دخل عمّ علي الأبتر مسرعا إلى منزله وصاح بأعلى صوته مناديا زوجته: ” يا فتحية… يا بنت الرعّاش… (زوجته فتحية هذه هي ابنة الكوني الأفحج وكنيته “الرعّاش” وهو العم الأكبر لعلي الابتر) …تي وينك يا سخطة؟؟”
<strong>محمد الأطرش<strong>
ارتفع صوت فتحية المسكينة من داخل المطبخ ” هاني هنا شبيك تصيح اش ثمّة يا الابتر؟؟” … وقف امامها منتصبا وقال: “ما سمعتش أبوعبيدة توه اش قال…والله انتصار كاسح خليناهم ضحكة في العالم برّه الله يطول في عمرك يا بوعبيدة…ويطول في …اش علينا هو طويل من ربّي” نظرت اليه فتحية وأطلقتعنان لسانها بـــ”زغروطة” غزّاوية أدارت رقاب كل المارين من النهج الذي يقطن به علي الأبتر وزوجته فتحية وصغارهما… وجعلت بعض النسوة يدققن على باب دار فتحية لتهنئتها بما وراء “الزغروطة” العنقودية التي أطلقتها في سماء غزّة…عفوا في سماء حي “المجاريح” المحاذي لحي “المكسور” قرب طريق “المغدور”…
فتحت فتحية لإحداهن الباب فسألتها هذه الأخيرة: “ايه الحمد لله على خلاص وحلكم، بنيّة والا وليّد يا مرت الأبتر؟؟” …ضحكت فتحية وأجابتها ” لا بنيّة لا وليّد أنا من هاك العام سكرت الحانوت يا مرت الأعور (زوج الجارة يسمونه بالأعور) زغرطت على بوعبيدة مركه مخالفة مباشرة في تل ابيب”…نظرت إليها زوجة الأعور وقالت: “بوعبيدة مركه بونتو والفار شافها وأكدها يا فتحية أوخيتي؟ وين يعدو فيها المقابلة في البين سبورت والا في الكاس؟؟” أجابتها فتحية ضاحكة: “لا أوخيتي يعدوا فيها في السكاي نيوز والبي بي سي والعربية والجزيرة…”
سعدت زوجة الأعور بالمعلومة وقالت: “ربي يفرحك ببنيتك يا فتحية خليني نمشي نخبّر الأعور بالماتش يخلطش على الشوط الثاني ويخطاني بنت عمّي جاية بحذايا تعملي شوية صبغة الشيبات طوالو يا فتحية..” نظرت إليها فتحية وقالت بصوت هادئ “برّي بنية عمّي يسوّد شعرك ان شاء الله” … عادت الزوجة المسكينة إلى زوجها فوجدته جالسا القرفصاء ينتظر وجبة الغداء بعد منبر حواري ساخن مع بعض شيوخ الحيّ أمام تلفاز مقهى عمّ الصادق المبعوج…رفع رأسه نحوها وقال: “ثماش غداء يا مرا…؟؟؟” أجابته فتحية وهي ترتعش: “عمتلك مقرونة بيضاء…مسموطة وفيها كعيبتين سردينة تسلفتهم من خالتي (العوجاء) نجيبلك صحيّن سخون يا (بعلي) الممحون؟”
قالتها وهي تتمايل يسرة ويمنة تداعب الابتر بالغنج والكلمات طمعا في حصّة إضافية ليلية بعيدا عن اعين الأطفال والذريّة…وقف الابتر منتصبا غاضبا…صارخا “بيضاء علاه ما عندكش طماطم؟؟” أجابت: “ما عنديش نسيت موش قتلك نهار7 أكتوبر اللي فات راهو معادش عندي قتلي الطماطم غلا طيبي بلاش…يخي نسيت يا الابتر…؟؟؟” نظر إليها وأضاف: “علاه ما عملتش حتى عصيدة عربي بزيت الزيتونة يا همّ…؟؟” أجابت باكية: “أنا سخطة…يا الابتر…موش قتلك زيت الزيتونة كمل قتلي منجمش نشريه بــ 22 دينار الليترة..نسيت يا منجوه؟؟؟” …
“وعلاش ما عملتش حتى بيتزا صغيرة ليّ وللصغار ماهم يحبوها…؟؟” أجابت:” تي اشبيك يا راجل نسيت موش ليلتها في غزّة شدوا هاك الاسرى واتلهينا في الاخبار وانت شايخ وتغني (غزّة يامه يا بهية) وقتلك الفارينة ما ثماش قتلي موش لازم موش موجودة، المهم بوعبيدة يطق فيهم على “مؤخراتهم”… والمهمّ شدينا أسرى وبوعبيدة مشيّخنا…”…نظر إليها وقال:” عندكش على الأقل قهوة اعمليلي قهيوة حليب نطفي بيها الجوع؟؟” ضحكت وقالت لزوجها: “ها لبتر ياخي نسيت الحليب ماثماش …والقهوة كيف كيف…تحبش نعملك طاسة تاي اخضر فيها شوية زعتر واكليل و تڨوفت وشيح وعرعار دفي بيها افادك يا منجوه؟؟؟”
ضرب الأبتر راسه بين يديه وصرخ: “علاه ريتني نشكي من امراض مستعصية يا بنت الرعاش…ثماش ڨدمة خبز على الأقل يا بنت الافحج راك قتلتني..؟؟” ضحكت وقالت: “شبيك نسيت والا مكنك زهايمر وضربك على طاسة مخّك؟ الخبز بعد السبعة متاع الصباح معادش تلقاه..”…استدار الأبتر نحو زوجته وقال: “وينه المسخوط ولدك الكبير ما ريتاش من نهار 7 اكتوبر خلي نبعثوه لعمّه يجيبلنا منه عشرة لاف نكملوا بيهم الشهر …؟؟” نظرت إليه فتحية وصرخت بأعلى صوتها: “يا الابتر يخي نسيت والا شنية حكايتك…ولدك حرق نهار 10 أكتوبر وهوينه مربوط في لمبدوزا…يخي شبيك؟؟”…
قام الابتر منتصبا كأنه أصيب بصاروخ أرض أرض قادما من لامبادوزا وقال: “اشنوة حرق؟ بالحرام لا فيبالي ولاني موجود أصل…الله يهلكك يا نتنياهو…والله يسامحك يا بوعبيدة نسيتني في شؤوني الداخلية…ومنين جاب الفلوس باش حرق ولدك يا سخطة؟؟” التفتت إليه فتحية وقالت: “موش قتلي بيع اللي يتباع من اللي في الدار…بعت الدجاجات…وخمسة ارانب…وشركة ذهب خلاتهالي أمي الله يرحمها…وبعت الكورة اللي جابها الكوني ولد خوك لولدك باش يكور بيها وهو سارقها من فريق طلياني وقت التدريبات متاعو…وزوز سراويل جابهملك ولد خوك جدد قلت اش يعمل بيهم هوكه عنده سروال يكمّل بيه العام …وبعت الراديون اللي في بيت النوم…وبعت سرير ولدك اللي حرق…وتسلفت من خالتي “المبرومة” مليون ونص باش يردهملها ولدك كان خدم…كان ما خدمش يروح ويعرس ببنتها البايرة اللي قعدتلهم في الرقبة…هكه تفاهمنا …”
وقف الابتر مرّة أخرى صارخا يرتعش من فرط الغضب وقال صارخا في وجه فتحية: “اش خليت يا سخطة زدت بعتني أنا وبعت الذرية الاخرين …ما فهمتش أنا وين كنت وقت اللي صار هذا الكلّ؟؟؟” …ضحكت فتحية…وقالت” انت كنت شايخ بميسي متاعك ليونال بوعبيدة…وليل كامل وانت تغنّي وتقول:
الغرام فى الدم سارح والهوى طارح معزه
والحنين للقرب بارح والنوى جارح يا غزة…
ضحك عمّ علي الابتر وقال لفتحية “عزّه موش غزّة يا منجوهة…” أجابت وكأن الغضب اخذ منها مساحة أكبر مما كانت عليه من هدوء وقالت: ” وين نعرف على أمها غزّه والا عزّة يخي انت ما زلت لاهي بينا…كل نهار وليل غزّة…وبوعبيده…يا الابتر، نسيت اللي عندك قريب شهرين ما دوشتش يا ضايع؟”…
ضحك عمّ الأبتر وشعر بالذنب مما أتاه طيلة حرب غزّة وقال مبتسما فاتحا ذراعيه لفتحية: “الليلة يا فتوحتي…الليلة يا فتوحتي ندوّشوا…” ابتسمت فتحية وتمتمت ” علاه أنا دشيشة والا دشيشة…بوعبيدة خير مني…والا عزّة اللي يحكي عليها؟!” احتضنها الابتر وقال متمتما: “صحيح…همّ ينسيك همّ…الليلة ليلتك يا فتحية…الليلة يا فتحية نزور الانفاق…ونمضي على الهدنة في اتفاق…”…
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.