تابعنا على

جور نار

خمسة انحرافات كُبرى … دكّت أركان مدرستنا التونسية (الجزء الأول)

نشرت

في

من الطبيعي أن نتأثر عند بِناء شيء ما بنماذج هندسية سائدة وتصوّرات معيّنة في وضع العناصر المكوّنة للمشروع وترتيبها وتنظيم العلاقة فيما بينها. وهو ما حصل مع بناء المدرسة التونسية التي كان باعثوها متأثرين بدون أدنى شك بالمنوال الفرنسي في فلسفة البرامج وطرق التدريس وتحديد مكانة عائلات المواد وطريقة اشتغال المرفق التربوي عامة تعلّما وتعليما وحَوْكمة وتسييرا.

منصف الخميري Moncef Khemiri
<strong>منصف الخميري<strong>

تحقّقت كثير من المكتسبات التاريخية بكل تأكيد، حيث أصبح للتونسيين شبكة واسعة جدا من المدارس والمعاهد ومراكز التدريب والتكوين والجامعات ومحضنة ثرية من الموارد البشرية، وكذلك مستويات تمدرس قياسية لم تُقصِ الفتيات ولم تستثنِ المناطق النائية ولم تترك أبناء الفقراء على قارعة الأميّة…أي أننا انتصرنا في كسب معركة الكمّ تجهيزا وتمدرسا وتأطيرا، وهي خطوة أساسية لا يمكن أن تتأسّس خطوات نوعية وسياسة جودة إلا على قاعدتها.

برزت خلال مسار تطور المدرسة التونسية المتفاعلة مع ما يجري في محيطها الإقليمي والدولي، جملة من المشاكل والهِنات والتعثّرات التي استوجبت التصحيح والتعديل والإصلاح. ولكن بدلا من التصحيح جنحنا إلى النّسف والتقويض أحيانا وبدلا من الاستئناس برأي العارفين والمطلعين على ما يحدث في العالم، استفرد بعض الأشخاص المتعنّتين وفرضوا عديد “الإصلاحات” الملغومة التي زادت الأمر تعقيدا وساهمت بالتالي في إنتاج أزمة مركّبة مازلنا نعاني نتائجها المدمّرة الى اليوم.

وسأكتفي ضمن هذه الورقة بذكر خمس إجراءات (كانت محلّ خلاف واسع بين الساهرين على تدارس تفاصيلها قبل سنّها واعتمادها رسميّا) أعتبرها شخصيا من الانحرافات الكبرى التي ساهمت في نسف مكتسبات أساسية تحققت تاريخيا في المدرسة التونسية، وهي :

التخلي عن المسارات التدريبية، وبعث شبكة المؤسسات النموذجية، وخلق الباكالوريا إعلامية، وتحرير التوجيه، وإسقاط منظومة المواد الاختيارية.

أولا : التخلي عن المسارات التدريبية المهنية من الإعدادي إلى الثانوي

كانت مؤسساتنا التربوية تحتضن الفلسفة إلى جانب الحِدادة والرياضيات مع النّجارة والأدب والشعر بالتوازي مع الآلية، والاقتصاد جنبا إلى جنب مع الكهرباء، والتركيب اللغوي مع التركيب المعدني، والكيمياء مع الكهرباء … في تناغم وانسجام يُضفيان على مدرستنا روحا تعدّديّة يجد بموجبها كل تلميذ فرصته في النجاح واكتساب المهارات الأساسية التي تُؤهّل صاحبها لاختيار مدى طول المسار الذي يناسبه، وتخيّر أي جهاز يتم استخدامه بأكثر اقتدار : الجهاز “النظري” الذي يتطلب طول نفس ويقابله التعليم العام الطويل أو الجهاز “اليدوي” (و هو لا يقل ذكاءً) الذي يستدعي قدرة فائقة في الإتقان والبراعة والدقّة والإبداع بدون كثير تجريد نظري عام.

لم تكن هناك أفضلية في الذهنية الشعبية العامة بين مسالك “مرموقة ومرغوبة وذات قيمة اجتماعية مضافة” ومسالك أخرى أقل شأنا مخصصة لــ “غير الأذكياء” ويكفي أن نتوقّف عند الحقيقتين التاليتين لتأكيد هذا الأمر :

– حجم الاستفادة الكبيرة التي حصلت لفائدة الإدارة التونسية والصناعات الناشئة والمؤسسات الانتاجية المختلفة وقطاع الشركات الصغرى والمتوسطة، بفضل الكفاءات التي أفرزها التعليم الإعدادي المهني والاختصاصات “التقنية الصناعية” المُتوّجة بالديبلوم التقني في اختصاصات عديدة ومتنوعة من قبيل  الميكانيك والكهرباء والتصرف والإدارة… علما بأن نظامنا التربوي في ذلك الحين كان أكثر مرونة مما هو عليه الآن، لأنه كان يسمح للمتميّزين من كل شعبة بمواصلة الدراسة في إطار “سنة سابعة خاصة”  ثم اجتياز ما يُعادل الباكالوريا التقليدية والدخول إلى الجامعة.

– شعبة “العلوم التقنية” المُفضية إلى الباكالوريا اليوم والتي ورثت على نحو ما المُراكمات الحاصلة عبر تجارب “التعليم المُمهنن” في مدرستنا التونسية مع جُرعة ربما أكثر متانة من التعلّمات الأساسية في الرياضيات والفيزياء، لا تحجب بالمرة التكوين الأساسي في ذات مجالات الكهرباء والميكانيك والإلكترونيك والتكنولوجيا عموما… هذه الشعبة تشهد إقبالا واسعا في صفوف تلاميذ الثانوي بل هناك مطالبة مجتمعية في كل الولايات بفتح مخابر إضافية للتقنية في المعاهد الثانوية من أجل توسيع طاقة استيعاب هذه الشعبة أمام الطلب المتزايد عليها. وبالتالي، فإن حجّة “عزوف الشباب ومن ورائه العائلات إزاء التعليم المهني أو التقني” حجة مردودة على أصحابها لا تصمد كثيرا أمام منسوب التفوّق الدراسي في هذا المسلك الذي أصبح “نخبويا” هو الآخر، وأمام الآفاق الواعدة المفتوحة أمام حاملي باكالوريا “العلوم التقنية” في الجامعة التونسية والجامعات الألمانية بصورة خاصة.

قد يعترض بعضهم على كون التخلي عن التعليم المهني في مدرستنا التونسية شكّل انحرافا أضرّ أيما ضرر بمكسب ثمين بناه القدامى باعتبار أن هذا الصنف من التعليم أفردته الدولة بوزارة مستقلة هي وزارة التكوين المهني والتشغيل حتى يكون أكبر شأنا وتتوفر له أكثر إمكانيات، وتتفرغ أجهزة بكاملها ووكالات وبوّابات ودواوين ومراكز وطنية متنوعة لتطويره وجعله أكثر قدرة من منظومة التعليم المهني المندمجة على استيعاب آلاف التلاميذ غير الراغبين (وربما غير القادرين) على مواصلة تعليمهم في مسارات تعليمية طويلة.

 لا أشكك في نجاعة التكوين وجودته في مراكز التكوين المهني التابعة لوزارة التكوين المهني اليوم، ولا أستنقص من قيمة مجهودات كبيرة بُذلت في سبيل تطوير أداء منظومة التدريب والتكوين المهني لا فقط في مستوى المراكز التابعة للوكالة الوطنية للتكوين المهني ولكن في مستوى عديد الوزارات الأخرى مثل الفلاحة والصحة والسياحة والدفاع …ولكنني على يقين في نفس الوقت أن منظومة متكاملة ومتنافذة عضويا تكون فيها المعابر مُحيلة الواحدة على الأخرى في إطار نفس المؤسسة التربوية ونفس النسيج التكويني وذات الإشراف الإداري والبيداغوجي، أفضل وأنجع بكثير من منظومة “الشتات التكويني” التي نعيشها اليوم في تونس، وذلك لسببين رئيسيين على الأقل :

– طاقة الاستيعاب الحالية في كامل منظومة التكوين المهني لا تتجاوز في أحسن الحالات 60 ألف متكوّن من المسجلين سنويا بين العمومي والخاص (حسب أرقام وزارة التكوين المهني  لسنة 2018)، وذلك في كل مستويات التكوين (غير المشفوعة كلها بشهائد معترف بها) والتي لا تشمل المنقطعين سنويا فقط بل كل المنقطعين عبر السنوات والمحرزين على شهائد جامعية ممن لم يحصلوا على شغل… وعدد المنتمين إلى هذه الفئات يُقدّر بمئات الآلاف المتراكمة من سنة إلى أخرى.

