للدولة التونسية وزارة للتعليم العالي والبحث العلمي تضمّ في هيكلتها العام إدارة عامة للتجديد الجامعي “تُعنى بمشاريع التجديد الجامعي المتنوعة والمتعلقة خاصة بتجديد عروض التكوين في مختلف مؤسسات التعليم العالي والبحث في القطاعين العام والخاص، وتطوير المهننة في التعليم العالي وإحداث مسالك تكوين منجزة بالبناء المشترك بين الجامعيين والمهنيين…ونشر ثقافة المبادرة وإحداث المؤسسات وبعث المشاريع … “، وبالتالي فإن تأهيل المسارات التكوينية وبعث العروض الجامعية أو إعادة النظر فيها كليا أو جزئيّا وتحديد المقاييس العلمية الدقيقة لنيل الشهائد هو من الاختصاصات الحصرية لأجهزة الدولة الرسمية، بعد الاستئناس برأي الهيئات المهنية ذات العلاقة (بصفة استشارية) ورأي الخبراء والمختصين عند الاقتضاء.
<strong>منصف الخميري<strong>
إلا أن عِمادة المهندسين طالعتنا ومنذ 12 أوت 2020 ببلاغ موجّه إلى حاملي الباكالوريا الجدد تعتبر فيه أن قرار بعث مراحل تحضيرية جديدة للدراسات الهندسية في القطاع العمومي (في القطاع العمومي نعم !) هو “قرار مُرتجل وينعكس سلبا على جودة التكوين الهندسي” وأنها “ستجد نفسها مُرغمة علىعدم الاستجابة لمطالب التسجيل بجدول العمادة التي سيتقدّم بها كافة الناجحين في باكالوريا 2020 الذين سيختارون التسجيل بالشعب التي حدّدتها العمادة” … وهي :
المراحل التحضيرية المندمجة بكلية العلوم ببنزرت والمعهد العالي للإعلامية والرياضيات بالمنستير وكلية العلوم بصفاقس والمعهد العالي للإعلامية والملتميديا بقابس …(7 مراحل تحضيرية جديدة في تلك الفترة).
“وتُذكّر العِمادة بأن ممارسة مهنة المهندس تستوجب قانونا الترسيم بجدول العِمادة وكل مخالف لذلك يعتبر مباشرا للمهنة بصفة غير شرعية ومنتحل صفة مهندس ويُعرّض نفسه للعقوبات المنصوص عليها بالفصل 159 من المجلة الجزائية …”
لكن ما هو منطوق الفصل 159 الذي تُهدّد به العِمادة حاملي الباكالوريا ؟
يقول المُشرّع : “يعاقَبُ بالسّجن لمدة عامين وبخطية قدرها مائتان وأربعون دينارا كل من يتزيّا لدى العموم بلباس أو زي رسمي أو يحمل وساما دون أن يكون له الحق في ذلك ويستوجب نفس العقوبات كل من ينسب بنفسه لدى العموم أو بالوثائق الرسمية صفات أو أوسمة.”
وبعد التيقّن من أن مؤسسات التعليم العالي العمومي التي احتضنت مراحل تحضيرية للدراسات الهندسية لم يتسنّ لها ذلك إلا بعد احرازها على التأهيل العلمي وفق ملفّات ثقيلة جدا عُرضت على اللجان القطاعية العلمية بالإدارة العامة للتجديد الجامعي والتي تتضمّن كل التفاصيل المتصلة بمضامين التكوين في كل المراحل الدراسية ونظام التقييم والامتحانات والتربصات وإطار التدريس والشراكات المُبرمجة الخ… التفتت عِمادة المهندسين جهة مؤسسات التعليم العالي الخاص بعد إعلان نفسها الجهة المخوّلة قانونا للقيام بزيارات تفقدية إلى مدارس تكوين المهندسين في العمومي والخاص (بديلا عن جهة الإشراف الوحيدة وهي وزارة التعليم العالي بأجهزة مراقبتها ولجان متابعتها …) وقرّرت أن أربع مؤسسات لم تفتح أبوابها أمام “مفتّشي المواصفات” لعِمادة المهندسين التي تعتبر أنه من صلاحياتها إسقاط تأهيل معلّل ومبرّر ومؤصّل ومفصّل أصدره وزير التعليم العالي، وبالتالي على المتخرّجين من هذه المؤسسات أن يحذروا الفصل 159 من المجلة الجزائية الذي لا يُجرّم المؤسسة التي مارست تجاوزا (إن وُجد) بل الطلبة المتخرّجين منها حسب من يصوغ البلاغات في هيئة المهندسين!!!
هذا صلفٌ واغترار واستقواء على الدولة !
من الزاوية الأخلاقية المحضة، كيف تسمح هيئة مهنية لنفسها بتحميل مسؤولية “الاختلالات المُفترضة في التنظيم والتأهيل والمراقبة لبعض المسارات الأكاديمية” لمئات الطلبة التونسيين الذين اختاروا مزاولة دراستهم في الاختصاصات الهندسية (في العمومي والخاص على حدّ سواء) وتهديدهم بالقوانين الجزائية المجعولة أصلا لحماية المجتمع من فئة من المجرمين “ينتحلون صفات مختلفة للإيقاع بضحاياهم” ؟ !
ثمّ لماذا حوّلت عِمادة المهندسين – بعد سقوط ورقة مؤسسات التعليم العالي العمومي غير المؤهلة- سِهامها نحو التعليم العالي الخاص مستغلّة بعض الترسّبات “الشعبويّة” في ذهنيّة كثير من التونسيين لا يرون أية آفاق للتميّز خارج منظومة التعليم العالي العمومي ويعتبرون أن مآسي الجامعة التونسية متأتية من ازدهار المؤسسات الخاصة، ويعتبرون كذلك أن عدم اجتياز المناظرة الوطنية لمدارس المهندسين هو امتياز غير عادل الخ… ؟ وهذه الأخيرة في اعتقادي ذريعة لا تصمد كثيرا من الناحية المنطقية لأنها من ناحية “صيغة فرنكوفونية لتكوين المهندسين” تمّ تجاوزها واستبدالها في كثير من بلدان العالم المتقدّم ومن ناحية أخرى، عوض المطالبة بتعميم المناظرة، لِم لا تتمّ المطالبة بإلغاء المناظرة واستبدالها بصيغة تقييم داخلي في كل مؤسسة تعتمد مقاييس صارمة وتأخذ بعين الاعتبار كامل المسار الدراسي للتلميذ “المهندس” ؟
أعتقد أن الأصل في الأشياء هو أن نرتقي بأداء التعليم العالي العمومي حتى يصبح في نفس مستوى جودة بعض مؤسسات التعليم العالي الخاص (التي تميّزت وفرضت خرّيجيها في سوق الشغل العالمية : وما عليكم إلا أن تقارنوا عدد الملتحقين بكبرى المدارس الهندسية في فرنسا من تحضيري المرسى العمومي على سبيل المثال بعدد المقبولين في نفس المدارس من بعض مؤسسات التعليم العالي الخاص) وليس أن نطالب هذه الجامعات بمسايرة نسق تطور المنظومة العمومية.
وتجدر الإشارة كذلك إلى أن الناجحين في الباكالوريا ـ خاصة من الباكالوريات العلميةـ لا يختارون التعليم العالي الخاص لكون عائلاتهم بوسعها تمويل دراساتها (فقط) وإنما أيضا لأن سياسة التضييق والحوكمة السيئة في مجال التصرف في مُخرجات التعليم الثانوي ساهمت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة في التحاق شريحة هامة من حاملي الباكالوريا بالجامعات الخاصة (حتى لينتابك الشعور أحيانا بأن هنالك تشابكا سببيا بين هذا وذاك).
بناء على ذلك، أقدّر شخصيا أن الطرف الذي من المفترض أن يُطالَبَ بالتأهيل هو عِمادة المهندسين نفسها، لأنها مازالت تتصوّر أن مجرّد التسجيل بجدول العمادة يفتح كل الآفاق واسعة أمام المترشحين لسوق الشغل ! والحال أننا نعلم جميعا أن حوالي 3000 مهندس تونسي يغادرون سنويا البلاد التونسية نحو كبرى الشركات العالمية (وهو أمر مأسوف عليه لأنهم يشكلون ثروة وطنية كان من الممكن توظيفها في تطوير النسيج الصناعي والاقتصادي والمالي الوطني بدلا من وضع كفاءاتهم ومهاراتهم على ذمّة الاقتصادات العالمية. فهل تعتقد أن مهندسا في حجم خالد قوبعة على سبيل الذّكر كان ينتظر التسجيل بعِمادة المهندسين قبل احتفاء غوغل بكفاءته ثم شركة فايسبوك بمهارته في الفترة الأخيرة ؟!
فالمهندسون التونسيون المتخرجون من الجامعات التونسية العمومية والخاصة (وهذا هو الوجه الآخر من المفارقة) يتمتّعون بتكوين وخبرة وجدية وروح مثابرة وقدرات اتصالية تؤهّلهم لاكتساح مختلف بلدان العالم في شركات ومؤسسات إنتاجية وصناعية وخدميّة وبنكية لا تعترف بمقاييس الانتداب البائسة من قبيل “أشكون بعثك” و “ولد أشكون” و “عندك لوك تباركالله” و “فلان آش يكون منّك” الخ…ويساهم هؤلاء “المهدّدون بالفصل 159 من القانون الجزائي” في ضخّ الملايين من العُملة الصّعبة للخزينة التونسية ويتولّى كثير منهم توظيف مهندسين آخرين واستكشاف مواطن تربّص واعدة لطلبة تونسيين قبل التخرّج…
من هذا المنطلق، الأوْلى بعِمادة المهندسين أن تخوض معركتها على صعيد آخر في سبيل تحسين وضعية المهندسين المباشرين في تونس (خاصة في المؤسسات الوطنية العمومية والوزارات التقنية) وحمايتهم من الاستغلال وسوء التوظيف…فمجرد مقارنة الأجر الذي يتقاضاه المهندس التونسي في تونس بنظيره في الخارج يُصيب بالخجل والإحباط.
أقول أخيرا :
أعجب حقيقة للصّمت المُطبق الذي تنتهجه وزارة التعليم العالي إزاء التهديدات التي تأتيها عمادة المهندسين منذ 2020 (باستثناء تصريح يتيم للوزير الذي لو لم يُسأل عن رأيه في إذاعة خاصة أثناء زيارة ميدانية لما تحدّث في الموضوع)… خاصة أثناء تعمير الطلبة الجدد لبطاقات اختياراتهم في التوجيه الجامعي والهلع الكبير الذي أصابهم أمام انتصاب العمادة مخاطبا رسميا لهم ولعائلاتهم بدلا من الوزارة وأجهزتها (فمن الذي ينتحل صفة غير مخوّلة له قانونا في الواقع ؟).
لقد حدث أيضا أن قامت وتقوم بعض النقابات برفض تعيين رسمي هنا وطرد مسؤول مباشر هناك، وهو سلوك من نفس جنس ممارسات عمادة المهندسين يترجم استضعافا للدولة وتجاوزا خطيرا للصلاحيات الأصلية الموكولة إلى كل طرفـ، ومدخلا للإجهاز النهائي على ما تبقّى من أركان دولة مُثخنة بجراح غائرة تسبّب بها أبناؤها قبل أعدائها.
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.