لسائل أن يسأل: لماذا يخرج علينا كل حاكم جديد بأغنية “إنني ورثت الخراب…”؟ هل يريد ايهامنا أو إعدادنا نفسيا لفشل قادم؟ أم أن اصطدامه بحقيقة وواقع الحكم جعلاه يعيش رعبا أوعز له بأن يرمي بفشله قبل أن يقع، على كل من سبقه في الحكم؟ ولسائل أن يسأل أيضا لماذا يحاول كل حاكم جديد الظهور بمنزلة الملائكة فيعلن الحرب على الجميع بتبريرات واهية وأدلّة غائبة فيتهم هذا ويشيطن الآخر ويختلق الروايات عن البعض الآخر كأنه نزل للتوّ من السماء بثوب ناصع البياض؟
<strong>محمد الأطرش<strong>
منذ 14 جانفي ونحن نستمع إلى نفس الأسطوانة ونفس الأغنية على نفس المقام…جميعهم ألقوا بالمسؤولية على عاتق من سبقهم في الحكم…جميعهم جعلوا ممن سبقهم فاسدا ومستبدا وأورثهم تركة ثقيلة لا يمكن الخروج منها، دون تضحيات جسام يتحمّلها شعب الفقراء والمساكين…والغريب في أمر هؤلاء الحكام، أنهم يقارنون إنجازاتهم وأرقامهم بأرقام وإنجازات آخر سنة من حكم بن علي رحمه الله…جميعهم دون استثناء قالوا في بن علي ما لم يقله مالك في الفودكا والويسكي وبقية المحروقات…وجميعهم قارنوا أرقامهم بأرقام آخر سنوات حكمه ورغم ذلك فأرقامهم لم تصل إلى نصف أرقام سنته الأخيرة على كرسي الحكم…فماذا يريد حكامنا منّا بالضبط؟
حكامنا سادتي، يبحثون عن مبرّرات فشلهم قبل أن يجلسوا على كراسيهم، فهم يدركون أنهم لن يعمّروا طويلا على كراسيهم، ويعلمون أنهم لن يتركوا أثرا كالذي تركه الزعيم بورقيبة رحمه الله، وكالذي تركه الرئيس بن علي رحمه الله، ويدركون جيدا أنهم لا يعلمون شيئا من شؤون الحكم وتسيير مؤسساته، فيستبقون فشلهم بالخروج على الشعب بتلك المبررات التي لا موجب لها، لإسكات بعضه، والبحث عن تعاطف البعض الآخر من المغفلين والأغبياء الذين تستهويهم الخطب وحماسة الخطب والألغام التي زرعت في الخطب…والشعارات الواهية …وقافية الكلام…
هكذا هم حكامنا منذ خروج بن علي رحمه الله لأداء مناسك العمرة والحج …حكامنا سادتي ينعتون كل من حكم قبلهم بالفساد…وكل من جلس قبلهم على كراسي الحكم بالفساد…وكل من جلس مع من حكم قبلهم بالفساد…وكل من صاهر من كان يحكم بالفساد…وكل من أجلسه من حكم قبلهم على كراسي السلطة بالفساد…وكل من قاوم الفساد قبلهم بالفساد…فجميع من حكمونا قبل وبعد 2011 هم من الفاسدين عند كل حاكم يطلّ علينا من شرفة قصره حتى إشعار آخر…تسأل حكامنا هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين…يقولون لك…لنا هنا ما يؤكّد ويثبت كلامنا…تسأل ماذا عندكم “هنا” كما تزعمون؟…لن ترى شيئا…ولن تعلم شيئا ولن تمسك بخيط واحد يؤكّد فساد بعضهم…
أقول أ يدري حكامنا ما هو الفساد حقّا…؟؟ الفساد سادتي أن نخرج على الشعب بشعار مقاومة الفساد… وننسى أن الشعب يئن من الجوع، ومجرّد إحساس مواطن بالجوع فساد… وننسى أن الشعب يرزح تحت خطّ الفقر، ووصول مواطن إلى الفقر فساد… وننسى أن الشعب يبحث عن لقمة عيش ولا يجدها، وعدم إيجاد لقمة عيش من مواطن فساد…وننسى أن الشعب يبكي مَن أصبحوا طعاما لحيتان المتوسط، وموت شاب في المتوسط هربا من الموت يأسا من هذه البلاد فساد…وننسى أن الشعب يبكي الظلم و”الحقرة” والتهميش، و”الحقرة” والتهميش من الفساد…وننسى أن الشعب يموت ولا يجد دواء لمرضه، وعدم إيجاد دواء لمواطن مريض فساد…فمقاومة الفساد في زمن كهذا تعتبر فسادا وأكبر فساد فهي إلهاء حقيقي وضمني واعتراف خفي بعدم القدرة على إخراج البلاد مما هي فيه…
سيقول بعضكم بمقاومة الفساد سنوفّر المال، وأسأل كيف ستوفرون المال؟ بابتزاز رجال الأعمال، باتهامهم بالفساد؟ بإلزام رجال الأعمال بالتكفّل بمشاريع في كل جهات البلاد؟ أتعلمون أن ديون رجال الأعمال التي تحدثتم جميعا عنها، وصفقتم طويلا لمن جاءكم بخبرها هي أمر عادي وطبيعي عند كل رجال الأعمال في كل دول العالم، أتدرون أن كل رجال أعمال العالم يقترضون المال للاستثمار، من البنوك ومن دولهم ثم يعيدونه مع فائض لبنوكم حتى وإن طالت مدّة الدفع…وحتى وإن أعيدت جدولة أقساط الدفع، هكذا هي آليات وأساليب الاستثمار والتعمير والبناء في كل دول العالم…فلماذا نجعل منها نحن هنا في تونس قضية فساد كبيرة ستدرّ على خزينة البلاد آلاف الملايين من الدينارات؟ سيقول بعضكم الآخر…أموالنا المهرّبة أين هي؟ سأضحك من مجرّد قول أموالكم…والحال أنها ليست أموالكم…وأقول تعيشون وهما كبيرا خدعكم به بعض الذين وعدوكم بالجنة …
سيقول بعضكم الآخر إن التهريب أو ما يسمونه بالــ”كونترا” هو الفساد الأخطر والأكبر على البلاد…وأقول تعالوا لنعرف كيف ذلك؟ أتدرون أن التهريب الذي تعرفه بلادنا مع كل حدود الدول المجاورة، ومنذ أكثر من نصف قرن، هو التجارة الوحيدة التي أنقذت مئات الآلاف من العائلات وأنقذت عشرات الآلاف من الشباب العاطل من اليأس والإحباط؟ سيقول أغلبكم وكيف ذلك يا جهبذ؟ وسأقول…أتدرون أن الجماهيرية حين كانت دولة موحّدة ومستقرة كانت تجارتنا الموازية معها تتكفّل باستقرار أكثر من خمس ولايات جنوبية، بشبابها…وعائلاتها… وعاطليها… أتدرون أن الدولة لم تكن قادرة على تشغيل كل ذلك العدد من الذين يمارسون ذلك النشاط التجاري الموازي…فهل أن دولتنا قادرة اليوم أو بالأمس على تشغيل فرد واحد من كل عائلة بها أكثر من أربعة عاطلين عن العمل من أصحاب الشهائد؟ لا وألف لا…لم تنجح حكوماتنا المتعاقبة ومنذ عهد بن علي رحمه الله في تشغيل كل العاطلين عن العمل من أصحاب الشهائد، ومن غيرهم، فكيف تريدون من هؤلاء الاكتفاء بالبقاء في منازلهم ينتظرون رحمه من حكومات فاشلة؟
أيدري بعضكم أن العشرات أو لنقل المئات ممن ناقشوا أطروحات الدكتوراه والماجستير يمارسون نشاطا تجاريا موازيا لتوفير لقمة عيش لعائلاتهم…أتدرون أن نصف من يمارسون هذه التجارة الموزاية هم أساتذة وبعضهم يواصل دراستهم العليا إلى يومنا هذا؟ أتدرون…أنا على بينة من أنكم تعلمون لكنكم لا تريدون الاعتراف بأنكم تعلمون… أقول لو لم تكن التجارة الموازية لخرجت ولايات الجنوب، وولايات الحدود الغربية على كل الحكومات وأطردتها من الحكم…هل تريدون اليوم إقناعنا أن الدولة كانت توفّر الغذاء وكل مستلزمات الحياة لكل الشعب التونسي؟ لا سادتي لا…أكثر من نصف سكان الجنوب ونصف سكان الولايات الحدودية كانت تعيش من التجارة الموازية وكانت تحمد الربّ على نعمة “الكونترا”…قد يقول بعضكم…ولم لا ننظّم هذا الأمر لتكون التجارة الموازية أكثر ربحية وتخضع لمراقبة في بعض السلع التونسية المدعمة …أقول لم لا؟؟ دون ذلك فمن يطالب اليوم بمقاومة التجارة الموازية في زمن قحط كالذي نعيشه منذ عشر سنوات ويزيد فهو فاقد للوعي…ولا يفقه في شؤون الحكم شيئا…
