أتمنّى أولا النجاح والتوفيق لكل المترشّحين الجدّيين والمُثابرين المُكابدين للباكالوريا هذه السنة، التوّاقين إلى إحراز أفضل المعدّلات وتحقيق أفضل النتائج التي ستُتيح لهم انتزاع المواقع الجامعية التي حلُموا بها والاختصاصات التي لا يتصوّرون أنفسهم متألّقين إلا في ثناياها،
<strong>منصف الخميري<strong>
كما أحيّي ثانيا آلاف التربويين والأمنيين المجنّدين لمراقبة الامتحانات وإصلاحها وتأمينها والسهر على سيرها في أفضل الظروف الممكنة، وبخاصة الأساتذة المصحّحين السّاعين إلى تحقيق أكبر قدر من الانصاف والموضوعية أمام أوراق امتحان لا يعرفون من هويّة أصحابها سوى منسوب الأمل العالي الذي زُرع فيها. وأعتقد أن التناول المجتمعي الواسع لمُجريات امتحانات الباكالوريا كحدث وطني بارز يمسّ الأغلبية الساحقة من العائلات التونسية، يعكس معطيَيْن على غاية من الأهمية في السياق التونسي اليوم :
دراسة الأبناء مازالت من حسن حظّ تونس تحتل موقعا مركزيا في اهتمامات العائلة التونسية وتُنفَق من أجلها الأموال الطائلة بل وتُباع من أجلها العقارات وتُرهن الأساور والأقراط، إيمانا عميقا منها بأن عقلية الكَفاف و”دبّر راسك تبات متعشّي” ولّى عهدها لكونها تشبه الكائنات البريّة أكثر…لفائدة منوال جديد يُجِلّ العلم والمعرفة لذاتهما ويطمح بواسطتهما إلى نيْل مُتع تندرج في سياق ما فوق الحسّي البسيط.
طموح التونسيين جميعهم إلى حسم المعركة الدائرة منذ سنوات بين مسلكين كبيرين يراودان فئات واسعة من شبابنا : مسلك المدرسة بمتطلباته وإكراهاته وحسن الاستعداد لخوضه، ومسلك المفسدة بإغراءاته ومخاطره ويُسر الإقبال عليه. ..حسم هذه المعركة الضّارية لفائدة ما يضمن سلامة أبنائنا وبناتنا وما يجعلهم في نفس مستوى شباب العالم المتقدّم … وأكثر.
ما يصدم لأول وهلة في الإحصاء العام للمترشحين لامتحان الباكالوريا (والذي لا يقول كل شيء للأسف بل يُخفي حقائق مرعبة أحيانا) هو :
أولا : عشرون ألف من المترشحين يفِدون من المعاهد الخاصة
وهو عدد غير قليل ( 15%) قابل للتضخّم خلال السنوات القادمة أمام الوهن الكبير الذي أصاب المدرسة العمومية وأعداد المستوفين حقّهم في الدراسة المتعاظمة والذين عجزت المنظومات الموازية عن استيعابهم وإعادة إدماجهم. إضافة إلى بروز مؤسسات خاصة تنشد “النموذجية” من خلال نوعية الكفاءات المنتدبة وظروف الدراسة وتستقطب عددا لا بأس به من العائلات المهاجرة الفارّة من نكد المدرسة العمومية وخيباتها.
ثانيا : ماضون رأسا نحو مدرسة دون رياضيات، العمود الفقري لمعارف المستقبل
6 % فقط (8673 تلميذا) من المترشحين ينتسبون إلى شعبة الرياضيات التي تمثّل في منظومتنا التربوية التونسية خزّان الموارد التلمذية التي تتغذّى منها مسالك التميّز في التعليم العالي، وخاصة الأقسام التحضيرية للدراسات الهندسية والاختصاصات العلمية وبعض مجالات التصرف في مؤسسات جامعية بعينها. وهو انكماش مذهل مقارنة بالانتفاخ غير السويّ في شعب أخرى لا يُفتح أمامها ما يكفي من الآفاق الواعدة، ومقارنة أيضا بالحال التي كانت عليها هذه الشعبة خلال سنوات خلت لمّا كانت نسبة التوجيه إلى شعبة الرياضيات لا تقلّ عن 20 %. لكن الأخطر من ذلك حسب تقديري هو ما تُخفيه هذه النسبة الوطنية الكئيبة أصلا من تفاوت كبير بين الجهات والمعاهد في نفس الجهة أحيانا، حيث لا تزيد في بعض ولاياتنا الداخلية عن 1 أو 2 % واندثار نهائي لشعبة الرياضيات في بعض المؤسسات التربوية.
ثالثا : تورّم سرطاني في شعبة الاقتصاد والتصرّف لا يُنبئُ بأي خير
35% من جملة المترشحين للباكالوريا هذه السنة (أكثر من 48 ألف تلميذ) يعشّشون في شعبة الاقتصاد الشبيهة إلى حدّ كبير بخاصيّة من خاصيات الشخصية التونسية القاعدية وهي “الأخذ من كل شيء بطرف” و “تسليك الأمور بدلا من تعهّدها ببسالة” و “شوي شوي من كل شيء” الخ… لأنها تتطلب عند الالتحاق بها في السنة الثانية ثانوي قدرا من الرياضيات يكون غير مخجل ونزرا قليلا من الانكليزية وحبّتين جغرافيا مع وجود استحالة في الالتحاق بأية واحدة من الشعب الأخرى الحازمة أكثر في انتداب منتسبيها (باستثناء شعبة الآداب).
