تابعنا على

جور نار

على هامش صدور التقرير العالمي لمؤشرات السعادة

نشرت

في

منصف الخميري:

أرست الأمم المتحدة سنة 2012 تقليد إصدار تقرير سنوي حول توزّع منسوب السعادة في العالم وتصنيف البلدان حسب جملة من مؤشرات البهجة كما يتمثّلها الناس.

منصف الخميري Moncef Khemiri

 وللسنة السادسة على التوالي أُعتبر الفنلنديون الأكثر إحساسا بالسعادة في العالم يليهم الدانماركيون والإيزلنديون والسويسريون والهولنديون. أما أفغانستان فقد احتلت الرتبة الأخيرة من حيث إحساس عامة المواطنين بالقحط والجدب وتعكّر المزاج مع لبنان والزيمبابوي ورواندا وبوتسوانا، وذلك إثر مسح شمل 150 دولة تولاّها معهد غالوب المتخصص في الإحصاء والاستبيانات اعتمادا على سؤال المواطنين حول كيفية تقديرهم لمستوى سعادتهم الذاتية، وجعل الأجوبة عنه تتقاطع مع جملة من المعطيات الموضوعية التي تهمّ وضع البلد برُمّته.

 لِمَ كل هذا الشعور بالسعادة في فنلندا ؟

من ضمن المؤشرات المعتمدة في تحديد مِحرار السعادة نجد معدّل الحياة بصحة جيدة، وإجمالي الدّخل المحلّي المُتاح لكل فرد، ووقع السّند الاجتماعي، والمستوى المنخفض للفساد، ودرجة الرضى عن أداء مرفق التعليم، وقيم التّضامن، وحرية التعبير إلخ…

احتلت فنلندا رغم شتاءاتها الطويلة والصعبة سنة 2023 المرتبة الأولى عالميا بنتيجة 7.82/10 متقدمة على فرنسا على سبيل المثال التي تحتل المرتبة 21 . والشعور بالسعادة لدى الفنلنديين بالنسبة إلى بعض المتابعين هو شعور خاص جدا باعتباره أقرب إلى إحساس بالاكتفاء والارتياح البسيطين أكثر منه وعي بالسعادة المكثفة والدائمة، في علاقة بعلامات البذخ والترف التقليديين. فبالنسبة إليهم ليست السعادة بالضرورة ذلك “الشعور الأوحد والحاد بل هو شعور أبسط من ذلك وكأنه شيءٌ في متناول جميع الناس مثل الماء والهواء” .

تقول مُدوّنة شعرهم في هذا الخصوص: “لا تقارن سعادتك ولا تجعلها محلّ تفاخر”.

الفنلنديون ينامون كثيرا ويأكلون ويشربون بشكل جيد ويُغذّون ما يُسمّونه بـ”السّيزو” SISU الذي هو مصطلح فنلندي أصيل متوارث منذ عصور قديمة ويعني حسب السياقات إما مبدأ معيّنا أو قيمة أو أسلوب حياة أو كذلك النحو الذي تتحوّل بموجبه الصعوبات إلى فرص للحياة  والمتعة. وهو مصطلح غير قابل للترجمة نحو لغات أخرى، فهو قوة الروح أو نوع من السلطة النفسية التي تمكّن من استجماع القوة ذهنيا وجسديا لمواجهة التحديات والصّعاب.

من أسباب سعادتهم أيضا تميّز علاقتهم العضوية مع الطبيعة والتمتع بعديد الأنشطة في الهواء الطلق في بيئة نظيفة وجذابة، وُلوجها مُتاح لجميع الناس : قرابة 90 بالمائة من الفنلنديين يعتبرون أن الطبيعة عنصر أساسي في حياتهم وتمضية الوقت وسط الغابات والمنتجعات والحدائق والمحميات يرفع من حيويتهم ورفاههم وشعورهم بالامتلاء الشخصي. بالإضافة إلى التوازن البنّاء الذي أوجدوه بين الحياة الخاصة والحياة المهنية مما سمح للعائلة الفنلندية بالمحافظة على تماسكها والاستثمار في ما يصنع “السعادة العامة المشتركة” عائليا ووطنيا، حيث أن جزءا كبيرا من السعادة يبنيه الفنلنديون على نحو جماعي من خلال المراهنة على التربية المُيسّرة للجميع والتقليص من اختلال التوازن بين الجنسين وبين الفئات الاجتماعية مع تعزيز الروابط الاجتماعية وإنماء الشعور بالأمان.

تذكر تفاصيل التقرير أن :

97 % من الفنلنديين راضون عن جودة مياه “السبّالة” التي يشربونها.

96 % منهم يعتبرون أن لدى لكل واحد فيهم “شخصا على الأقل يمكن الاعتماد عليه عند الحاجة“.

69 % منهم على الأقل يشاركون في المسار السياسي والانتخابي.

82 سنة هو معدل الحياة في فنلندا.

68 % من الفنلنديين يجيبون بنعم عن سؤال : هل أنت بصحة جيدة ؟

88 % يقولون إنهم يشعرون بالأمان عندما يسيرون لوحدهم في الطريق العام ليلا، في ظل تدنّ كبير لمعدّلات الجريمة والانحراف التي هي الأضعف في العالم.

يُذكر أيضا أن الفنلنديين يُولُون أهمية كبرى لقيمة الصدق والنزاهة. ففي “تحقيق المحافظ المفقودة” الذي أجرته إحدى المجلات التاريخية “ريدرز ديجست” والمتمثل في إضاعة محافظ أوراق في عديد بلدان العالم واحتساب عدد “الإرجاعات التلقائية“، كانت المدن الفنلندية في كل مرة هي من تفوز بالمرتبة الأولى عالميا بمعدل إرجاع 11 محفظة على 12. كما تُعدّ فنلندا من ضمن الثلاثة بلدان الأقل فسادا من قبل الهيئات العالمية المختصة. هي بعيدة عن أن تكون المدينة الفاضلة وإنما تؤشر هذه الأرقام على أن الفنلنديين “ميّالون” إلى التحلي بالنزاهة والاستقامة مقارنة بالشعوب الأخرى (وخاصة تلك التي تعرفون!).

ملاحظتان على هامش تقرير مؤشرات السعادة :

أولا : في أعلى الترتيب

من الأكيد أنه لا يمكن أن تكون سعيدا ومُبتهجا بقرار ذاتي كما تقول تعويذات التنمية البشرية، بل إن تضافر جملة من العوامل الموضوعية (الوضع الاقتصادي والسياسي العام ومستوى المعيشة وجودة الخدمات في مجالات التربية والصحة والنقل، والشعور بالانتماء إلى بلد نعتزّ بالانتماء إليه والإحساس بالأمن…) مما له تأثير مباشر على “الشعور الذاتي بالسعادة”. وفي الحالة الفنلندية والبلدان المرافقة لها فأعتقد وحسب ما تؤكّده كل المعطيات التي اطلعت عليها أن مستوى الرفاه العام المتأتّي أساسا من حوكمة جيدة لمُقدّرات البلد “المتواضعة” نسبيا مقارنة ببلداننا العربية على سبيل المثال، فنقاط قوة الاقتصاد الفنلندي تتركز على تصدير الخشب (77 % من مساحة فنلندا تغطيها الغابات بـ 23 مليون هكتار من الغابات) وتصدير الخبرة الهندسية والاتصالات والإلكترونيك والمفاعلات النووية وآلات التسخين والمعدات الميكانيكية والورق والجرّارات والنيكل والمنتجات الصيدلية والمطاط والمنتجات الكيمياوية العضوية …وبالتالي فإنه باستثناء الخشب المتوفّر طبيعيا تكاد تكون كل المنتجات الأخرى المُصدّرة إفرازا لعقل ذكي عرف كيف يوظف المعرفة والتكنولوجيا والطبيعة في خدمة سعادة الناس وهنائهم.

وما هو لافت في هذا المجال أن دولة الكيان الغازي تحتل إحدى المراتب العشرة الأولى  بما قد يعني أن المستوطنين الغاصبين لأرض غيرهم يتمتّعون بمستوى عيش ومستوى خدمات عامة تجعلهم يطمئنون إلى مستقبلهم، رغم شعور شريحة واسعة منهم أن لا مستقبل حقيقي لمن يتوقّع انفجار اللغم الفلسطيني تحت قدميه في كل لحظة. تقديري أن نجاح منظّريهم في إشاعة فكرة الاستقرار الأزلي بعد عهود من “التشرّد والمعاناة” ولو فوق أرض ليست أرضهم، ساهم بشكل كبير في استبطان ذاك الشعور بالأمن الكاذب.

ثانيا : ماذا ينقصنا في تونس لنصبح أسعد من الفنلنديين ؟ !

حاولت الاطلاع على أكثر من مصدر قصد التعرّف على الأسباب الكامنة وراء “سعادة الفنلنديين” التي تُرجعها كل المصادر إلى حسن التدبير الحكومي ورجاحة السياسات العامّة المتّبعة هناك، وتوفيقها في طمأنة المواطن الفنلندي على مستقبل بلاده ومصير أولاده، في ارتباط وثيق بالتقديس الرسمي لمكانة المعلّم ولياقة السكن و استدامة الشغل وإشاعة العدل بين الجميع وإرساء حق الاستمتاع بالطبيعة للجميع…

واكتشفت بكثير من الشعور بالغُبن أن بلدنا يتوفّر على أكثر بكثير مما يتوفّر لفنلندا والفنلنديين على مستوى المُقدّرات الطبيعية والامتيازات المناخية وإجمالي عدد السكان الذي لا يتجاوز بعض الملايين، يعمل جزء كبير منهم بمختلف أصقاع العالم ويضُخّون أموالا كبيرة في خزينة الدولة وكذلك على مستوى المخزون الهائل من الكفاءة العالية لبناتنا وأبنائنا في أهم المجالات الصّانعة لمجد المجتمعات اليوم في العالم… ولكن يُعيق تحويل هذه القوّة الكامنة إلى واقع جديد من التقدم والرخاء أمران اثنان حسب رأيي : أولا قُدرة حُكّامنا العالية عبر التاريخ على النظر دائما في الاتجاه الخطأ والتعامل مع تونس على كونها بلدا صغيرا  ليس بإمكانه إغراء العالم بأكثر من حُبيبات الرمل الحزين على شواطئنا. ويتمثل الأمر الثاني في مضاعفة الأول بعقلية متأصلة في أغلب مواطنينا عِمادها الاكتئاب الدائم والمزاج القاتم وترذيل النجاحات والعجز عن تلذّذ المذاقات التي لدينا، إلا متى عبرنا الحدود واكتشفنا وهمنا الباطني اللامحدود بأن سعادتنا عبرت المتوسط مع آخر جندي كان يحرس خيرات بلاده في بلادنا .

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار