للدولة التونسية وزارة للتعليم العالي والبحث العلمي تضمّ في هيكلتها العام إدارة عامة للتجديد الجامعي “تُعنى بمشاريع التجديد الجامعي المتنوعة والمتعلقة خاصة بتجديد عروض التكوين في مختلف مؤسسات التعليم العالي والبحث في القطاعين العام والخاص، وتطوير المهننة في التعليم العالي وإحداث مسالك تكوين منجزة بالبناء المشترك بين الجامعيين والمهنيين…ونشر ثقافة المبادرة وإحداث المؤسسات وبعث المشاريع … “، وبالتالي فإن تأهيل المسارات التكوينية وبعث العروض الجامعية أو إعادة النظر فيها كليا أو جزئيّا وتحديد المقاييس العلمية الدقيقة لنيل الشهائد هو من الاختصاصات الحصرية لأجهزة الدولة الرسمية، بعد الاستئناس برأي الهيئات المهنية ذات العلاقة (بصفة استشارية) ورأي الخبراء والمختصين عند الاقتضاء.
منصف الخميري
إلا أن عِمادة المهندسين طالعتنا ومنذ 12 أوت 2020 ببلاغ موجّه إلى حاملي الباكالوريا الجدد تعتبر فيه أن قرار بعث مراحل تحضيرية جديدة للدراسات الهندسية في القطاع العمومي (في القطاع العمومي نعم !) هو “قرار مُرتجل وينعكس سلبا على جودة التكوين الهندسي” وأنها “ستجد نفسها مُرغمة علىعدم الاستجابة لمطالب التسجيل بجدول العمادة التي سيتقدّم بها كافة الناجحين في باكالوريا 2020 الذين سيختارون التسجيل بالشعب التي حدّدتها العمادة” … وهي :
المراحل التحضيرية المندمجة بكلية العلوم ببنزرت والمعهد العالي للإعلامية والرياضيات بالمنستير وكلية العلوم بصفاقس والمعهد العالي للإعلامية والملتميديا بقابس …(7 مراحل تحضيرية جديدة في تلك الفترة).
“وتُذكّر العِمادة بأن ممارسة مهنة المهندس تستوجب قانونا الترسيم بجدول العِمادة وكل مخالف لذلك يعتبر مباشرا للمهنة بصفة غير شرعية ومنتحل صفة مهندس ويُعرّض نفسه للعقوبات المنصوص عليها بالفصل 159 من المجلة الجزائية …”
لكن ما هو منطوق الفصل 159 الذي تُهدّد به العِمادة حاملي الباكالوريا ؟
يقول المُشرّع : “يعاقَبُ بالسّجن لمدة عامين وبخطية قدرها مائتان وأربعون دينارا كل من يتزيّا لدى العموم بلباس أو زي رسمي أو يحمل وساما دون أن يكون له الحق في ذلك ويستوجب نفس العقوبات كل من ينسب بنفسه لدى العموم أو بالوثائق الرسمية صفات أو أوسمة.”
وبعد التيقّن من أن مؤسسات التعليم العالي العمومي التي احتضنت مراحل تحضيرية للدراسات الهندسية لم يتسنّ لها ذلك إلا بعد احرازها على التأهيل العلمي وفق ملفّات ثقيلة جدا عُرضت على اللجان القطاعية العلمية بالإدارة العامة للتجديد الجامعي والتي تتضمّن كل التفاصيل المتصلة بمضامين التكوين في كل المراحل الدراسية ونظام التقييم والامتحانات والتربصات وإطار التدريس والشراكات المُبرمجة الخ… التفتت عِمادة المهندسين جهة مؤسسات التعليم العالي الخاص بعد إعلان نفسها الجهة المخوّلة قانونا للقيام بزيارات تفقدية إلى مدارس تكوين المهندسين في العمومي والخاص (بديلا عن جهة الإشراف الوحيدة وهي وزارة التعليم العالي بأجهزة مراقبتها ولجان متابعتها …) وقرّرت أن أربع مؤسسات لم تفتح أبوابها أمام “مفتّشي المواصفات” لعِمادة المهندسين التي تعتبر أنه من صلاحياتها إسقاط تأهيل معلّل ومبرّر ومؤصّل ومفصّل أصدره وزير التعليم العالي، وبالتالي على المتخرّجين من هذه المؤسسات أن يحذروا الفصل 159 من المجلة الجزائية الذي لا يُجرّم المؤسسة التي مارست تجاوزا (إن وُجد) بل الطلبة المتخرّجين منها حسب من يصوغ البلاغات في هيئة المهندسين!!!
هذا صلفٌ واغترار واستقواء على الدولة !
من الزاوية الأخلاقية المحضة، كيف تسمح هيئة مهنية لنفسها بتحميل مسؤولية “الاختلالات المُفترضة في التنظيم والتأهيل والمراقبة لبعض المسارات الأكاديمية” لمئات الطلبة التونسيين الذين اختاروا مزاولة دراستهم في الاختصاصات الهندسية (في العمومي والخاص على حدّ سواء) وتهديدهم بالقوانين الجزائية المجعولة أصلا لحماية المجتمع من فئة من المجرمين “ينتحلون صفات مختلفة للإيقاع بضحاياهم” ؟ !
ثمّ لماذا حوّلت عِمادة المهندسين – بعد سقوط ورقة مؤسسات التعليم العالي العمومي غير المؤهلة- سِهامها نحو التعليم العالي الخاص مستغلّة بعض الترسّبات “الشعبويّة” في ذهنيّة كثير من التونسيين لا يرون أية آفاق للتميّز خارج منظومة التعليم العالي العمومي ويعتبرون أن مآسي الجامعة التونسية متأتية من ازدهار المؤسسات الخاصة، ويعتبرون كذلك أن عدم اجتياز المناظرة الوطنية لمدارس المهندسين هو امتياز غير عادل الخ… ؟ وهذه الأخيرة في اعتقادي ذريعة لا تصمد كثيرا من الناحية المنطقية لأنها من ناحية “صيغة فرنكوفونية لتكوين المهندسين” تمّ تجاوزها واستبدالها في كثير من بلدان العالم المتقدّم ومن ناحية أخرى، عوض المطالبة بتعميم المناظرة، لِم لا تتمّ المطالبة بإلغاء المناظرة واستبدالها بصيغة تقييم داخلي في كل مؤسسة تعتمد مقاييس صارمة وتأخذ بعين الاعتبار كامل المسار الدراسي للتلميذ “المهندس” ؟
أعتقد أن الأصل في الأشياء هو أن نرتقي بأداء التعليم العالي العمومي حتى يصبح في نفس مستوى جودة بعض مؤسسات التعليم العالي الخاص (التي تميّزت وفرضت خرّيجيها في سوق الشغل العالمية : وما عليكم إلا أن تقارنوا عدد الملتحقين بكبرى المدارس الهندسية في فرنسا من تحضيري المرسى العمومي على سبيل المثال بعدد المقبولين في نفس المدارس من بعض مؤسسات التعليم العالي الخاص) وليس أن نطالب هذه الجامعات بمسايرة نسق تطور المنظومة العمومية.
وتجدر الإشارة كذلك إلى أن الناجحين في الباكالوريا ـ خاصة من الباكالوريات العلميةـ لا يختارون التعليم العالي الخاص لكون عائلاتهم بوسعها تمويل دراساتها (فقط) وإنما أيضا لأن سياسة التضييق والحوكمة السيئة في مجال التصرف في مُخرجات التعليم الثانوي ساهمت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة في التحاق شريحة هامة من حاملي الباكالوريا بالجامعات الخاصة (حتى لينتابك الشعور أحيانا بأن هنالك تشابكا سببيا بين هذا وذاك).
بناء على ذلك، أقدّر شخصيا أن الطرف الذي من المفترض أن يُطالَبَ بالتأهيل هو عِمادة المهندسين نفسها، لأنها مازالت تتصوّر أن مجرّد التسجيل بجدول العمادة يفتح كل الآفاق واسعة أمام المترشحين لسوق الشغل ! والحال أننا نعلم جميعا أن حوالي 3000 مهندس تونسي يغادرون سنويا البلاد التونسية نحو كبرى الشركات العالمية (وهو أمر مأسوف عليه لأنهم يشكلون ثروة وطنية كان من الممكن توظيفها في تطوير النسيج الصناعي والاقتصادي والمالي الوطني بدلا من وضع كفاءاتهم ومهاراتهم على ذمّة الاقتصادات العالمية. فهل تعتقد أن مهندسا في حجم خالد قوبعة على سبيل الذّكر كان ينتظر التسجيل بعِمادة المهندسين قبل احتفاء غوغل بكفاءته ثم شركة فايسبوك بمهارته في الفترة الأخيرة ؟!
فالمهندسون التونسيون المتخرجون من الجامعات التونسية العمومية والخاصة (وهذا هو الوجه الآخر من المفارقة) يتمتّعون بتكوين وخبرة وجدية وروح مثابرة وقدرات اتصالية تؤهّلهم لاكتساح مختلف بلدان العالم في شركات ومؤسسات إنتاجية وصناعية وخدميّة وبنكية لا تعترف بمقاييس الانتداب البائسة من قبيل “أشكون بعثك” و “ولد أشكون” و “عندك لوك تباركالله” و “فلان آش يكون منّك” الخ…ويساهم هؤلاء “المهدّدون بالفصل 159 من القانون الجزائي” في ضخّ الملايين من العُملة الصّعبة للخزينة التونسية ويتولّى كثير منهم توظيف مهندسين آخرين واستكشاف مواطن تربّص واعدة لطلبة تونسيين قبل التخرّج…
من هذا المنطلق، الأوْلى بعِمادة المهندسين أن تخوض معركتها على صعيد آخر في سبيل تحسين وضعية المهندسين المباشرين في تونس (خاصة في المؤسسات الوطنية العمومية والوزارات التقنية) وحمايتهم من الاستغلال وسوء التوظيف…فمجرد مقارنة الأجر الذي يتقاضاه المهندس التونسي في تونس بنظيره في الخارج يُصيب بالخجل والإحباط.
أقول أخيرا :
أعجب حقيقة للصّمت المُطبق الذي تنتهجه وزارة التعليم العالي إزاء التهديدات التي تأتيها عمادة المهندسين منذ 2020 (باستثناء تصريح يتيم للوزير الذي لو لم يُسأل عن رأيه في إذاعة خاصة أثناء زيارة ميدانية لما تحدّث في الموضوع)… خاصة أثناء تعمير الطلبة الجدد لبطاقات اختياراتهم في التوجيه الجامعي والهلع الكبير الذي أصابهم أمام انتصاب العمادة مخاطبا رسميا لهم ولعائلاتهم بدلا من الوزارة وأجهزتها (فمن الذي ينتحل صفة غير مخوّلة له قانونا في الواقع ؟).
لقد حدث أيضا أن قامت وتقوم بعض النقابات برفض تعيين رسمي هنا وطرد مسؤول مباشر هناك، وهو سلوك من نفس جنس ممارسات عمادة المهندسين يترجم استضعافا للدولة وتجاوزا خطيرا للصلاحيات الأصلية الموكولة إلى كل طرفـ، ومدخلا للإجهاز النهائي على ما تبقّى من أركان دولة مُثخنة بجراح غائرة تسبّب بها أبناؤها قبل أعدائها.
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