المشكل في أن هذا التضخّم غير الطبيعي في شعبة “مرنة أو ليّنة شيئا ما في تقدير التلاميذ وأوليائهم” يكون عادة على حساب توازنات أساسية في علاقة ببقية مكوّنات خارطة المسالك والشعب في التعليم الثانوي، زد على ذلك أن جمهور الاقتصاد والتصرف عُرف في جزء كبير منه على الأقل بكونه غير مؤهّل من حيث تكوينه الأساسي لمعاندة المتفوّقين في شعب أخرى مثل الرياضيات والعلوم التجريبية خاصة عندما يتنافسون جميعهم على نفس العروض المفتوحة أمام كل الباكالوريات بنسب محدّدة سلفا… إضافة إلى كل ذلك، ثمة مفارقة أخرى تتمثل في أن التعليم العالي يسعى دائما (باعتباره المتصرف الوحيد والأوحد في توزيع الناجحين في الباكالوريا على ما يعرضه من مسالك تكوينية) إلى تعبئة اختصاصات التميّز المتصلة بالمحاسبة والمالية والتصرف والتسويق والتجارة والبنوك والتأمين والموارد البشرية وإدارة الأعمال … (أي كل تلك الاختصاصات المحسوبة أصلا على من درس شيئا من أصولها ومبادئها في شعبة الاقتصاد والتصرف في التعليم الثانوي) تعبئتها بشكل أساسي بناجحين قادمين من الرياضيات أو العلوم التجريبية رغم جهلهم تماما بأساسيات هذه الاختصاصات لكنهم يستقوون بتميّزهم في مادة الرياضيات والمجالات المرتبطة بها.
رابعا : شعبة علوم الإعلامية، فخامة التسمية يخذلها بؤس التعامل معها في التعليم العالي
7% (9282 تلميذ) من المترشحين لامتحان الباكالوريا ينتسبون إلى شعبة الإعلامية وهي نسبة متقاربة جدا مع شعب الرياضيات، وهنا أقول مباشرة إن دمج هاتين الشعبتين في مسلك واحد نُطلق عليه “شعبة رياضيات إعلامية” أو – وهو الاختيار الأسلم ربما – الإبقاء على شعبة علمية جامعة واحدة تمتد على ثلاث سنوات، وتُلوّن خلال السنة الأخيرة إما باختيار الإعلامية لمن ينوي متابعة دراسته الجامعية بمسالك الرقميات بصورة عامة (دون غلق الباب أمامه إن هو عدّل رأيه ورغب في التوجّه نحو اختصاصات أخرى غير مرتبطة عضويا بالإعلامية وتطبيقاتها) أو باختيار الرياضيات “العليا” لمن ينوي الالتحاق بالدراسات الهندسية والعلوم الصحيحة، أو اختيار البيولوجيا بالنسبة لمن يستهدف شعبا مثل الفلاحة والبيولوجيا والطب والاختصاصات شبه الطبية.
مشكلة مسلك الإعلامية (غير الموجود أصلا في أغلب المنظومات التربوية في العالم باعتباره مجالا مرتبطا أشد الارتباط بالرياضيات ومندمجا فيها) أنه لا يجد ترحيبا واسعا من قِبل التعليم العالي الذي يفضّل عليه الرياضيات، خاصة بعد تجارب السنوات الأولى في المراحل التحضيرية للدراسات الهندسية فينتج عن ذلك تحديد طاقة استيعاب بمقعد يتيم أو مقعدين في بعض الاختصاصات يتنافس عليها مئات المترشحين من حاملي باكالوريا إعلامية، فترتفع مجاميع النقاط بشكل تعجيزي وتُسدّ طرق الالتحاق بشعب هي الأقرب نظريا إلى حاملي هذه الباكالوريا.
وكأنه في وعي التعليم العالي غير المنطوق تنقسم الافاق المفتوحة في الجامعة في مجالات الإعلامية وما جاورها إلى آفاق “صلبة” أي الاختصاصات المرموقة المفتوحة بعد المناظرة الوطنية للدخول إلى مدارس الهندسة والتي لا يقدر عليها سوى المتميزين القادمين من شعبة الرياضيات، مقابل صنف ثان من اختصاصات “الدرجة الثانية” الشبيهة باختصاصات مؤهل التقني السامي في التكوين المهني مثل تكنولوجيات الإعلامية في المعاهد العليا للدراسات التكنولوجية والإعلامية الصناعية الخ… المصمّمة لاستيعاب حاملي باكالوريا إعلامية.
أخيرا
الحل في اعتقادي لا يكمن في التعسّف على النسب وتوزيع التلاميذ على الشعب المدرسية المعروضة بشكل مغشوش يحقق نوعا من التوازن الزائف بين مختلف الشعب المدرسية، بل يتمثل في مراجعة جوهرية للتعلّمات في كل المستويات ووضع خطة وطنية تنهض بمستوى المكتسبات الأساسية خاصة في التعليم الأساسي، وكذلك إقدار المعلّمين والأساتذة على التعامل بشكل مختلف مع هذه المواد عبر مناهج جديدة ومقاربات مجدّدة.
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
تعليق واحد