من الطبيعي أن نتأثر عند بِناء شيء ما بنماذج هندسية سائدة وتصوّرات معيّنة في وضع العناصر المكوّنة للمشروع وترتيبها وتنظيم العلاقة فيما بينها. وهو ما حصل مع بناء المدرسة التونسية التي كان باعثوها متأثرين بدون أدنى شك بالمنوال الفرنسي في فلسفة البرامج وطرق التدريس وتحديد مكانة عائلات المواد وطريقة اشتغال المرفق التربوي عامة تعلّما وتعليما وحَوْكمة وتسييرا.
منصف الخميري
تحقّقت كثير من المكتسبات التاريخية بكل تأكيد، حيث أصبح للتونسيين شبكة واسعة جدا من المدارس والمعاهد ومراكز التدريب والتكوين والجامعات ومحضنة ثرية من الموارد البشرية، وكذلك مستويات تمدرس قياسية لم تُقصِ الفتيات ولم تستثنِ المناطق النائية ولم تترك أبناء الفقراء على قارعة الأميّة…أي أننا انتصرنا في كسب معركة الكمّ تجهيزا وتمدرسا وتأطيرا، وهي خطوة أساسية لا يمكن أن تتأسّس خطوات نوعية وسياسة جودة إلا على قاعدتها.
برزت خلال مسار تطور المدرسة التونسية المتفاعلة مع ما يجري في محيطها الإقليمي والدولي، جملة من المشاكل والهِنات والتعثّرات التي استوجبت التصحيح والتعديل والإصلاح. ولكن بدلا من التصحيح جنحنا إلى النّسف والتقويض أحيانا وبدلا من الاستئناس برأي العارفين والمطلعين على ما يحدث في العالم، استفرد بعض الأشخاص المتعنّتين وفرضوا عديد “الإصلاحات” الملغومة التي زادت الأمر تعقيدا وساهمت بالتالي في إنتاج أزمة مركّبة مازلنا نعاني نتائجها المدمّرة الى اليوم.
وسأكتفي ضمن هذه الورقة بذكر خمس إجراءات (كانت محلّ خلاف واسع بين الساهرين على تدارس تفاصيلها قبل سنّها واعتمادها رسميّا) أعتبرها شخصيا من الانحرافات الكبرى التي ساهمت في نسف مكتسبات أساسية تحققت تاريخيا في المدرسة التونسية، وهي :
التخلي عن المسارات التدريبية، وبعث شبكة المؤسسات النموذجية، وخلق الباكالوريا إعلامية، وتحرير التوجيه، وإسقاط منظومة المواد الاختيارية.
أولا : التخلي عن المسارات التدريبية المهنية من الإعدادي إلى الثانوي
كانت مؤسساتنا التربوية تحتضن الفلسفة إلى جانب الحِدادة والرياضيات مع النّجارة والأدب والشعر بالتوازي مع الآلية، والاقتصاد جنبا إلى جنب مع الكهرباء، والتركيب اللغوي مع التركيب المعدني، والكيمياء مع الكهرباء … في تناغم وانسجام يُضفيان على مدرستنا روحا تعدّديّة يجد بموجبها كل تلميذ فرصته في النجاح واكتساب المهارات الأساسية التي تُؤهّل صاحبها لاختيار مدى طول المسار الذي يناسبه، وتخيّر أي جهاز يتم استخدامه بأكثر اقتدار : الجهاز “النظري” الذي يتطلب طول نفس ويقابله التعليم العام الطويل أو الجهاز “اليدوي” (و هو لا يقل ذكاءً) الذي يستدعي قدرة فائقة في الإتقان والبراعة والدقّة والإبداع بدون كثير تجريد نظري عام.
لم تكن هناك أفضلية في الذهنية الشعبية العامة بين مسالك “مرموقة ومرغوبة وذات قيمة اجتماعية مضافة” ومسالك أخرى أقل شأنا مخصصة لــ “غير الأذكياء” ويكفي أن نتوقّف عند الحقيقتين التاليتين لتأكيد هذا الأمر :
– حجم الاستفادة الكبيرة التي حصلت لفائدة الإدارة التونسية والصناعات الناشئة والمؤسسات الانتاجية المختلفة وقطاع الشركات الصغرى والمتوسطة، بفضل الكفاءات التي أفرزها التعليم الإعدادي المهني والاختصاصات “التقنية الصناعية” المُتوّجة بالديبلوم التقني في اختصاصات عديدة ومتنوعة من قبيل الميكانيك والكهرباء والتصرف والإدارة… علما بأن نظامنا التربوي في ذلك الحين كان أكثر مرونة مما هو عليه الآن، لأنه كان يسمح للمتميّزين من كل شعبة بمواصلة الدراسة في إطار “سنة سابعة خاصة” ثم اجتياز ما يُعادل الباكالوريا التقليدية والدخول إلى الجامعة.
– شعبة “العلوم التقنية” المُفضية إلى الباكالوريا اليوم والتي ورثت على نحو ما المُراكمات الحاصلة عبر تجارب “التعليم المُمهنن” في مدرستنا التونسية مع جُرعة ربما أكثر متانة من التعلّمات الأساسية في الرياضيات والفيزياء، لا تحجب بالمرة التكوين الأساسي في ذات مجالات الكهرباء والميكانيك والإلكترونيك والتكنولوجيا عموما… هذه الشعبة تشهد إقبالا واسعا في صفوف تلاميذ الثانوي بل هناك مطالبة مجتمعية في كل الولايات بفتح مخابر إضافية للتقنية في المعاهد الثانوية من أجل توسيع طاقة استيعاب هذه الشعبة أمام الطلب المتزايد عليها. وبالتالي، فإن حجّة “عزوف الشباب ومن ورائه العائلات إزاء التعليم المهني أو التقني” حجة مردودة على أصحابها لا تصمد كثيرا أمام منسوب التفوّق الدراسي في هذا المسلك الذي أصبح “نخبويا” هو الآخر، وأمام الآفاق الواعدة المفتوحة أمام حاملي باكالوريا “العلوم التقنية” في الجامعة التونسية والجامعات الألمانية بصورة خاصة.
قد يعترض بعضهم على كون التخلي عن التعليم المهني في مدرستنا التونسية شكّل انحرافا أضرّ أيما ضرر بمكسب ثمين بناه القدامى باعتبار أن هذا الصنف من التعليم أفردته الدولة بوزارة مستقلة هي وزارة التكوين المهني والتشغيل حتى يكون أكبر شأنا وتتوفر له أكثر إمكانيات، وتتفرغ أجهزة بكاملها ووكالات وبوّابات ودواوين ومراكز وطنية متنوعة لتطويره وجعله أكثر قدرة من منظومة التعليم المهني المندمجة على استيعاب آلاف التلاميذ غير الراغبين (وربما غير القادرين) على مواصلة تعليمهم في مسارات تعليمية طويلة.
لا أشكك في نجاعة التكوين وجودته في مراكز التكوين المهني التابعة لوزارة التكوين المهني اليوم، ولا أستنقص من قيمة مجهودات كبيرة بُذلت في سبيل تطوير أداء منظومة التدريب والتكوين المهني لا فقط في مستوى المراكز التابعة للوكالة الوطنية للتكوين المهني ولكن في مستوى عديد الوزارات الأخرى مثل الفلاحة والصحة والسياحة والدفاع …ولكنني على يقين في نفس الوقت أن منظومة متكاملة ومتنافذة عضويا تكون فيها المعابر مُحيلة الواحدة على الأخرى في إطار نفس المؤسسة التربوية ونفس النسيج التكويني وذات الإشراف الإداري والبيداغوجي، أفضل وأنجع بكثير من منظومة “الشتاتالتكويني” التي نعيشها اليوم في تونس، وذلك لسببين رئيسيين على الأقل :
– طاقة الاستيعاب الحالية في كامل منظومة التكوين المهني لا تتجاوز في أحسن الحالات 60 ألف متكوّن من المسجلين سنويا بين العمومي والخاص (حسب أرقام وزارة التكوين المهني لسنة 2018)، وذلك في كل مستويات التكوين (غير المشفوعة كلها بشهائد معترف بها) والتي لا تشمل المنقطعين سنويا فقط بل كل المنقطعين عبر السنوات والمحرزين على شهائد جامعية ممن لم يحصلوا على شغل… وعدد المنتمين إلى هذه الفئات يُقدّر بمئات الآلاف المتراكمة من سنة إلى أخرى.
– التوجيه نحو التكوين المهني والتدريب عندما يكون داخليا ومندمجا مثله مثل التوجيه نحو المسالك التقليدية الأخرى تماما، يجعل منه مسلكا طبيعيا لا يزيد ولا ينقص قيمة لأن صاحبه لن يغادر المؤسسة التربوية ويظل منتميا لها ومنتفعا بالتعلّمات العامة المشتركة إلى جانب تكوين خصوصي ذي جودة وآفاق… وبالإضافة إلى الوقع النفسي السيّء على التلميذ نفسه وعائلته في حالة “الإبعاد”، هناك صعوبة إضافية تتمثل في ضرورة مباشرة مسار جديد يتعين خلاله على التلميذ أن يُجمّع المعلومات حول عروض التكوين واستجلاء ما هو قادر على متابعة الدراسة فيه، والقيام بإجراءات ثقيلة أحيانا من تسجيل وتنقل وتخيّر المركز التكويني الأقرب إلى مقر سكناه في صورة توفّره.
ثانيا : بعث شبكة المؤسسات النموذجية
الفكرة في حدّ ذاتها مُغرية لأنها تنطلق من حقيقة بديهيّة تتمثّل في أن هنالك أطفالا وشبانا متميزين دراسيا (وهم تلاميذ حسب المختصين ذوو اشتغال ذهني مختلف وتدفق عصبي أسرع ولديهم ترابطات عصبية أكثر كثافة) بما يتطلب تأطيرا خاصا ومرافقة مختلفة حتى لا يشعروا بالضجر وأن المدرسة لا تستجيب لانتظاراتهم. لكن في عديد بلدان العالم تمّ التوصل إلى صيغ معالجة أقل حدّية مما حدث لدينا مثل الاعتراف أولا بأنهم تلاميذ ذوو حاجيات تربوية خاصة واعتماد مقاربات بيداغوجية مرنة مع هؤلاء، وتمكين المربين من تكوين خاص يسمح بتعهّد هذه الفئة وخلق أقسام متعددة المستويات، حتى يُسمح لكل تلميذ بالتعلم حسب النسق الخاص به أو ما تسميه رئيسة الجمعية الوطنية الفرنسية للتلاميذ المُبكّرين ذهنيا élèves intellectuellement précoces EIP بــ “العمل ضمن جُزيْرات” بما يشجع على التعاون بين الأقران وخلق مجموعات بمستويات فيها أكثر ثراء.
إذن الحل لا يكمن في عزل التلاميذ المتميّزين حتى لا يتأثّروا بالمستوى “المتدنّي” لباقي التلاميذ في المؤسسات التربوية “العادية”، بل في جعل التلاميذ “العاديّين” يتأثرون إيجابيا بالمستوى العالي نسبيا للتلاميذ “النموذجيين”، بحيث تكون الخسارة مُضاعفة، فلا المدرسة حافظت على خيرة أبنائها ولا هؤلاء جَنَوْا امتيازات مدرسية تُذكر.
فما هي إجراءات التهيئة البيداغوجية الخاصة التي يتمّ رصدها لفائدة تلاميذ المؤسسات النموذجية في تونس، وأي تكوين خاص يتمتع به الأساتذة المنتدبون فيها وأية مواد إضافية تُدرّس هناك وأية أساليب إفراقيّة معتمدة وأي زمن مدرسي خاص يتلاءم مع الطبيعة الخاصة لهذه الفئة من التلاميذ ؟
الإجابة : قطعا لا شيء.
التلاميذ الذين يُحرزون معدّلات عالية في المؤسسات النموذجية هم يحرزونها بفضل المستوى الجيد الذين قدموا به من مؤسساتهم الأصلية وليس بفضل “قيمة بيداغوجية مضافة” توهّمها المؤسّسون وأرادوها لهذا النسيج التربوي الهجين…
تحليل عميق، فعلا هناك تعنّت يجعل الدولة تعمد إلى التخلّي عن التجارب الناجحة دون قراءة أو دراسة. أشاطرك الرأي في كل ما ذهبت إليه، وهو أمر يؤرّقني، في انتظار البقية
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟
**********@*****il.fr" class="url" rel="ugc external nofollow">نحاح
2 مايو 2022 في 07:35
تحليل عميق، فعلا هناك تعنّت يجعل الدولة تعمد إلى التخلّي عن التجارب الناجحة دون قراءة أو دراسة. أشاطرك الرأي في كل ما ذهبت إليه، وهو أمر يؤرّقني، في انتظار البقية