تابعنا على

جور نار

في الخارطة الجامعية التونسية … أهل السياسة هرْبوا بالقطعيّة !

نشرت

في

توضيح قبل البدء : ليست الغاية من طرح مسألة الخارطة الجامعية اليوم إثارة أي نوع من النعرات أو الدعوة المُبتذلة إلى إلغاء كل ما تحقّق وتمكين كل جهة من بناء الجامعات التي تُريد، ولكن أردتُها ملامسة أولى لمسألة استراتيجية وفي غاية التعقيد علّها تمكّننا يوما من تجويد ما هو قائم وتدارك بعض الخيارات التاريخية الخاطئة.

***

منصف الخميري Moncef Khemiri
<strong>منصف الخميري<strong>

بمناسبة هذه العودة الجامعية الجديدة التي أتمنّاها موفّقة للجميع ومتوّجة بأرقى النجاحات والتفوّقات، بودّي التطرّق إلى مسألة تهمّ منظومة التعليم العالي في تونس وذلك من زاوية ما يُسمّى بالخارطة الجامعية. لكن غالبا ما يتمّ تناول هذا المسألة على معنى انتشار عائلات الاختصاص وكيفية توزيع الطلبة ذكورا وإناثا على مختلف المؤسّسات الجامعيّة ومدى تطور مستوى كثافتهم العددية من سنة إلى أخرى، وليس من زاوية نصيب مختلف الجهات والأقاليم من المسالك التكوينية الجامعية والخلفيات السياسية والتاريخية التي انبنت عليها هذه التوزيعيّة ومدى تكافؤ الفرص بين مختلف جهات البلاد في هذا المجال.  

شهد التعليم العالي في تونس تكثيفا غير مسبوق خلال ثمانينات القرن الماضي من حيث عدد الطلبة المسجلين بالجامعة وعدد المؤسسات الجامعية والمسالك التكوينية التي تحتضنها كل مؤسسة وغصّت الأقطاب الجامعية التقليدية بالطلبة والكليات والمدارس والمعاهد العليا خاصة في تونس الكبرى والساحل وبدرجة أقل في مدينة صفاقس.

وكان قرار بعث مؤسسات جامعية بالجهات الداخلية يهدف إلى تحقيق غايتين اثنتين : التنفيس عن العاصمة بصورة خاصة التي أصبحت تعاني من اكتظاظ طلابي كبير سكنيا ودراسيا ومروريا ومعيشيا الخ… مع ما يُتيحه ذلك أيضا من “تحجيم” (بمعنى التقليص في الحجم) للحركة الطلابية التونسية التي عاشت أوْج عنفوانها خلال السّنوات السبعين والثمانين، خاصة مع وجود روافد أخرى لا تقلّ قدرة على إزعاج السلطة السياسية القائمة آنذاك مثل الاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان والحركة السينمائية والمسرحية الصاعدة… والتي أصبحت تشكل في مجملها حراكا واسعا مُعاديا للنظام وجب التقليص من نفوذه.

أما الغاية الثانية فكانت سياسية هي الأخرى، إذ تمّ خاصة في مرحلة حكم بن علي، لمّا كان الصراع على أشدّه بين الكتل المؤثرة والأجنحة المختلفة صلب أجهزة الحزب الحاكم بصورة خاصة متخذا تارة رداء الجهويّة وجلباب العروشية تارة أخرى … تركيز “جامعات كيفما اتفق” في كل ولاية وفي كل معتمدية إن لزم الأمر إسكاتا للنعرات وترضية للأنوات… في قطيعة تامة مع مُعطى المواصفات الدّنيا لتركيز الكليات والمدارس العليا من حيث توفّر إطار التدريس وهياكل البحث والمحيط الثقافي والأرضية المادية واللوجستية المواتية…

نصيب الزعيم في المنستير لوحدها : أضعاف ما تمتّعت به كل الجهات الداخلية مُجتمعة

في العقود الأولى لانبعاث الجامعة التونسية، كان لابد من إرضاء جهة المنستير تحديدا لكونها أنجبت “يا مخلّص البلاد، مُحال ننسى فضلك من بالي“، وذلك من خلال خلق قطب جامعي نوعي كبير أصبح يبلغ عدد مؤسّساته اليوم 15 مؤسسة (5 منها بالمهدية وواحدة بالمكنين) تستقطب أفضل المعدّلات في الباكالوريا كل سنة، وذلك بالنظر إلى “نوعية” المسالك التي تمّ تركيزها هناك (الطب والصيدلة وطب الأسنان واختصاصات شبه طبية ومهن الموضة وكلية علوم ومعهد تحضيري للدراسات الهندسية ومعهد عالي للإعلامية ومعهد عالي للبيوتكنولوجيا…)… نسيج جامعي على درجة عالية من الجاذبية وسط مدينة جميلة مُطلّة على البحر لم تترك السياسة شيئا لم تفعله من أجل تمتيعها بأفضل بنية تحتية فيها الطرقات والمترو والمنتجعات السياحية والمناطق الصناعية الخ…

ليس هذا فحسب، بل وعلى بعد 20 كلم تقريبا، تتأسّس مدينة جامعية مجاورة بــ 16 مؤسسة جامعية منها هي الأخرى كلية للطب ومعهد عال لعلوم التمريض ومدرسة عليا لعلوم وتقنيات الصحة (أي بكثافة منقطعة النظير على مستوى الدراسات الطبية وشبه الطبية في رقعة جغرافية ضيقة جدا من المساحة الجملية للبلاد التونسية !). ولكن جامعة سوسة لا تكتفي بهذا القدر من المسالك الجامعية المُغرية والجذابة والمستحوذة على انتباه الدّارسين والمدرّسين مثل : العلوم التطبيقية والتكنولوجيا والنقل واللوجستيك والدراسات التجارية العليا والحقوق والإعلامية وتقنيات الاتصال والمعهد الأعلى للتصرف الخ…

أمّا حمّام سوسة (وهي تقريبا حزء لا يتجزّأ من مدينة سوسة) التي أنجبت هي الأخرى من أمسك بأعلى هرم السلطة، فقد فازت بمؤسّستين جامعيّتين هما المعهد العالي للإعلامية وتقنيات الاتصال (بـثلاث إجازات في الإعلامية والاتصالات) والمدرسة العليا للعلوم والتكنولوجيا (بـــ 7 إجازات : كيمياء، فيزياء، طاقة، رياضيات، مرحلة تحضيرية علمية، إلكترونيك الخ…). 

وعليه من حقّنا أن نتساءل : أية عدالة هذه التي يكون يموجبها أكثر من نصف الجامعة التونسية ممركزا في 20 كلم2 (على 000 132 كلم2)؟!!

أما بالنسبة إلى تونس العاصمة، فيمكن القول بأنها لم تسرق مجدها الجامعي وأنهمن الطبيعي أن يكون بها 4 جامعات كبرى (المنار وتونس وقرطاج ومنوبة) بمؤسسات عريقة متخصصة في مجالات اشتهرت بها كبرى الجامعات في العالم مثل الدراسات القانونية والدراسات الانسانية والاجتماعية والعلوم الطبية وشبه الطبية والعلوم الصحيحة والاختصاصات التكنولوجية الخ…

لكن العديد من المؤسسات الجامعية التي تمّ بعثها في الجهات الداخلية لم تكن خاضعة لمقاييس موضوعية وخصوصيات جهوية وإقليمية تُمكنها من التطور عبر السنوات والإسهام في تطور مؤشرات النمو بتلك الجهات. فما سُمّي على سبيل المثال بالدراسات التطبيقية في الإنسانيات في بعض المعتمديات أو الفنون والحرف أو كذلك بعض المؤسسات “التكنولوجية” في المناطق النائية التي يفوق عدد الموظفين والعملة فيها عدد الطلبة الذين تمّ توجيههم نحوها وباشروا فيها دراستهم الجامعية بصورة فعلية… ليست إلا واجهات برّاقة تُخفي وجها بارزا في أزمة التعليم العالي في تونس وغياب التوازن بين مختلف الأقطاب الجامعية واحتداد الفوارق على مستوى جودة التكوين وتشغيلية الخرّيجين.

لذلك السبب بالذات، لا نجد أثرا البتّة للطلبة الجدد الناجحين بملاحظات حسن وحسن جدا في المؤسسات الجامعية غير المنتمية لتونس وتونس المنار وقرطاج والمنستير وسوسة وصفاقس. وهو ما سينعكس على نسبة الانقطاع المبكّر أولا (يعتقد الكثيرون منا أن ظاهرة الانقطاع لا تنسحب إلا على التعليم الأساسي والتعليم الثانوي) وعدم تكافؤ مستوى المتخرجين ثانيا وبالتالي عدم تساوي حظوظ الاندماج في سوق الشغل خاصة بعد انسداد أبواب الانتداب في الوظيفة العمومية.

أية آفاق لمراجعة الخارطة الجامعية الحالية ؟

في سبيل تحقيق حدّ أدنى من التوازن بين الجهات والأقاليم وبعث بؤر جامعية للتميّز تساهم في تكوين نُخب على مستوى عال من الكفاءة وصلابة التكوين وتساهم أيضا في النهوض بالتنمية وإضفاء شيء من الألق والحيوية على حياة باهتة داخل جهاتنا المنسيّة، باتت الحاجة مؤكدة إلى مراجعة جوهرية وجريئة للخارطة الجامعية تأخذ بعين الاعتبار :

___ إقرار التكامل والانسجام مع منظومة التكوين المهني (خاصة في مستوى مؤهل التقني سامي، حيث لا أفرّق شخصيا بين إجازة في التعليم العالي تُسند بعد 3 سنوات دراسة جامعية في اختصاص تكنولوجي ما، وبين شهادة تقني سام يُسندها التكوين المهني بعد 3 سنوات أو سنتين ونصف في نفس ذلك الاختصاص التكنولوجي) وذلك في الجهات الداخلية حيث يتقلّص عدد الطلبة بشكل ملحوظ من خلال إيجاد صيغ مرنة وذكية لتبادل الخبرات وتقاسم الموارد والالتصاق بحاجيات الجهة.

___ دعم التخصّص لكونه سبيلا مثاليّا للارتقاء بجودة التكوين وإقدار الخرّيجين على منافسة نظرائهم في سوق عالمية للعمل مفتوحة أمام خريجي كل جامعات المعمورة.  ولدينا في تونس نواتات جامعية للتخصص يمكن دعمها وتطويرها بدلا من خلق اختصاصات شبيهة في مؤسسات أخرى للتضييق عليها فنخسر الأولى ولا نربح الثانية. فبرج السدرية على سبيل المثال يمكن أن تتخصص في تكنولوجيات البيئة والهندسة الطاقية، وشط مريم في العلوم الفلاحية، وقابس في علوم وتقنيات المياه، وقفصة في علوم الجيوماتيك، والكاف في الفلاحة والمستغلات الفلاحية الخ…  

___ توزيع اختصاصات التميّز (التي يُقبل عليها الطلبة حتى وإن كانت واقعة في آخر الدنيا) بشكل عادل بين جميع الجهات والأقاليم وذلك على النحو التقريبي التالي :

  • الطلب الخارجي الكبير على الكفاءات التونسية في مجالات الطب والتمريض والاختصاصات شبه الطبية (التوليد والعلاج الطبيعي وأمراض الشيخوخة والرعاية الصحية للأطفال…) وازدياد الطلب على الخدمات الصحية خارج المؤسسات الاستشفائية، في قطاع الطفولة وقطاع السياحة ووحدات إيواء كبار السنّ… يجعلان من بعث مؤسسات جامعية متخصصة في هذه المجالات وبالجهات الداخلية خيارا ذا مردودية عالية على المدى القريب والمتوسط
  • التركيز داخل الأقطاب الجامعية القائمة بالجهات الداخلية (وبالشراكة مع كبرى الشركات العالمية) على الاختصاصات ذات العلاقة بالتكنولوجيات الحديثة مثل الشبكات والاتصالات والذكاء الاصطناعي ومهن الملتميديا والإنترنت والإعلامية الصناعية وتكنولوجيا البيئة ومهن التحول والنجاعة الطاقية ومهن إعداد المضامين الرقمية … وهي مهن مضمونة التشغيلية وطنيا وعالميا.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 115

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…

عبد الكريم قطاطة

عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟

في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…

مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…

تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…

اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…

إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…

قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…

الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟

موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…

قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

جور نار

لا تخرّبوا سور وسقف الوطن… فنحن غدا من سيدفع الثمن!

نشرت

في

محمد الأطرش:

كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.

تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.

سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.

الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.

هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟

أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…

ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟

يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.

أكمل القراءة

صن نار