مختلفة تماما عن الأول والثاني. كان مبتسما ناشطا تحدوه حماسة وإقبال على مهمة تكسير الحجارة وتهذيب نتوءاتها وصقلها قبل ترصيفها. سأله الشاعر المسافر “ما هذا العمل يا سيدي؟” أجابه الحجّار الثالث : “ألا ترى، أنا بصدد تشييد كاتدرائية !”.

(تذوّق بهجة التفكير في تحقيق الحلم قبل تحقّقه إذ تُذيب آثار الأتعاب وتُزيل آلام المُكابدة).

وفي سياقنا التونسي، كنت أطلب من المستمعين أن يضعوا بدل الكاتدرائية بما شاءوا : مسجدا غرناطيا أو قصرا قرطاجيا أو مدرسة بمواصفات عالمية لأطفال مينة الطويرف.

أسطورة الكوليبري (أو الطائر الطنّان كما يسمّيه العرب) : ليس لأننا لا نستطيع أن نفعل كل شيء حتى لا نفعل أي شيء

الكوليبري عصفور غريب لأن الدّارسين يؤكدون أنه يتمتع بخاصيات نادرة جدا، فهو أصغر طائر في الكون ويستحوذ على كل الأرقام القياسية حيث يقدر على الطيران إلى الخلف عكس الطيور الأخرى ويستطيع جعل جناحيه يخفقان إلى حدود 200 مرة في الثانية، له إمكانيات ذهنية هائلة، يأكل 3 مرات قدر وزنه من رحيق الزهور.

ذات يوم (جرّبوا التوقّف أثناء الدرس وقولوا لتلامذتكم أو طلبتكم، أصمتوا قليلا، ثم قولوا لهم ما رأيكم لو أروي لكم قصة…؟ ولاحظوا جميع الأعين التي تتجه نحوكم ويصمت الجميع وتشرئب الأعناق ويشرعون في الاصغاء إليكم من الأعماق)… إذن ذات يوم تقول الأسطورة، يحكى أن حريقا ضخما شبّ في الغاب وكانت جموع الحيوانات هناك بصدد مشاهده النيران تلتهم أشجارها وأوكارها وجحورها ولكنها كانت في حالة وُجوم لا تُبادر بفعل أي شيء. في تلك الأثناء كان الكوليبري – أصغر طائر فوق الأرض- الحيوان الوحيد الذي ينتفض متنقّلا في حركة ذهاب وإياب لا تنتهي إلى غدير قريب من موقع الحريق ليعود في كل مرة ببعض القطرات من الماء ويسكبها على النيران علّها تنطفئ. تضايقت بقية الحيوانات وانزعجت، فقال له أحدهم…

 جرّبوا عند هذا الحدّ فتح قوس لتُسرّبوا المعلومة التالية (قد يكون حيوان الكوالا الذي يرقد 22 ساعة في اليوم)… الضحكة المرحة مؤكّدة.

إذن قال له الكوالا مثلا، والسخرية تعلو محيّاه  “ألا يكفيك هذا السّخف والجنون، أتعتقد حقا أنك تستطيع بواسطة هذه القُطيرات إطفاء حريق بهذا الحجم ؟”

أجابهم الكوليبري “بالتأكيد لا، ولكنني أقوم بنصيبي من الواجب“… وطار نحو البحيرة مرة أخرى.

حكاية كارل والندا. لا تفكّر بإمكانية الفشل وأنت تباشر مهمّة ما

كارل والندا هو رياضي بهلواني ألماني-أمريكي اشتهر بالمشي على الحبال المشدودة بين ناطحات السحاب وفوق شلالات نياغارا، وغالبا ما يكون ذلك من دون شباك للنجدة. توفي في سان خوان ببورتو ريكو في سن الــ 73 سنة أمام الملأ من علوّ شاهق يقدر بـ 37 مترا .

هذا البهلواني وهب اسمه لأثر متداول في علم النفس الاجتماعي وهو “أثر أو عقلية والندا”.

بعد وفاته، سألوا زوجته هيلين عما حدث مع زوجها وهو الذي تعوّد على قهر الأعالي والمحافظة على توازنه مهما اشتدت قوة الرياح العاتية.

أجابت هيلين بأن كارل كان طوال حياته وقبل تنفيذ مشيته الهوائية يُركز كل طاقته على استكمال مساره بنجاح وكان يردّد دائما أن مؤهلاته ورصيد تدريباته تسمح له بذلك.  ولكنه في الآونة الأخيرة لاحظت تغيّرا كبيرا في سلوكه حيث أصبح متهيّبا في كل مرة، وأضحى تدريجيّا يعتبر أن السقوط وارد على كل حال وبالتالي عليه أن يركز كل جهوده وطاقته الذهنية لكي لا يسقط وليس لكي يمشي على الحبل…حتى سقط ومات.

ويُستعمل اليوم “أثر والندا” خاصة في التعبير عن قدرة الاستمرار في متابعة غايات إيجابية بتوظيف كامل الطاقة في تنفيذ المهمة المسطّرة دون الالتفات إلى الوراء أو التندّم على أحداث من الماضي.  تماما كما كان كارل والندا في بداياته، كل طاقته وكل انتباهه متجهان نحو الهدف، نحو التقدم ولم يفكر قطّ في احتمال الفشل والسقوط. فالنجاح ينبع من إيمان أزلي هو : القلب المقدام لا يعرف المستحيل.

A cœur vaillant, rien d’impossible

أكمل القراءة
تعليق واحد

تعليق واحد

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار