الحَكْي بصورة عامة ممتع والاستماع إلى الحكايات مُبهج ولكن بشرط أن يكون الرّاوي خفيف الروح ويتملّك القدرة على شدّ انتباه سامعيه، وأن تكون الحكاية حاملة لمعنى ومُروّجة لقيمة ويمكن أن تُشكّل منطلقا لتعميق الخوض في قضايا انسانية كبرى مثل الحرية والحب والعمل والتفاؤل والأمل والتعايش …
القصص والحكايات تُضفي معنى وتُنتج مشاعر وأحاسيس وانفعالات وتُمتع السامع ويسهُل تقاسمها وتضع الأطفال (خاصة) في مواجهة جيدة مع أفكار جميلة وأشياء طريفة يكتشفونها لأول مرة وتفتح طريقا رحبا أمام التفكير “الفلسفي” حول قيم إنسانية إيجابية يجب غرسها في تربتنا …
منصف الخميري
أعتقد شخصيا أن أسلوب الحكي كمهارة بيداغوجية يكتسب في سياق التعليم والتعلّم قدرا كبيرا من الفاعلية والنجاعة التبليغيّة خاصة عندما يكون هادفا ومحبوكا ويختار له مؤدّيه نبرة مؤثّرة (بتلقائية صادقة وفي غير تلاعب بعواطف الناس كما يفعل دعاة الفتنة الدينية والتنمية البشرية) وأسلوب سرديّ مُحفّز يتوفر على قيمة تربوية أو فلسفية أو بيداغوجية مُضافة.
هذه بعض الحكايات التي جرّبتها شخصيا مع أطفال وكهول في سياقات تعليمية وتربوية مختلفة وكان لها في كل مرة تأثير إيجابي ومنافع تفوق بكثير حصص القصف النظري المملّ والاجترار الركيك لمضامين أوراق بيداغوجية اصفرّت وشاخت ولم يعد لها طعم ولا فائدة.
حكاية كسّار الحجارة : في قيمة التّنسيب وأهمية بذل الجهد وفق أهداف ومرامي
كان الكاتب والشاعر الفرنسي شارل بيغوي (توفي سنة 1914) في طريقه إلى مدينة شارتر، ومرّ برجل على حافّة الطريق بصدد تكسير الحجارة والعرق يتصبّب من كل جسده وكانت تبدو عليه ملامح التعب والنقمة والضّجر، وجهه شاحب وملامحه داكنة. توقّف شارل بيغوي وسأله بعد التحية : ماذا أنت فاعل يا رجل ؟
أجابه كسّار الحجارة : “كما ترى، أنا بصدد تفتيت الحجارة لا أكثر”، مضيفا في مرارة بارزة : “ظهري يؤلمني، أحسّ بعطش شديد، آخر وجبة أكْل تناولتُها مرّ عليها أكثر من ستّ ساعات، ولكنّني للأسف لم أستطع الحصول على ما هو أفضل من هذا العمل المّضني والأحمق”.
واصل المسافر سيره نحو وِجهته فمرّ برجل ثان يُكسّر الحجارة هو الآخر لكن حالته تبدو أفضل بقليل من الرجل الأول وثمة شيء من الهدوء والانسجام في حركاته. بادره بيغوي بالتحية والسؤال “ما هذا العمل الذي تقوم به سيدي ؟”
“أنا كسّار حجارة، هو عمل شاق كما تلاحظ لكنه يسمح لي يإعالة زوجتي وأولادي”…قبل أن يستردّ أنفاسه ويضيف في ابتسامة خفيفة “وعلى أية حال، أنا أعمل في الهواء الطلق وصحتي جيدة ومن المؤكد أن هنالك وضعيات مهنية أكثر ضراوة من هذه”.
تمنّى له شارل بيغوي حظا موفورا وواصل طريقه باتجاه شارتر فعثر على كسّار ثالث بملامح مختلفة تماما عن الأول والثاني. كان مبتسما ناشطا تحدوه حماسة وإقبال على مهمة تكسير الحجارة وتهذيب نتوءاتها وصقلها قبل ترصيفها. سأله الشاعر المسافر “ما هذا العمل يا سيدي؟” أجابه الحجّار الثالث : “ألا ترى، أنا بصدد تشييد كاتدرائية !”.
(تذوّق بهجة التفكير في تحقيق الحلم قبل تحقّقه إذ تُذيب آثار الأتعاب وتُزيل آلام المُكابدة).
وفي سياقنا التونسي، كنت أطلب من المستمعين أن يضعوا بدل الكاتدرائية بما شاءوا : مسجدا غرناطيا أو قصرا قرطاجيا أو مدرسة بمواصفات عالمية لأطفال مينة الطويرف.
أسطورة الكوليبري (أو الطائر الطنّان كما يسمّيه العرب) : ليس لأننا لا نستطيع أن نفعل كل شيء حتى لا نفعل أي شيء
الكوليبري عصفور غريب لأن الدّارسين يؤكدون أنه يتمتع بخاصيات نادرة جدا، فهو أصغر طائر في الكون ويستحوذ على كل الأرقام القياسية حيث يقدر على الطيران إلى الخلف عكس الطيور الأخرى ويستطيع جعل جناحيه يخفقان إلى حدود 200 مرة في الثانية، له إمكانيات ذهنية هائلة، يأكل 3 مرات قدر وزنه من رحيق الزهور.
ذات يوم (جرّبوا التوقّف أثناء الدرس وقولوا لتلامذتكم أو طلبتكم، أصمتوا قليلا، ثم قولوا لهم ما رأيكم لو أروي لكم قصة…؟ ولاحظوا جميع الأعين التي تتجه نحوكم ويصمت الجميع وتشرئب الأعناق ويشرعون في الاصغاء إليكم من الأعماق)… إذن ذات يوم تقول الأسطورة، يحكى أن حريقا ضخما شبّ في الغاب وكانت جموع الحيوانات هناك بصدد مشاهده النيران تلتهم أشجارها وأوكارها وجحورها ولكنها كانت في حالة وُجوم لا تُبادر بفعل أي شيء. في تلك الأثناء كان الكوليبري – أصغر طائر فوق الأرض- الحيوان الوحيد الذي ينتفض متنقّلا في حركة ذهاب وإياب لا تنتهي إلى غدير قريب من موقع الحريق ليعود في كل مرة ببعض القطرات من الماء ويسكبها على النيران علّها تنطفئ. تضايقت بقية الحيوانات وانزعجت، فقال له أحدهم…
جرّبوا عند هذا الحدّ فتح قوس لتُسرّبوا المعلومة التالية (قد يكون حيوان الكوالا الذي يرقد 22 ساعة في اليوم)… الضحكة المرحة مؤكّدة.
إذن قال له الكوالا مثلا، والسخرية تعلو محيّاه “ألا يكفيك هذا السّخف والجنون، أتعتقد حقا أنك تستطيع بواسطة هذه القُطيرات إطفاء حريق بهذا الحجم ؟”
أجابهم الكوليبري “بالتأكيد لا، ولكنني أقوم بنصيبي من الواجب“… وطار نحو البحيرة مرة أخرى.
حكاية كارل والندا. لا تفكّر بإمكانية الفشل وأنت تباشر مهمّة ما
كارل والندا هو رياضي بهلواني ألماني-أمريكي اشتهر بالمشي على الحبال المشدودة بين ناطحات السحاب وفوق شلالات نياغارا، وغالبا ما يكون ذلك من دون شباك للنجدة. توفي في سان خوان ببورتو ريكو في سن الــ 73 سنة أمام الملأ من علوّ شاهق يقدر بـ 37 مترا .
هذا البهلواني وهب اسمه لأثر متداول في علم النفس الاجتماعي وهو “أثر أو عقلية والندا”.
بعد وفاته، سألوا زوجته هيلين عما حدث مع زوجها وهو الذي تعوّد على قهر الأعالي والمحافظة على توازنه مهما اشتدت قوة الرياح العاتية.
أجابت هيلين بأن كارل كان طوال حياته وقبل تنفيذ مشيته الهوائية يُركز كل طاقته على استكمال مساره بنجاح وكان يردّد دائما أن مؤهلاته ورصيد تدريباته تسمح له بذلك. ولكنه في الآونة الأخيرة لاحظت تغيّرا كبيرا في سلوكه حيث أصبح متهيّبا في كل مرة، وأضحى تدريجيّا يعتبر أن السقوط وارد على كل حال وبالتالي عليه أن يركز كل جهوده وطاقته الذهنية لكي لا يسقط وليس لكي يمشي على الحبل…حتى سقط ومات.
ويُستعمل اليوم “أثر والندا” خاصة في التعبير عن قدرة الاستمرار في متابعة غايات إيجابية بتوظيف كامل الطاقة في تنفيذ المهمة المسطّرة دون الالتفات إلى الوراء أو التندّم على أحداث من الماضي. تماما كما كان كارل والندا في بداياته، كل طاقته وكل انتباهه متجهان نحو الهدف، نحو التقدم ولم يفكر قطّ في احتمال الفشل والسقوط. فالنجاح ينبع من إيمان أزلي هو : القلب المقدام لا يعرف المستحيل.
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟
نجاح
28 نوفمبر 2022 في 18:06
أستمتع دوما بقراءة ما تكتب، أستمتع دوما حين أستمع إليك تتحدّث أو تروي قصّة شكرا لك لهذه المساحات