– التوجيه نحو التكوين المهني والتدريب عندما يكون داخليا ومندمجا مثله مثل التوجيه نحو المسالك التقليدية الأخرى تماما، يجعل منه مسلكا طبيعيا لا يزيد ولا ينقص قيمة لأن صاحبه لن يغادر المؤسسة التربوية ويظل منتميا لها ومنتفعا بالتعلّمات العامة المشتركة إلى جانب تكوين خصوصي ذي جودة وآفاق… وبالإضافة إلى الوقع النفسي السيّء على التلميذ نفسه وعائلته في حالة “الإبعاد”، هناك صعوبة إضافية تتمثل في ضرورة مباشرة مسار جديد يتعين خلاله على التلميذ أن يُجمّع المعلومات حول عروض التكوين واستجلاء ما هو قادر على متابعة الدراسة فيه، والقيام بإجراءات ثقيلة أحيانا من تسجيل وتنقل وتخيّر المركز التكويني الأقرب إلى مقر سكناه في صورة توفّره.

ثانيا : بعث شبكة المؤسسات النموذجية

الفكرة في حدّ ذاتها مُغرية لأنها تنطلق من حقيقة بديهيّة تتمثّل في أن هنالك أطفالا وشبانا متميزين دراسيا (وهم تلاميذ حسب المختصين ذوو اشتغال ذهني مختلف وتدفق عصبي أسرع ولديهم ترابطات عصبية أكثر كثافة) بما يتطلب تأطيرا خاصا ومرافقة مختلفة حتى لا يشعروا بالضجر وأن المدرسة لا تستجيب لانتظاراتهم. لكن في عديد بلدان العالم تمّ التوصل إلى صيغ معالجة أقل حدّية مما حدث لدينا مثل الاعتراف أولا بأنهم تلاميذ ذوو حاجيات تربوية خاصة واعتماد مقاربات بيداغوجية مرنة مع هؤلاء، وتمكين المربين من تكوين خاص يسمح بتعهّد هذه الفئة وخلق أقسام متعددة المستويات، حتى يُسمح لكل تلميذ بالتعلم حسب النسق الخاص به أو ما تسميه رئيسة الجمعية الوطنية الفرنسية للتلاميذ المُبكّرين ذهنيا élèves intellectuellement précoces EIP بــ “العمل ضمن جُزيْرات” بما يشجع على التعاون بين الأقران وخلق مجموعات بمستويات فيها أكثر ثراء.

إذن الحل لا يكمن في عزل التلاميذ المتميّزين حتى لا يتأثّروا بالمستوى “المتدنّي” لباقي التلاميذ في المؤسسات التربوية “العادية”، بل في جعل التلاميذ “العاديّين” يتأثرون إيجابيا بالمستوى العالي نسبيا للتلاميذ “النموذجيين”، بحيث تكون الخسارة مُضاعفة، فلا المدرسة حافظت على خيرة أبنائها ولا هؤلاء جَنَوْا امتيازات مدرسية تُذكر.

فما هي إجراءات التهيئة البيداغوجية الخاصة التي يتمّ رصدها لفائدة تلاميذ المؤسسات النموذجية في تونس، وأي تكوين خاص يتمتع به الأساتذة المنتدبون فيها وأية مواد إضافية تُدرّس هناك وأية أساليب إفراقيّة معتمدة وأي زمن مدرسي خاص يتلاءم مع الطبيعة الخاصة لهذه الفئة من التلاميذ ؟

الإجابة : قطعا لا شيء.

التلاميذ الذين يُحرزون معدّلات عالية في المؤسسات النموذجية هم يحرزونها بفضل المستوى الجيد الذين قدموا به من مؤسساتهم الأصلية وليس بفضل “قيمة بيداغوجية مضافة” توهّمها المؤسّسون وأرادوها لهذا النسيج التربوي الهجين…

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
تعليق واحد

تعليق واحد

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار