تابعنا على

جور نار

في اليوم العالمي للمدرّسات والمدرّسين

تلاميذنا بحاجة ماسّة إلى مُربٍّ يُحفّزهم ويُهيّج دافعيّتهم ولا يدعُ أحدا منهم على قارعة الطريق

نشرت

في

أحتفل على طريقتي باليوم العالمي للمدرّسين، وذلك بأن أفرد هذه الورقة، لا للإشادة بفضل المربّين والتنويه بعطائهم وهم جديرون تماما بذلك، بل لإسداء بعض الإنارات بصفتي مربّيا قديما (أو هكذا أدّعي) قصد حفْز هِمم جُلاّس المقاعد الدراسية المُقبلين على مستقبل لا يعلمونه، وخاصة كل أولئك المحرومين من أحزمة قوية تُسندُ ظهورهم الغضّة ووسائد هوائية تقيهم مخاطر الاصطدامات وهم يعبُرون طرقات الحياة المدرسية والجامعية المزدحمة والمتشعّبة.  

منصف الخميري Moncef Khemiri
<strong>منصف الخميري<strong>

جميع الناشئين دون استثناء يحتاجون إلى رعاية وعناية ومرافقة، لكن هذه الشّريحة العمريّة تنمو بداخلها فئة كبيرة العدد يُعوزها أبٌ خطابه اليومي مُزدانٌ بالمصطلحات الفريدة (في كل اللغات) والاستعمالات السياقية البديعة، وتفتقدُ إلى أمّ تسمّي المهن والأكلات والبدلات وأجناس القطط والكلاب دون حساب، وهي فئة لا يتسنّى لها معاشرة أعمام يسافرون وأجداد يقرؤون وأخوال يجوبون العالم فيزدادون فطنة ونباهة.

على جميع المربّين أن ينتبهوا جيدا (وبشكل فيه حِرفية وتعاطف) إلى هؤلاء المهدّدين بالتّيه والجنوح، وأن يحوّلوا المدرسة إلى حاضنة حقيقية مختصة تُعوّض ما يُفسده المحيط وتسدّ الثغرات المفتوحة صلب العائلات ذات المناعة المتدنّية.

أتوجّه إلى هؤلاء “الماشين على الحِبال المشدودة فوق فوهات كل أنواع البراكين الحارقة” والذين عرفت الكثيرين منهم … نجا بعضهم وتاه البعض الآخر، أتوجّه إليهم بعُصارة ما يختلجُ داخل أغلب المربين ويتمنّونه بقوّة للجمهور الجالس أمامهم، فأضمّ صوتي إلى صوتهم لأقول لهم :

–  إذا كان أبناء الميسورين مُطالَبين ببذل مجهود كبير من أجل النجاح والتفوّق، فأنت – يا ابن الفئات الذّاوية- مُطالبٌ ببذل أضعاف هذا المجهود لأن السّباقات الأخيرة لا يتمّ تصميمها على نحو فارقيّ لكلّ فيها حسب مستوى مكتسباته، وإنما تُخاط بصفة ممنهجة لا تراعي الفروقات والتباعدات، وكأنّ كل التلاميذ كتلة متجانسة تلقّت نفس التكوين ولها نفس الاستعدادات.

–  اعلم أن خارطة حياة “الموعودين برغد العيش” مرسومة نسبيا بوضوح خوارزمي منذ البداية (تحضيري جيد + أساسي متميز ثم مؤسسة نموذجية + تناول مكثف للمنشطات = باكالوريا عالية المعدل تُفضي إلى أجود ما لدينا من اختصاصات في الجامعات العمومية أو التعليم العالي الخاص والدراسة بالخارج لو تعذّر ذلك)… أما أنت فإن إبحارك محكوم بالرؤية (في ظل غياب الــجي بي أس) وأهدافك تحددها النتائج (عكس ما يجب أن يكون، أي أنك تُحرز النتائج الضرورية لإنجاز أهداف لا تتحقّق إلا بفضل تلك النتائج)….وكأنّ مصيرك لا سلطة لك عليه، متروك للصدفة والعشوائي وغير المتوقّع وتقلّبات الطريق ومفاجآت المسار.