تريدون مقاومة الفساد….قاوموا الفساد الإداري….قاوموا الظلم الإداري…قاوموا التعطيل الإداري….قاوموا المحسوبية…قاوموا التوريث في الانتداب وافتحوا الملفات القديمة لتنصفوا من ظلموهم…تريدون مقاومة الفساد…اسألوا عمن ظلمهم الاتحاد بحرمانهم من الخطط الوظيفية…اسألوا من ظلمهم الاتحاد بتغيير أسماء الناجحين في المناظرات…اسألوا عمن جُمّدوا في رتبهم لأنهم فقط لم يبايعوا المدير والكاتب العام للنقابة الأساسية…اسألوا من حُرموا من ترقياتهم لأكثر من عقدين فقط لأنهم ليسوا منخرطين في الاتحاد…اسألوا من وقعت نقلتهم ظلما وعدوانا فقط لأنهم يمثلون خطرا على المدير لأنهم أكفأ منه…اسألوا عمن دلّسوا الآلاف من الشهائد بمساعدة من بعض أعوان الاتحاد…
اسألوا عمن شاركوا في مناظرات وسرقت منهم مواقع العمل لمن لا يحتاجها….اسألوا كم دفع بعضهم ليتمتع بنقلة بالقرب من والديه…اسألوا كم دفع بعضهم ليصبح معلما بمدرسة نائية…اسألوا عمن دفع الملايين ليقرأ اسمه في قائمة الناجحين في مناظرة احدى أخطر الوزارات…اسألوا عمن أصبحوا يرتعون ممرضين وممرضات في المستشفيات فقط لأنهم أبناء ممرضين وممرضات ولأنهم اقرب إلى الاتحاد والنقابات…اسألوا عن بعض المدن الصغيرة الخالية من العاطلين فقط لأن التوريث هو سياسة الانتداب في مؤسسات تلك المدينة…اسألوا واسألوا…وستعرفون ما هو الفساد…فالفساد الحقيقي هو الذي يشعرك بالظلم…يشعرك بالقهر…يقتلك دون أن تدري أنك تموت يوميا…وكفاكم ايهامنا بأنكم ستوفرون المليارات لخزينة الدولة فقط بمقاومة فساد الكبار…فساد الصغار هو أخطر فساد …
صراحة كنت أنتظر إعلان نوايا من حكومة مولانا بعيدا عن اتهام من سبقه بالفساد والاستبداد…لكن…لا أظنّ أننا بعد عامين من الخطب الناسفة والعنقودية سنسعد بإنجاز وعد واحد من وعود حكومة مولانا…ولا أظنّ أن حكومة مولانا سترأف بحال هذا الشعب…علينا ألا نطلب من حكومة مولانا إصلاح حال البلاد وهي العاجزة عن إصلاح حالها وأحوالها…ولا أظنّ أن حكومة واهمة…ستنجح في توفير ما لم توفره لنا الحكومات التي سبقتها…غير حزمة من الأوهام التي لن تُشبع ولن تغني من جوع…فلا لوم عن حكومتنا إن جاعت…فأكلت بعضنا…
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…
عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟
في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…
مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…
تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…
اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…
إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…
قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…
الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟
موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…
قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …
كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.
تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.
سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.
الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.
هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟
أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…
ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟
يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.