في السنوات الخمسين كانت تجتمع كل العائلة لمشاهدة الرّاديو، أمّا اليوم فقد ترذّلت الصّورة إلى درجة أصبح معها الناس يستمعون إلى التلفزة. الإذاعي الفرنسي بيار بوتييّي.
صادقت الجلسة العامة للأمم المتحدة سنة 2012 على اعتبار يوم 13 فيفري من كل عام يوما عالميا للإذاعة باعتبارها “أداة قوية للاحتفاء بالإنسانية في كامل تنوّعها ومنصّة للخطاب الديمقراطي،.. تُسمع فيها كل الأصوات وتتعدّد فيها البرامج ووجهات النظر.”
<strong>منصف الخميري<strong>
وتحتفل شعوب الأرض هذه السنة باليوم العالمي للإذاعة تحت شعار “الإذاعة والثقة”، ويمكن أن تُعاد صياغة هذا الشعار على معنى “هل يجب أن نثق بالإذاعة والإذاعيّين” أو “أي ثقة للمواطن في الإذاعات التي يستمع إليها ؟” أو كذلك “هل ما يزال ما تُذيعه المحطات الهرتزيّة محلّ ثقة في زمن مُعوْلم تتنافس فيه المواقع والمنابر الرقميّة والمنصّات على كسب رهان الأوديمات”؟ (بالمناسبة، بإمكانكم الاستماع بشكل مباشر إلى أية إذاعة من إذاعات العالم على منصّة radio garden القابلة للتّحميل المجاني على الهواتف والحواسيب).
كان جيل النصف الثاني من القرن الماضي يتعامل مع المذياع باعتباره “صندوق عجب” شكّل واحدة من أغرب باكورات الثورة التكنولوجية مع التلفاز والتصوير بالأشعة وحبوب منع الحمل والاسطوانة الموسيقية والثلاجة والهاتف والأبواب الآلية والجيل الأول من الحواسيب والكهرباء المنزلية… فكان الشباب يأخذ لنفسه صورا و”التيساف” (تليغراف لاسلكي TSF) على كتفيه مثلما يُسلفي جيل آخر من الشباب اليوم أمام برج إيفيل في باريس أو سور الـ 20 ألف كيلومتر الصيني. وفي السياق التونسي، كان المزاج الوطني العام يتشكّل على نسق المدائح والأذكار في الصباح الباكر ووجبات متقاربة من توجيهات الزعيم ونشرات إخبارية تُمعن في إذاعة هزائمنا على كل الجبهات وانتصارات الشعوب الأخرى في العلم والتصنيع وجودة الحياة و… برنامج أسبوعي (أعتبره شخصيا برنامجا ينبع من فكرة بَلْديّة بائسة تتأسّس على ضرورة تخصيص مساحة ما لهذا الريف الشاسع الحزين والغارق في أهازيجه البدويّة) هو “قافلة تسير” فهمنا بعد عقود أنها قوافل تائهة تسير نحو الخلاء والبيداء…
ولكن كانت ثمّة وجوه أخرى في تجربتنا البِكر مع الإذاعة التونسية يجدر التنويه بها لأنها ظلت أرفع مستوى – رغم حداثة التجربة ونقص الموارد وضعف التكوين التقني المتخصص- من موجات القصف الإذاعي العشوائي الذي نتعرض له يوميا خلال السنوات الأخيرة.
ما هي أسماء إذاعاتنا اليوم ؟
يبدو أن إسناد أسماء إضافية تجميلية لمحطاتنا الإذاعية في القطاعين العام والخاص هو تقليد تونسي صِرف، فنسمّي الإذاعة الوطنية أم الإذاعات، وموازاييك الإذاعة الأولى في تونس، وإي اف أم أحلى راديو، وإذاعة تونس الثقافية صوت إرادة الحياة، وإذاعة المنستير عروس البحر، وإذاعة جوهرة الدنيا وما فيها، الخ… وهو تقليد لا نجد مثيلا له في كبرى الإذاعات العالمية مثل سكايروك وفرانس أنتار و أرتي آل وأوروب 1 وفيرجين وفرنسا الثقافية… ربما لأن تقليد مُضاعفة مكانة المنعوت من خلال اجتراح نعوت يعتقد صاحبها أنها تضيف معاني وأوصافا وبيانات حتى وإن كانت لا تتوفر تلقائيا في الشيء أو الشخص الموصوف، ضارب في تاريخنا الحضاري والسياسي والفني. (مثل المجاهد الأكبر و رجل التغيير و شحرور الخضراء وكروان الإذاعة وكوكب الشرق…).
في أصناف المذيعين والمذيعات:
بالرغم من وجود فئة من الإذاعيين الذين يحرصون على تعهّد أصواتهم وتدريبها وتدليكها وتجويدها (تماما كما يعتني رياضيو النخبة بأرجلهم وعضلاتهم) وينتبهون إلى تفاصيل اللغة وإتقان فنون البلاغة مثل حسن التعبير والتلطّف في الكلام واستبدال تعبير غير سار بآخر أكثر مقبولية منه ويطّلعون على كل ما يحدث في الوطن وخارجه… تُلاحقنا أثيريّا فئة أخرى من المذياعيين الشّامتين في اللغة العربية (أو قل العربية المائلة إلى العامية التونسية بمقدار، ولكن تكون لطيفة ومستحبّة وفي غير تنافر مع ما يتكلّمه أغلب التونسيين) والمُعتقدين أنه ليس من الضروري العمل بعناء لمدة ساعات قبل الحصة المبرمجة لإجراء محاورة ناجحة مع فنان أو أديب أو خبير في مجال ما، وأنه تكفي ثلاثة أو أربعة أسئلة “عوّامة” من نوع “ماذا تقول للمستمعين؟” أو “كيف ولدت لديك فكرة إنجاز هذا العمل” أو “ما هي وجهتك- عملك- محطتك … القادمة ؟” للإيهام بأن العمل أُنجز … ولكن دون فرادة أو تميّز أو تفوّق يذكر.
وهناك أيضا فئة :
من البارعين جدا في استعمال التعابير الكسولة الجاهزة مثل “التفكك الأسري” و”التسرب المدرسي” و”التمسك بتعاليم ديننا الحنيف” و”مساهمة المجتمع المدني في مؤازرة العائلات محدودة الدخل” و “الواجبات المحمولة على الدولة” و “الخبر مقدس والتعليق حرّ” و “التحكّم في مسالك التوزيع”، إلخ … والتي تشي بأن صاحبها يكتفي بالسباحة على سطح اللغة لا في أعماقها.
ممّن ليس لديهم كبير مشكل مع الخطاب الحوماني المؤثّث بتعابير مثل “حاجة واو خشينة برشة هاذي ” والترهدين والتسكبين ونريسكي ونبوجي ويكمبص ويكونسومي ومريقل ويتهيبل” الخ… تماهيا مع ما “يطلبه المستمعون” والانخراط في روح العصر.
من المذيعات اللواتي تحرصن على تحريك شفاههن وألسنتهنّ بطريقة تحاول الاقتراب من نطق الباريسيين لحرف الرّاء والسعي المحموم إلى إصدار أصوات قطنية ممشوقة وتكتفين بجمل فرنسية سائلة يتعلّمها أطفال التحضيري هناك.
الإذاعة التونسية : هل تأسّست الثقة بعد الثورة ؟
تحررت المصادح بعد الثورة بشكل كبير وانعتقت الحناجر المغلولة وتدفّقت موجات الكلام تلو الكلام عبر الأثير…ولكن سرعان ما أدرك الحُكّام الجدد أهمية الدور الذي تلعبه الإذاعات والتلفزات في توجيه الرأي العام فسعوا إلى إحكام قبضتهم على إدارة هذه المؤسسات وانتداب “المعلّقين” و “المدوّنين” و “الحاضرين في كل مندبة” (أو الكرونيكورات في لغة المحدثين) للإفتاء في كل كبيرة وصغيرة سواء تعلق الأمر بالكتاتيب أو ببرلمان الألاعيب وحتى السحر العجيب في جلب الحبيب.
حتى أن بعضهم بات من أصحاب النفوذ “الأثيري” يُلمّع هذا ويسوّد ذاك ويقرب هذا ويستبعد ذاك بحيث يتراجع الهدف الأسمى من العمل الإذاعي لفائدة أجندة خاصة تناقَش تفاصيلها في الزوايا القصيّة بكبرى النزل والصالونات.
أما البعض الآخر، فاختلط عليه الأمر وأصبح لا يفرق بين جُرأة الأداء وقلة الحياء فلا يمتنع مثلا عن مناداة رئيس الجمهورية بشكل سُوقي “يا سي قيس سعيد فيق على وضعك” ويسمح لنفسه بالتطاول على المربين والأطباء والوزراء والناس أجمعين… والحال أن مستواه في أسفل السّافلين.
وأختم هنا بمثال حيّ، حيث كنت أستمع إلى عشرات الإذاعات التي تبثّ عبر الويب للاستئناس بها في صياغة هذه الورقة، كانت الطّرفة التالية بتاريخ السبت 12 فيفري ليلا :
المذيع (ديوان أف أم) متوجها لشاب متسابق بعد سؤال حول أصل تعبير لغوي غريب شيئا ما، والإجابة الصحيحة كانت كمبوديا : هل تعرف أين تقع كمبوديا ؟ أجاب الشاب “لا والله ما عندي حتى فكرة”.
فكان تعقيب المذيع : ” كمبودجا ؟ والله كيفي كيفك لا نعرف عليها وين موجودة، برّة نتعدّاو للسؤال الموالي”.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…
عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟
في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…
مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…
تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…
اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…
إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…
قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…
الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟
موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…
قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …
كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.
تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.
سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.
الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.
هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟
أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…
ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟
يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.