– أدرك أن الأولياء المنتسبين إلى الطبقات الاجتماعية الوسطى مثل المربّين والجامعيين والأطباء والموظفين والتجار السّالكة أحوالهم… يستثمرون جهودا وإمكانيات خرافية من أجل ضمان نجاح منظوريهم وإحراز أفضل النتائج والوصول بهم إلى أرقى المراتب والدرجات المهنية والحياتية بصورة عامة. ولكن هؤلاء في المقابل، لا ينتظرون مساعدات مادية من أبنائهم يوم يشتغلون حتى وإن كانت الوضعية المادية للعائلة بصورة عامة تساوي أو تفوق بقليل درجة الاكتفاء. أما العائلات التي تشحّ في جيوبها الموارد، فسوف تكون بهجتها بهجتين وفرحتها فرحتين يوم ينجح الأبناء ويتألقون لأنها ستُفاخر بطبيبة صاعدة أو مهندس واعد وستسعد لسعادة أبنائها، ولكنها في ذات الوقت ستنعكس على مستوى رفاهها ولو قليلا الوضعية الجديدة لهؤلاء الصغار الذين كبروا ووطئت أقدامهم تراب اليابسة. فكن رافعة لمن لا رافعة أخرى له غيرك أنت أيها الشّارد الذي تكتكه التيك توك وسبَى عقله الفايسبوك.

– كن استباقيّا و ثق من الآن أنهم سيُقلّبونك غدا على كل واجهاتك الظاهرة منها والباطنة، سيُقيّمون حضورك وأنت تطلب يد ابنتهم، وسيُحدّدون من أنت من خلال شهائدك التي راكمتها في مسيرتك وطبيعة العمل الذي تمارسه وشبكة العلاقات التي تعيش ضمنها…ومدى قدرتك على أن تكون واثقا من نفسك في غير غرور ومتسامحا ومرنا في غير تحلّل ورخاوة. سيُخضعونك إلى سلسلة من الاختبارات التي تفوق في صرامتها روائز ولوج البنتاغون. واعلم كذلك أنك ستمتنع بصورة تلقائية عن ارتياد فضاءات معيّنة مثل النزل والمقاهي وقاعات الترفيه الفخمة لأنها تُقيم حواجز اجتماعية غير مرئية في مداخلها وبين معابرها.

– كن مقاتلا واصمد في وجه الانبعاثات السّامّة المتأتّية أحيانا من برامج متهرّمة أو طرق تدريس متكلّسة ودافع عن حظوظك كاملة، وكن واثقا من أن لا أحد غدا – مهما علا شأنه- بقادر على الاستنقاص من شأنك أو مراوغتك أو توجيه الإساءة إليك حتى وإن كانت ضمنية ومخفيّة بشكل محكم في تفاصيل الكلام… عندما يكون ذهنك مبنياّ بشكل متوازن وجيبُك “مستورا” وقلبك معمورا.

– ليس من حقّك مطلقا أن تظلّ تلهث كل ساعة وكل ثانية وراء متعة حينيّة وهلامية زائلة تُحملق فيها بعينين زائغتين وأعصاب مشدودة على شاشة افتراضية خاوية ومخادعة، لتنسى تماما أن لك خزّانا معرفيا موحشا بفراغه عليك ملؤه، وأن لك أبًا لو وهبتَهُ أنستغرامات العالم كلّه لما قبِل أن يرتاح ساعة واحدة لأن لك طلبات ولإخوتك صولات وجولات في المطالبة بالماركات والبراندات. ولكونه أيضا يُدرك أكثر منك أيها الكائن الرقمي المحلّق عاليا في سماء العيش المغشوش، أن الرغيف لا يؤكل إلا طازجا.

ووالدك يعرف بشكل أفضل منك كذلك أن مقاعد السّعادة في قطار الحياة غير محجوزة بشكل مسبق (كما يحلو للمتقاعسين أن يبرّروا انتظاراتهم الأبدية على قارعة سكّة الحديد)، بل تظل شاغرة لتلين بحنوّ وتلطّف أمام أوّل المُثابرين والمُكابدين الذين اقتنعوا مبكّرا أنهم متساوون تماما مع غيرهم من حيث “إمكانيات الذكاء والإبداع الكامنة”، لكن قوّة الدفع الذاتية تختلف من شريحة إلى أخرى ويتعيّن عليك أنت أن تعوض عن ذلك ببذل مجهود مضاعف لا غير.

– أمّا والدتك :

فلا تخذلها و لا تفعل بها أكثر ممّا فعلته بها الحياة، وردّ لها بعضا من اكتوائها اليومي بنيران المواقد وعميق حرصها على نظافة المراقد وعدم إطباق جفنيها حتى يحلّ ركب حضرتك ليلا. ليس لديها الإمكانيات الذاتية لتؤطرك مدرسيا وتُراجعَ معك تمارينك وواجباتك، وليس لديها من سعة الرزق لترسلك إلى نقاط الشحن الاصطناعي، ولكنها تضعك أمامها وتُلزمك باستعراض ما درسته صوتيّا، ولا يهم إن لم تفهم تماما المقاصد والمعاني، لتتأكد من خلال ما يُشبه عمليات “المسح بالرنين المغناطيسي” وهي تتأمل ملامحك وتتفرّس حماستك ومدى غبطتك وقلقك وتسرّعك من عدمه في إنهاء الحصة… لتتأكد أن الأمل مازال قائما في الفوز يوما بـ “جَرْية عْمُرها” !

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار