دُعيتُ يوم الاثنين الماضي إلى إبداء الرأي على موجات الإذاعة الوطنية مع الإعلامي الشاعر عز الدين بن محمود في برنامجه الأسبوعي “مجرّد سؤال” بخصوص موضوع الاستشارة الوطنية للتربية والتعليم التي أذنت بها رئاسة الجمهورية، وقد عبّرت عن بعض الأفكار حِيال هذه المسألة أردت أن أتقاسمها معكم في هذه الورقة.
<strong>منصف الخميري<strong>
ولا بدّ من التوضيح في البداية أنني لست من الرافضين بشكل مطلق لهذه المبادرة ولا من الذين يضعون كل آمالهم على مثل هكذا خطوة نظرا إلى التحفّظات العديدة والتخوّفات المتنوعة التي لديّ (وأنا الذي عايشتُ وواكبتُ من الاستشارات والندوات الاستشارية والحوارات الوطنية ولجان التفكير وورشات الإصلاح والموائد المستديرة المخصصة للتشخيص والتمحيص … ما يؤثّث مجلّدات ضخمة من الأدبيات والمقترحات والمُعالجات لكنها لم تُثمر في أغلب الأحيان أية نتائج ملموسة تركت أثرا يُذكر في واقع مدرستنا التونسية)… بل أنا من المُتحمّسين دوما لأي مشروع خاصة عندما يقول اسمه ويُعلن عن نواياه بوضوح بصرف النظر عن التمشيات المعتمدة لتفعيله وتركيبة الهياكل القائمة عليه والمدى الزمني الذي سيستغرقه، وكذلك مدى توفّر الظروف المواتية موضوعيا وذاتيا. ولكن هذا لا يمنع من أن تكون لديّ عديد التحفّظات الجدية التي تحفّ بهذا المشروع والتي يرتبط بها وثيق الارتباط نجاحه من عدمه حسب اعتقادي، متّكئا في التنبيه إليها على تجاربنا السابقة لا في مجال التربية فقط بل في كل المجالات تقريبا فوق أرضنا غير المستصلحة في مجملها.
ما الذي يجعلني أغذّي بعض الأمل ولو بصفة حذِرة ونقديّة ؟
“عندما يسوءُ كل شيء، يصبح الأمل ضرورة وطنية” … يصلح هذا لأن يكون شعارنا الأوحد خلال هذه الفترة من تاريخنا، لأنه ليس أمامنا سوى وطن واحد سنذود عنه – كل بما توفّر لديه من طاقة وقدرة على تجاوز الكبوات المتتالية- وسنظل متعلّقين بأيّ بريق يسطع في الأفق مهما كان خافتا، ولأنه ليس لدينا من خيارات أخرى في وجه السّقوط المدوّي لمنظومتنا التعليمية العمومية وما يتبعُه من خسائر بشرية فادحة غير محاولة الإصلاح أو في أسوإ الأحوال معالجة بعض الشقوق الخرسانية الخطيرة منعًا للانهيار الأخير، ولأنه لا أحد مطلقا بوسعه الادّعاء أنه يملك الوصفة السحرية التي بها تنهض تربيتنا وتتجاوز علاّتها، بما يفرض عملا جماعيا واسعا يكون مصدر طاقة خلاّقة للأفكار ومقترحات الحلول والمعالجات…
بسبب كل ذلك، أمتنعُ شخصيا عن إيجاد المبرّرات لمقاطعة الاستشارة وعدم الاعتراف بمُخرجاتها كما يدعو البعض إلى ذلك، تارة لكونها استشارة شكلية لن يؤخذ بنتائجها وتارة أخرى لتولّي “من هبّ ودبّ” وضع مفردات الاستشارة (كما كتب مؤخرا واحد من بين الذين يعتبرون أن لا نجاح لأي إصلاح دون إشرافهم المُبين)، مع تقديري التام لبعض الأصوات الصادقة التي عبّرت عن تحفّظاتها المبنيّة على قراءة موضوعية للمناخ السياسي العام الذي تمرّ به البلاد، وتقييم هادئ للتجارب السابقة في مجال “جئتُ أستشيركم في قرار اتخذتُه” !
أربعة تحفّظات كبرى ليتهم ينتبهون إليها :
أوّلا : كأننا لا نريد القطع مع سياسات الهدْر وعُقدة “ما فعله الآخرون بالضرورة لن يكون”.
يمكن القول في هذا السياق إن مشروع الإصلاح التربوي لسنتي 2015 و 2016 والذي تمّ إسقاطه لاعتبارات سياسوية ونقابويّة صرفة وليس لإخلالات أو هِنات برزت على مستوى نتائجه وعشرات الوثائق المنبثقة عن لجانه الفنية المتخصصة، شكّل فرصة تاريخية حقيقية لوضع أسس معالجة أزمة مدرستنا التونسية ومُجمل المنظومة التكوينية. أقول هذا بالنظر إلى اتساع رقعة المشاركة في الحوار الوطني الذي جرى في كل الجهات وفي كل المؤسسات التربوية ابتدائيا وإعداديا وثانويا والذي امتدّ من 15 ماي إلى 17 جويلية 2015 بمساهمة مئات الآلاف من التلاميذ والأولياء ومختلف الفاعلين التربويين، وبالنظر ثانيا إلى حصول شبه إجماع وطني حول مشروع الإصلاح المتجلّي في مشاركة مختلف الوزارات المعنية واتحاد الشغل وطيفا واسعا من الفاعلين المدنيّين، وثالثا باعتبار العمل الجبّار الذي أنجزه الخبراء والمتخصصون صلب اللجان الأربعة عشرة التي اشتغلت على أهم المفاصل المتصلة بالشأن التربوي، ورابعا وأخيرا (وربما هذا هو الاعتبار الأهم) لأن كل اللجان أنهت أعمالها وأنتجت وثائق مرجعية هامة من التشخيص إلى مقترحات الحلول إلى مؤلّف التوجّهات والخيارات العامة… وصولا إلى القانون التوجيهي للتربية الذي كان سيُعرض على البرلمان للمصادقة آنذاك لكن القصبة تواطأت مع باردو وقُبر المشروع. وعليه ليس من حقّنا أن نُنكر هذا المجهود الضخم ولا نسعى إلى البناء عليه والاستفادة منه في أية إصلاحات قادمة.
ثانيا : ٍ ضرورة بلورة رؤيا مكتملة للإصلاح لأن شعار “تهالك المدرسة العمومية وإعادة البريق إليها” ليس عنوانا للإصلاح.
استمعت شخصيا إلى بعض الخطب الرسمية التي رافقت إعداد الاستشارة الإلكترونية المنتظرة، وكانت جلّها تكرّر بعض العناصر التشخيصية المُتّفق حولها مجتمعيا والتي ترِد حتى على لسان الأمهات المرابطات أمام المدارس… من قبيل ضرورة إعادة الاعتبار للمدرسة العمومية وإيقاف نزيف الانقطاع والتصدي لمظاهر العنف والجنوح في الوسط المدرسي الخ… دون وجود مؤشرات دالّة على أن أصحاب القرار منتبهون حقيقة إلى ما وراء هذه الشعارات العامة وإلى ما يتوجّب اتخاذه من إجراءات وضبطه من سياسات لتطويق الحريق، لأن “ما نتعقّله جيدا نستطيع قوله بوضوح، فتنسابُ الكلمات بيُسرمعبّرة عنه… كما يقول الكاتب نيكولا بوالو.
ثالثا : معركة التربية لا يُخاض غمارها في ساحات وزارة التربية وحدها
عندما نرى حجم التفكك في المنظومة الوطنية للتربية والتعليم والتكوين في تونس ومنطق المقاطعات المهيمن في نمط تفكير كبار المسؤولين والتفكير بمنطق “عدم التفريط في الامتيازات المكتسبة بفعل التحوّز”…وخاصة عندما يغيب أي تنسيق مهما كان بسيطا بين الوزارات المعنيّة بشكل مباشر على مستقبل أجيال بأكملها (كأن يجهل التعليم العالي على سبيل المثال ما يدرسه تلاميذ الثانوي من برامج وهم من سيفدون عليه بعد سنة واحدة بعد الباكالوريا، أو كأن لا تعلَمَ التربية عدد المنقطعين سنويا وإمكانيات إدماجهم في مسالك أخرى أو كذلك كأن لا يعلم التكوين المهني عدد الملتحقين به بعد الباكالوريا لاتخاذ الاحتياطات الضرورية في إبانها…) عندما تتواصل هذه السياسة المُشينة في حق أجيال بأسرها، لا يمكن إلا أن ننبّه وبإلحاح إلى ضرورة وضع كل الإمكانيات من أجل ضمان الالتقاء اليومي بين مصالح مختلف هذه الوزارات لتدارك ما فات والاستعداد المنظومي لما هو آت.
نحن لا نعرف إلى حدّ الآن إن كانت الاستشارة الإلكترونية ستُجيب عن أسئلة الإصلاح التربوي وتُفرز توجهاته العامة، أم ستُعرض مُخرجاتها على المختصين من أجل تدقيقها وأجرأتها، أم ستُفضي إلى ما يشبه القانون التوجيهي يُعرض على البرلمان … ولا نعلم كذلك من هي الجهة التي ستُباشر قيادة الإصلاح : هل هو المجلس الأعلى للتربية الذي يرَ النور بعدُ أم سيكتفي هذا الأخير بوضع التوجهات العامة وتتكفل هيئة أخرى بإعادة المياه إلى مجاريها الدائرية حول نفسها… ؟
من ناحية أخرى، من حقّنا أن نتساءل عن منهجية الإصلاح ومن أين سيبدأ وما هي روزنامة تنفيذه وكيف السبيل إلى تمويل استحقاقاته؟
أطرح هذا السؤال لأن المراهنة على إصلاح تربوي جوهري وشامل لكل المجالات من تكوين للفاعلين التربويين وتجويد للحياة المدرسية وتحيين للبرامج والكتب المدرسية والزمن المدرسي وحسم معضلة لغة تدريس العلوم ومكانة اللغات في برامجنا وإحكام الربط مع مختلف الوزارات والهيئات المعنية… هي في تقديري من قبيل إضاعة وقت ثمين وتشتيت للقوى وتشييد لأحلام ضخمة نحن غير قادرين على إنفاذها دفعة واحدة… وبالتالي يتحتّم التوجه بدلا من ذلك إلى إجراء إصلاحات موضعيّة عاجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه (الآن وليس غدا) وإرجاع قطار التربية إلى السكّة التي حاد عنها.
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.