تابعنا على

لمْسُ نار

صفاقس … المدينة المعطبة

نشرت

في

في أواخر شهر جوان وبداية شهر جويلية من كل سنة، يتصدّر اسم صفاقس  وسائل الاعلام  بجميع أنواعها … كيف لا و أبناؤها يحصلون على أفضل النتائج التربوية و مندوبيتا التربية صفاقس 1 و صفاقس 2 تتصدّران  الترتيب الوطني في نسب النجاح بالباكالوريا … و يشعر الصفاقسيّة وقتها بالفخر لانتمائهم إلى هذه الرّقعة من الوطن و هو يكاد يكون موسم الفرح الوحيد الذي يحتفون به و يشعرون فيه بأنهم مواطنون عاديون لا مواطنون من درجة ثانية ..

<strong>عبير عميش<strong>

أ تريدون أن تعرفوا سبب الفخر أو هو سبب المبالغة في الفخر الذي تستكثرونه علينا و تلوموننا عليه ؟؟

فإذا كان أهالي باقي الولايات الساحلية أو سكان العاصمة يدرسون في ظروف عادية فيحققون نسب نجاح مرتفعة فإن تلاميذ صفاقس المدينة الثانية من حيث عدد السكان يدرسون في ظروف متردية و  يتحدون الكثير من الصعوبات لتحقيق النجاح

صفاقس هي المدينة  التي يعرف  الجميع أنها مدينة العلم و العمل  يعاني سكانها من مشاكل جمة لا يشعر بها إلا من يعيش داخلها …

بعض الأطفال فيها لا يعرفون أنها مدينة ساحلية و لا يرون البحر فيها أبدا رغم أنها صاحبة أطول شريط ساحلي في الجمهورية و يقطع سكانها مئات الكيلومترات ليحظَوْا بمعانقة البحر … فشطوط مثل الكازينو و تابارورة و الشفار وسيدي منصور و حتّى قرقنة  كلها مشاكل لا تحصى و لا تعد و في حاجة إلى تدخلات عاجلة من أجل إصلاحها و تطويرها و إنجاز المشاريع الموعودة فيها.

أمّا منطقة ڨرقور و عين فلات ذات الريادة و المردودية الفلاحية سابقا فقد خربتها مصانع “السياب” و قضت على  الثروة البحرية بها  ودمرت الأراضي و قتلت الأشجار المثمرة مثلما دمّرت الانسان.

 فهل جربتم مثلا أن تعيشوا طيلة سنوات في هواء ملوث كذاك الذي كانت تطلقه مدخنة السياب  (التي لم تغلق الا منذ سنتين بفضل مجهودات و ضغوط المجتمع المدني) و أن تتعايشوا مع مشاهد أطنان الفوسفوجيبس المشعة مع ما يخلفه ذلك من أمراض تنفسية و جلدية  خطيرة ؟؟ نحن في صفاقس جرّبنا ذلك طيلة عقود…

في صفاقس مشاريع البنية التحتية تقضي عشرات السّنوات دون أن ترى النور حتى ييأس السكان و يستسلموا لواقعهم الأليم… فمنذ الثمانينات كان مشروع تابارورة و مشروع ميترو صفاقس حلما لدى شباب المدينة و تحوّلا اليوم إلى كابوس و مجرّد ذكرهما صار يثير السخرية و المرارة… و أضحى شباب الثمانينات شيوخا دون أن يرى هذان المشروعان النور و مازالا حبرا على ورق لم يتجاوزا مراحل الدراسات و بناء التصورات و ما من أمل في أن يريا النور في المستقبل القريب و لا في أن يخفف  إنجازهما الازدحام عن طرقاتنا التي غصت بمستعمليها و صارت كل الأوقات فيها أوقات ذروة … و ما زاد الأمور تعقيدا في الفترة الأخيرة  الإغلاقات الجزئية للطريق الحزامية المسماة “حزام بورقيبة” التي تعيش منذ أكثر من ثلاث سنوات على وقع أشغال لا تنتهي و يعيش السكان يوميا اختناقا مروريا فظيعا في كل تقاطعاتها

صفاقس التي كانت في الستينات و السبعينات رائدة في مجال الثقافة لم تعد كذلك.. و صارت تفتقر لكل مقومات الحياة الثقافية… مدينة يفوق عدد سكانها المليون ساكن ليس بها قاعة سينما واحدة…  المتحف البلدي مغلق منذ سنوات و متحف دار الجلولي أوصد أبوابه للصيانة و لا صيانة ،  بل صار معلما آيلا للسقوط.. و متحف العمارة لا تستطيع الوصول إليه و الكثيرون لا يعلمون شيئا عن أمر وجوده لما يحيط به من انتصاب فوضوي و من أكداس ” فريب”  شوهت وجه باب القصبة و الساحة المؤدّية إليه .

مدينة قضى مسرحها البلدي سنوات طويلة مغلقا.. و المركب الثقافي اليتيم جاء مشروعا مبتورا و لا يبدو أنه سيكتمل .. و المسرح الصيفي ليس بأفضل حال منهما …أما المكتبة الرقمية  فتلك حكاية أخرى حكاية فساد و سوء تصرف وانعدام رؤية خسرنا بها الكنيسة و لم نكسب المكتبة .

أمّا المطار… فأحيانا ننسى أن لدينا مطارا بالمدينة… مطارنا تستغله الطيور بدل الطائرات و لا يستقبل سوى رحلتين يتيمتين أسبوعيا و يضطر المسافرون من طلبة و رجال أعمال و سياح إلى التوجه نحو المنستير أو قرطاج لمغادرة البلاد…

طيب… قد يبدو لكم الحديث عن المسارح و دور السينما و المطار نوعا من الترف..  دعوني إذن أحدثكم عن انقطاع المياه المتكرر في صفاقس.. عن البيوت التي تقضي أياما طويلة دون قطرة ماء واحدة … دعوني أحدثكم عن الحنفيات التي مللنا صوت غرغرتها و هي تحاول جاهدة استجلاب مياه لا تأتي… دعوني أحدثكم عن مدينة لا يمر فيها أسبوع صيفا أو شتاء دون أن تنقطع المياه و إن عادت فهي مياه يأنف الحيوان من أن يشرب منها… مياه ملوثة ملونة صفراء  كريهة الرائحة  و كلما احتجّ المواطنون أو طالبوا بحقهم في المياه أجاب المسؤولون بأن لا حلّ في الأفق القريب وأن علينا انتظار انجاز محطّة التحلية حتى أواخر 2023 أو ما بعدها و أنّ علينا ترشيد الاستهلاك… و لكنهم لم يوضحوا لنا يوما  كيف يمكننا أن نقتصد في استهلاك مادة مفقودة؟؟

و ليكتمل جمال الصورة ها إنّ صفاقس تغرق تحت أطنان من النفايات منذ أكثر من شهر … نفايات في الأزقة و المفترقات و الشوارع الرئيسية..  نفايات  في ساحة المستشفى و  أمام المدارس و الكليات حذو المصانع … نفايات في الأسواق و الساحات العامة و تحت السور و في الميناء… أينما أدرت وجهك لا ترى غير أطنان القمامة…

فقط ـ و يا للمهزلة ـ تلك  الطرقات التي مرت منها وزيرة البيئة  تم رفع القمامة عنها و تنظيفها و لعقها لعقا كعادة مسؤولينا في لعق أحذية رؤسائهم في العمل

و تأتي الوزيرة  التي طال انتظارها لتقول للمسؤولين و المواطنين إنها لا تملك عصا سحرية لحل الأزمة و أنها جاءت فقط من أجل الاستماع إلى مقترحاتهم ثم ستتباحث في الحلول في ما بعد مع كوادر الوزارة رغم أنّ المشكل قديم متجدّد و رغم أن إطارات الوزارة مطلعون على الملف مند سنوات و المشكل كان متوقّعا و كان من الضروري استباقه، و لكنّ إرادة التّصرّف و إيجاد الحلول مفقودة … فليواصل سكاّن صفاقس الصّبر لا بأس !!… و ليعيشوا وسط النفايات لا يهمّ !!.. و لتهدّدهم الأمراض و الكوليرا لا إشكال !! … ماداموا صامتين يواصلون العمل دون إزعاج راحة حكّامهم …ولكن حذار فتحت الرماد اللهيب  و كأس الصبر توشك أن تفيض …

فمسؤولو المركز لا يذكرون صفاقس إلا زمن الجباية و استخلاص الضرائب المستحقة للدولة و لا يخشونها إلا عند الإضرابات و سياسيّونا لا يتسابقون لزيارتها إلا زمن الانتخابات .. و فيما عدا ذلك لا  يعتبروننا إلاّ مواطنين من درجة ثانية و قد نسي الجميع أننا أيضا مثلهم توانسة  لنا مثل ما لهم و علينا مثل ما عليهم  ..

و أمام تدهور كل مرافق العيش كيف لا يعاني سكان صفاقس من الاكتئاب و التوتر و هم يعيشون ظروفا كهذه؟؟  كيف لا تضطرم في أنفسهم مشاعر السخط و الغضب و هم يلاحظون تدني مؤشرات جودة الحياة في مدينتهم التي صارت قرية كبيرة بعد أن كان الرحالة قديما يتغنّون بها و يشيدون بما فيها من نظام و نظافة و هندسة معمارية ومعالم رائعة مثل سورها الذي حافظ على كل أركانه و جامعها الكبير و قصر البلدية التحفة المعمارية المميزة ..

هل أدركتم اليوم لماذا يتباهى أهل صفاقس بنتائج أبنائهم الدراسية ؟ فرغم كل  الميزيريا التي يعيشونها في هذه المديـنة المعطبة ، مازالوا قــادرين على العمل و التركيـز و التفوق و النّجــاح أو أنهم قد يكونـون كذلك بفضل هذه الميـزيــريا !

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لمْسُ نار

مدن غارقة في الماء … و إعلام غارق في عركة على قرنيطة!

نشرت

في

عبير عميش:

بين فيضانات 2018 وفيضانات 2026، تغيّرت التواريخ وتبدّلت الحكومات، لكن المشهد بقي ذاته: أمطار غزيرة، طرقات غارقة، أحياء معزولة، ضحايا و مفقودون ، زيارات ميدانية و خطابات مطمئنة…

والإشكال أن هذه الكوارث ليست بلا إنذار. فالأرصاد الجوية تحذّر عادة قبل 24 ساعة أو أكثر، والمعطيات العلمية حول التغيرات المناخية باتت واضحة، ومع ذلك تواصل الدولة التعامل مع الفيضانات بمنطق ردّ الفعل لا بمنطق الاستباق. وكأن المطلوب دائماً أن تقع الكارثة أولاً، حتى يبدأ التحرك بعدها. بعد فيضانات نابل 2018 شاهدنا جميعا يوسف الشاهد رئيس الحكومة آنذاك في تنقل ميداني إلى المنطقة المنكوبة وجلسات عمل و تيليتون لجمع التبرعات .. وقرارات ووعود … و هاهي نابل وما جاورها تُنكَب من جديد.

وُعِد التونسيون حينها بمراجعة البنية التحتية و إصلاح الطرقات و بناء الجسور و تطوير شبكات تصريف مياه الأمطار وتنظيف الأودية وإرساء نظم إنذار مبكر… لكنّ تلك الوعود كانت في أغلبها شعارات مناسباتية. فالأودية ظلّت مهملة، والبناء الفوضوي تمدّد، وشبكات التصريف لم تكن ضمن أولويات السلط لا الجهوية ولا الوطنية… كما غابت التصورات الفعالة لإدارة المخاطر الطبيعية. ورغم التوقعات الجوية بالتغييرات المناخية وبتأثر السواحل التونسية بالمنخفض الجوي، فإن النشرات الجوية لم تتجاوز حدود الخبر ولم تتحول إلى إنذارات وقرارات وقائيّة، وكأن حماية الأرواح مسألة ثانوية مقارنة بالخوف من “التهويل” أو من تبعات القرارات غير الشعبية.

في مثل هذه الأوضاع، يصبح التصرف الأسلم هو ذاك الذي يقدّم الإنسان على كل اعتبار… ولذا نزل قرار تعليق الدراسة بردا وسلاما على المواطنين فالخسائر المادية يمكن تعويضها، أما الأرواح فلا… و لكنه رغم ذلك يبقى قرارا منقوصا إذ لم يراع وضع الموظفين و العملة، وكأنّ الأزمة لا تعنيهم أو لا تؤثر فيهم أو كأنّ قدرتهم على المجازفة مفترضة سلفًا. فالفيضانات، في الواقع، تكشف تمييزًا ضمنيّا بين فئات المجتمع. فالتلاميذ تُعلَّق دروسهم حمايةً لهم أمّا الموظفون والعمال فيطلب منهم الحضور والعمل مهما كانت حالة الطرقات، ومهما بلغ الخطر، ومهما كانت وسائل النقل مفقودة أو مهدِّدة للحياة.

و لئن كان المواطن يتحمّل جزءا من المسؤولية في ما يقع بعدم احترامه للتحذيرات والقوانين واستسهاله البناء في مجاري المياه وعلى ضفاف الأودية، وبمساهمته في انسداد قنوات تصريف مياه الأمطار بسلوكاته اليومية الملوّثة، إلاّ أنّ هذه المسؤولية لا يمكن أن تكون شمّاعة تعلّق عليها السلطة إخفاقها وتهاونها. فالمواطن هو انعكاس لصورتها و أعمالها وهي التي تتحمّل المسؤولية الرئيسية وذلك بالتخطيط والوقاية والإعلام الصادق والردع وتطبيق القانون على الجميع .. فلا يحق للدولة تحميل الضحايا وزر سياساتها المرتبكة وتقصيرها في التعامل مع مثل هذه الوضعيات… حيث أن التعامل مع الفيضانات بعقلية الأمس لم يعد مجدياً، فما كان يُعتبر “أمطاراً غير معهودة” صار واقعاً متكررا وخطيرا وهذا يقتضي الإسراع في إعادة تصميم شبكات التصريف، ودمج التغير المناخي في السياسات العمرانية، والاستثمار الجدي في الوقاية بدل الاكتفاء بالترقيع بعد كل كارثة.

وبهذا الفهم لا يمكن أن نعتبر هذه الفيضانات قضاء وقدراً ، بل نتيجة خيارات وتأجيلات وتراكمات. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس لماذا نزلت الأمطار، بل لماذا نفشل دائما في حماية الناس منها رغم علمنا مسبقا بنزولها ؟ وحتى متى يتواصل هذا الفشل؟ في هذا السياق، لا يمكن تجاهل الشعبوية التي ترافق كل كارثة طبيعية في تونس، والتي تحوّل المأساة إلى مشهد سياسي أكثر منها قضية إنقاذ وإصلاح. فيصير المسؤول هو الخبر وتطغى صورته وتحرّكاته وخطاباته على صور المنكوبين وأحوالهم وتحجبها ، فمع كل فيضان أو فاجعة، يتكرّر السيناريو نفسه: زيارات ميدانية متأخرة، جولات في الأحياء المنكوبة، صور وفييوهات، تربيت على الأكتاف، عبارات تعاطف جاهزة من قبيل “نحن معكم” و“الدولة لن تتخلى عن أبنائها” و”الكلنا نعانيو” … دون أن تتبعها حلول جذرية…

و يمكن اعتبار أنّ ذلك التعاطف يدخل في خانة ترسيخ فكرة قبول الفشل والرضى بالأمر الواقع بدل المحاسبة والإصلاح وتقديم حلول حقيقية وفعالة .. ينسى المسؤول أو يتناسى أنّ المنكوبين، لا يحتاجون إلى من يربّت على أكتافهم بقدر ما يحتاجون إلى دولة تمنع عنهم الكارثة قبل وقوعها…. وإذا كان الإعلام في مختلف دول العالم الديموقراطي يقوم بدوره الحقيقي زمن الكوارث، فإن الإعلام التونسي ما زال دون المطلوب، إذ يكتفي بملاحقة الكارثة بدل أن يسبقها، فيصبح ناقلا للمأساة وموثِّقا للفشل بصور الغرق وشهادات الضحايا ونداءات الاستغاثة ومشاهد الدمار في الطرقات و الأحياء والمباني… بدل أن يساهم في إنقاذ الأرواح عبر بث التحذيرات المرتكزة على تحاليل علمية دقيقة (بلا تهويل أو تهوين) و عبر استضافة خبراء حماية مدنية وأرصاد جوية وهندسة وبيئة، لإرشاد الناس إلى الأماكن الآمنة و كيفية التعامل مع ذروة التساقطات.

وللإعلام أيضا دور أساسيّ في مثل هذه الوضعيات يتمثل في مقاومة الشعبوية. فبدل تضخيم صور الزيارات الرسمية والتعاطف اللغوي ، عليه أن يطرح الأسئلة المهمّة حول مدى الاستعداد للتدخلات وطبيعة الآليات الموضوعة على ذمة المواطنين، وأن يبحث عمّا أُنجز منذ الكارثة السابقة، وأن يستقصي عن مدى تقدم المخططات والمشاريع وعن مدى تجسيد الوعود الفائتة، و أن يستفسر عمن يتحمّل المسؤولية، ويتساءل لماذا تتكرر الأخطاء نفسها؟ أي أن يقوم بدوره الاتصالي والتحسيسي الذي يساهم في رفع الوعي وحماية المجتمع خاصة زمن الأزمات.

لكن إعلامنا في تونس صارت غايته الإثارة و أخذ أصحابه _ إلا من رحم ربّك _ يتسابقون من أجل التشبه بالكروكوزات و جماعة الانستغرام، حتى صار خبر عركة على قرنيطة يتصدر صفحات وسائل الإعلام ” الكبرى”!

Motif étoiles

أكمل القراءة

لمْسُ نار

حنّبعل الذي تكلم… وقرطاج التي لم تسمع

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبير عميش:

أسال تصريح لاعبنا الدولي حنبعل المجبري حول تأخر تونس وحول استغراق شعبها في الحلم بدل الفعل، حبرا كثيرا وقد تردّدت بعض الشيء قبل الكتابة في الموضوع..

لكنّ ما استفزّني هو استنقاص البعض من مواطنة اللاعب بحجة أنّه يعيش خارج البلاد (وكأنّ الوطن جغرافيا لا ذاكرة، وكأنّ المواطنة بطاقة إقامة لا جرح يسكن القلب) ومصادرة حقه في الكلام والنّقد، ومطالبتهم له بالسكوت عن الإخلالات، وهل أودى بنا إلى التهلكة غير الصمت والمهادنة والأغلبية الصامتة والسير حذو الحائط؟ و عندما يتجرّأ أحد المواطنين مهما كانت صفته ليوجّه لوما أو نقدا أو ليحدد مَواطن الخلل تُصوَّب نحوه السهام ويصير هو المذنب ؟؟

إنّ ما قاله حنبعل ليلتها ليس شتما أو استنقاصا من شأن البلاد أو إهانة لها بقدر ما هو صرخة من الداخل، من عمق الانتماء لا من خارجه ولحظة صدق مع الذات ومحاولة شُجاعة لفهم أسباب التعثّر، وتشخيص موجع لحالة تتجاوز المستطيل الأخضر إلى مربّعات الحياة كلّه …

حنبعل لم يقل إن تونس فاشلة، بل قال إنها متأخرة ، والفرق بين الكلمتين كبير.. الفرق بين الكلمتين مسافة فعل وأمل … التأخر يعني أنّ الطريق لم يغلق بعدُ، وأنّ الّلحاق ممكن، لكنّ ذلك يفترض شرطًا أساسيّا هو الاعتراف بالمشكلة والإسراع بالحلول الحقيقية لا الترقيعيّة … ومشاكل تونس بالجملة تحتاج منا فعلا وفعلا وفعلا … فليس بالأحلام و الأماني الطيّبة تُبنى الأوطان. المعضلة الحقيقية في تونس هي في العقلية التي تدير الرياضة والإدارة والتعليم والنقل والصحة وكلّ المؤسسات ..

المعضلة الحقيقية هي في طريقة التفكير وفي كيفية تبرير العجز إذ تُرفع شعارات الصبر، ويتحدث المسؤولون عن الظروف و المؤامرات و الإرث القديم و”حطّان العصا في العجلة ” .. ويُطلب من المواطن أن يتفهّم وينتظر، و“يزيد يصبر شوية” …

إنّنا في تونس لا نبحث عن حلول عملية وناجعة للفشل بل نغرق في التحاليل والخطب الرنانة ونعوّض الفعل بالجدل.. نحلّل أكثر مما نخطّط وننتقد أكثر مما ننجز .. تونس ليست متأخرة لأن أبناءها عاجزون، بل لأنها ما زالت أسيرة عقلية تُجيد الكلام وتخاف الفعل و تدمن التباهي والعيش على أمجاد الماضي دون أن تمرّ إلى تحمّل المسؤولية والاقتداء بالأسلاف

في تونس نحلم أكثر ممّا نعمل، ونتكلّم أكثر ممّا نحقّق و نُتقن التنظير في المقاهي ووسائل التواصل، ونفشل في أبسط أشكال التنظيم في الواقع. نطالب بالنتائج دون أن نتحمّل أثمانها، فلا نقبل بالانضباط ولا باحترام الوقت ولا بالجدية، ولا بالتكوين، ولا بالمحاسبة ..

نريد الوصول دون عناء الطريق، ونغضب حين لا يصل القطار … تكلّم حنبعل المجبري _كما تكلّم حنبعل برقة قبل قرون ، حين رأى الخطر قادمًا من الدّاخل قبل أن يأتي من الخارج _ فقال يوم المباراة إنّ الطريق صعب، وإن التأخّر ليس قدرًا بل نتيجة…. لكن قرطاج، الجديدة كما القديمة، لا تحبّ من يفسد عليها وهم الاطمئنان وتخشى ممّن يُذكّرها بأن الزمن لا ينتظر المتردّدين …

منذ قرون طويلة لم يسلك حنبعل القائد المحارب، الطريق الآمن و تجرّأ على عبور ما قيل إنّه غير قابل للعبور مرددا عبارته الشهيرة “إمّا أن نجد طريقًا… أو أن نصنعه”، في رفض تام لمنطق الانتظار والاستسلام والعجز … واليوم حنبعل اللاعب المحارب يفعل الشيء نفسه فيرفض الحسابات والبقاء الآمن و يكفر بعبارة “ليس بالإمكان أفضل ممّا كان”.

و إذا كان حنبعل برقة قد كشف لتونسيّي ذلك الزمان أن الخطر الحقيقي لا يأتي دائمًا من وهن القوّة المادية والجسدية بل من العقل الذي يقبل الخضوع، فإنّ حنبعل المجبري يذكّرنا بأن الخطر الحقيقي على تونس اليوم ليس في ضعف الإمكانيات، بل في ضعف الجرأة على تسمية الأشياء بأسمائها ..

لهذا أزعج كلام حنبعل الكثيرين لأنه كسر مرآة الوهم التي اعتدنا أن نُجمِّل فيها أنفسنا. لأنه _ بحرارة الروح _ قال ما لا يرغبون في قوله و ذكّرنا بأننا نُكافئ الصّامت ونُعاقب المتكلم وأنّنا نُمجّد الرداءة إذا لبست ثوب الوطن، و نُخوِّن النقد بدل أن نُصغي إليه..

كلام حنّبعل يوم الخسارة عرّى بعضا من حقيقتنا وأشار إلى مكامن الدّاء، ولن تتقدّم تونس وأهلها إلاّ يوم تواجه مشاكلها بصدق، وتمتلك شجاعة النظر في المرآة دون غضب، وتكفّ عن معاداة الصراحة، وتعتبر النقد فرصة لا خيانة.

أكمل القراءة

لمْسُ نار

مدن غارقة في الماء … و إعلام غارق في عركة على قرنيطة!

نشرت

في

عبير عميش:

بين فيضانات 2018 وفيضانات 2026، تغيّرت التواريخ وتبدّلت الحكومات، لكن المشهد بقي ذاته: أمطار غزيرة، طرقات غارقة، أحياء معزولة، ضحايا و مفقودون ، زيارات ميدانية و خطابات مطمئنة…

والإشكال أن هذه الكوارث ليست بلا إنذار. فالأرصاد الجوية تحذّر عادة قبل 24 ساعة أو أكثر، والمعطيات العلمية حول التغيرات المناخية باتت واضحة، ومع ذلك تواصل الدولة التعامل مع الفيضانات بمنطق ردّ الفعل لا بمنطق الاستباق. وكأن المطلوب دائماً أن تقع الكارثة أولاً، حتى يبدأ التحرك بعدها. بعد فيضانات نابل 2018 شاهدنا جميعا يوسف الشاهد رئيس الحكومة آنذاك في تنقل ميداني إلى المنطقة المنكوبة وجلسات عمل و تيليتون لجمع التبرعات .. وقرارات ووعود … وهاهي نابل وما جاورها تُنكَب من جديد.

وُعِد التونسيون حينها بمراجعة البنية التحتية و إصلاح الطرقات و بناء الجسور و تطوير شبكات تصريف مياه الأمطار وتنظيف الأودية وإرساء نظم إنذار مبكر… لكنّ تلك الوعود كانت في أغلبها شعارات مناسباتية. فالأودية ظلّت مهملة، والبناء الفوضوي تمدّد، وشبكات التصريف لم تكن ضمن أولويات السلط لا الجهوية ولا الوطنية… كما غابت التصورات الفعالة لإدارة المخاطر الطبيعية. ورغم التوقعات الجوية بالتغييرات المناخية وبتأثر السواحل التونسية بالمنخفض الجوي، فإن النشرات الجوية لم تتجاوز حدود الخبر ولم تتحول إلى إنذارات وقرارات وقائيّة، وكأن حماية الأرواح مسألة ثانوية مقارنة بالخوف من “التهويل” أو من تبعات القرارات غير الشعبية.

في مثل هذه الأوضاع، يصبح التصرف الأسلم هو ذاك الذي يقدّم الإنسان على كل اعتبار… ولذا نزل قرار تعليق الدراسة بردا وسلاما على المواطنين فالخسائر المادية يمكن تعويضها، أما الأرواح فلا… و لكنه رغم ذلك يبقى قرارا منقوصا إذ لم يراع وضع الموظفين و العملة، وكأنّ الأزمة لا تعنيهم أو لا تؤثر فيهم أو كأنّ قدرتهم على المجازفة مفترضة سلفًا. فالفيضانات، في الواقع، تكشف تمييزًا ضمنيّا بين فئات المجتمع. فالتلاميذ تُعلَّق دروسهم حمايةً لهم أمّا الموظفون والعمال فيطلب منهم الحضور والعمل مهما كانت حالة الطرقات، ومهما بلغ الخطر، ومهما كانت وسائل النقل مفقودة أو مهدِّدة للحياة.

و لئن كان المواطن يتحمّل جزءا من المسؤولية في ما يقع بعدم احترامه للتحذيرات والقوانين واستسهاله البناء في مجاري المياه وعلى ضفاف الأودية، وبمساهمته في انسداد قنوات تصريف مياه الأمطار بسلوكاته اليومية الملوّثة، إلاّ أنّ هذه المسؤولية لا يمكن أن تكون شمّاعة تعلّق عليها السلطة إخفاقها وتهاونها. فالمواطن هو انعكاس لصورتها و أعمالها وهي التي تتحمّل المسؤولية الرئيسية وذلك بالتخطيط والوقاية والإعلام الصادق والردع وتطبيق القانون على الجميع .. فلا يحق للدولة تحميل الضحايا وزر سياساتها المرتبكة وتقصيرها في التعامل مع مثل هذه الوضعيات… حيث أن التعامل مع الفيضانات بعقلية الأمس لم يعد مجدياً، فما كان يُعتبر “أمطاراً غير معهودة” صار واقعاً متكررا وخطيرا وهذا يقتضي الإسراع في إعادة تصميم شبكات التصريف، ودمج التغير المناخي في السياسات العمرانية، والاستثمار الجدي في الوقاية بدل الاكتفاء بالترقيع بعد كل كارثة.

وبهذا الفهم لا يمكن أن نعتبر هذه الفيضانات قضاء وقدراً ، بل نتيجة خيارات وتأجيلات وتراكمات. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس لماذا نزلت الأمطار، بل لماذا نفشل دائما في حماية الناس منها رغم علمنا مسبقا بنزولها ؟ وحتى متى يتواصل هذا الفشل؟ في هذا السياق، لا يمكن تجاهل الشعبوية التي ترافق كل كارثة طبيعية في تونس، والتي تحوّل المأساة إلى مشهد سياسي أكثر منها قضية إنقاذ وإصلاح. فيصير المسؤول هو الخبر وتطغى صورته وتحرّكاته وخطاباته على صور المنكوبين وأحوالهم وتحجبها ، فمع كل فيضان أو فاجعة، يتكرّر السيناريو نفسه: زيارات ميدانية متأخرة، جولات في الأحياء المنكوبة، صور وفييوهات، تربيت على الأكتاف، عبارات تعاطف جاهزة من قبيل “نحن معكم” و“الدولة لن تتخلى عن أبنائها” و”الكلنا نعانيو” … دون أن تتبعها حلول جذرية…

و يمكن اعتبار أنّ ذلك التعاطف يدخل في خانة ترسيخ فكرة قبول الفشل والرضى بالأمر الواقع بدل المحاسبة والإصلاح وتقديم حلول حقيقية وفعالة .. ينسى المسؤول أو يتناسى أنّ المنكوبين، لا يحتاجون إلى من يربّت على أكتافهم بقدر ما يحتاجون إلى دولة تمنع عنهم الكارثة قبل وقوعها…. وإذا كان الإعلام في مختلف دول العالم الديموقراطي يقوم بدوره الحقيقي زمن الكوارث، فإن الإعلام التونسي ما زال دون المطلوب، إذ يكتفي بملاحقة الكارثة بدل أن يسبقها، فيصبح ناقلا للمأساة وموثِّقا للفشل بصور الغرق وشهادات الضحايا ونداءات الاستغاثة ومشاهد الدمار في الطرقات و الأحياء والمباني… بدل أن يساهم في إنقاذ الأرواح عبر بث التحذيرات المرتكزة على تحاليل علمية دقيقة (بلا تهويل أو تهوين) و عبر استضافة خبراء حماية مدنية وأرصاد جوية وهندسة وبيئة، لإرشاد الناس إلى الأماكن الآمنة و كيفية التعامل مع ذروة التساقطات.

وللإعلام أيضا دور أساسيّ في مثل هذه الوضعيات يتمثل في مقاومة الشعبوية. فبدل تضخيم صور الزيارات الرسمية والتعاطف اللغوي ، عليه أن يطرح الأسئلة المهمّة حول مدى الاستعداد للتدخلات وطبيعة الآليات الموضوعة على ذمة المواطنين، وأن يبحث عمّا أُنجز منذ الكارثة السابقة، وأن يستقصي عن مدى تقدم المخططات والمشاريع وعن مدى تجسيد الوعود الفائتة، و أن يستفسر عمن يتحمّل المسؤولية، ويتساءل لماذا تتكرر الأخطاء نفسها؟ أي أن يقوم بدوره الاتصالي والتحسيسي الذي يساهم في رفع الوعي وحماية المجتمع خاصة زمن الأزمات.

لكن إعلامنا في تونس صارت غايته الإثارة و أخذ أصحابه _ إلا من رحم ربّك _ يتسابقون من أجل التشبه بالكروكوزات و جماعة الانستغرام، حتى صار خبر عركة على قرنيطة يتصدر صفحات وسائل الإعلام ” الكبرى”!

Motif étoiles

أكمل القراءة

صن نار