تابعنا على

جور نار

قل أعوذ بربّ الناس… من شرّ الوسواس !

نشرت

في

Ouvrir la photo

الانحراف الخطير الذي أخذته الحرب المشتعلة بين أصحاب الأرض في غزّة والكيان المحتلّ جعلني أسأل نفسي ما الحكاية، ما الذي وقع؟

محمد الأطرش
<strong>محمد الأطرش<strong>

فاليوم يُباد سكان قطاع غزّة من الرضيع إلى الشيخ دون شفقة ولا رحمة، وكل العالم يشاهد ولا يحرّك ساكنا لإيقاف المذبحة وإيقاف المأساة…فالمعركة انقلبت من ردّ على هجوم تجاوز الخطوط الحمراء من الحركة الغزّاوية، إلى إعلان حرب إبادة شاملة على الأرض ومن عليها وعلى البناء ومن بداخله وانقلبت إلى إعلان شبه علني للبدء في تغيير خارطة الشرق الأوسط والتنصّل من كل الاتفاقيات السابقة بين دولة فلسطين ودولة الكيان…

تعالوا لنتحدث بعقل ومنطق، ما هي الضمانات التي أعطيت للحركة الغزّاوية قبل أن تجتاز حدود القطاع وتعلنها حربا على الكيان بطريقة لم تخطر على بال أحد لم نعرفها ولم تغامر بها جيوش العرب سابقا أبدا، فما بالك بأن تفعلها حركة لا تمتلك من الأسلحة غير بعض الرشاشات والصواريخ محلية الصنع؟؟ هل نسيت او تناست الحركة الغزّاوية أنها ستكون في مواجهة جيش مدجّج بكل وأخطر أنواع الأسلحة، وأنها قد تجد نفسها وحيدة في مواجهة الموت؟ هل كانت على بيّنة من الخطر الذي يحدق باهلها سكان غزّة وأطفالها ونسائها وبناتها ورجالها وشيوخها ومرضاها وحتى كلابها وقططها لو أعلن الكيان حرب إبادة شاملة عليها؟ هل كانت على بيّنة من أنه لا يمكن أن تعوّل على العرب ولا جيوش العرب في معركتها هذه…؟  

تعودنا سابقا ببعض المناوشات وإطلاق لصواريخ هنا وهناك في اتجاه بعض المستوطنات، لكن لم ننتظر أبدا حربا شبه شاملة وتجاوزا لكل الخطوط الحمراء من رجال الحركة الغزّاوية؟ فمن أوعز لهذه الأخيرة التحرّك بذلك الشكل الواسع والخطير وهي التي تعلم حجمها العسكري وحجم جيش الكيان المغتصب جيّدا، هل ضمنت حماية أهلها إن تحركت نحوهم آلة القتل التي يمتلكها الكيان، هل ثمة من أوعز لها بأن “افعلي وسنكون معك”، أم هل ثمة من أوقعها في فخّ أخر أكبر حجما من مجرّد مناوشات بين صاحب أرض ومحتلّ أو مجرّد إطلاق لبعض الصواريخ على مستوطنة لا تبعد أكثر من عشرين كيلومترا عن وسط غزّة؟

هل من العقل والمنطق أن تعرّض الحركة الغزّاوية أهلها وأطفالها وكبارها وشيوخها ونسائها لكل هذه الإبادة وهذا التنكيل الذي لم نعرفه سابقا ابدا؟ هل وصل “الغباء” أو لنقل “السذاجة” والتهوّر بالحركة الغزّاوية للتورط في حرب غير متكافئة وهي تعلم خيانة دول المواجهة العربية ورغبة أغلب دول المنطقة في الارتماء بحضن تل أبيب في إطار اتفاقية “ابراهام” التي أدارت رقاب أغلب دول المنطقة؟ وهل “أعدّت للعدو” وهنا أقصد الكيان ما استطاعت له من قوّة؟ فإن فعلت فكيف تسمح بإبادة شعبها بتلك الصورة التي لم ير العالم أبشع وأفظع منها في تاريخ الحروب؟

شخصيا أصبحت وبعد ثلاثة أسابيع من الإبادة أرى وأقرأ أمورا أخرى قد تكون بالنسبة للبعض غير منطقية ولا يقبلها العقل وقد يكون من الجنون التفكير فيها، وقد يكون فيها من المنطق والواقعية الكثير… فكأني بالحركة الغزّاوية وقعت ضحية مكيدة من أحد أطراف النزاع الذي يعيشه العالم اليوم…فقد تكون المكيدة من الكيان عن طريق بعض عملائه في غزّة أو في الدول العربية لتوريط الحركة الغزاوية في صناعة مبررات الإبادة التي يعيشها سكان القطاع  منذ ثلاثة أسابيع…وهنا وجب أيضا ان نحكّم العقل فقد يكون كل ما روجت له “ماكينة” الإعلام التابعة للكيان ومن يدعمها من دول الغرب و”الماما” من مجازر وتنكيل بالمستوطنين من آليات صناعة مبررات ما يحدث اليوم وما سيحدث غدا في خارطة المنطقة عموما…

فكيف نفسّر سرعة إعلان تحويل الدعم غير المشروط للكيان حتى قبل معرفة ما وقع بالضبط…؟ ألم يكن هذا الدعم موجها بالكامل لأوكرانيا في حربها مع روسيا من كل دول أوروبا؟ ولمن نترك أوكرانيا يا ترى؟ وكيف نفسّر إعلان الماما الحرب “ضمنيا” إلى جانب مدللتها من خلال إعلان الرئيس بايدن إرسال حاملتي طائرات إلى سواحل الأراضي المحتلة وشرق المتوسط، وتوفير كل ما يحتاجه الكيان من ذخيرة وهذا أمر لم يقع منذ عقود من الزمن من أجل حماية الكيان، وكيف نفسّر سرعة قرار ضخّ مليارات من الدولارات في خزينة الكيان كتعبئة لموارد الحرب التي لم تعلن منذ حرب أكتوبر 73…وكأني بالأمر دُبّر بليل…وكأني بالماما على علم بما سيقع لمدللتها قبل أن يقع ولم تُعلمها لغاية في نفس “المستر بايدن”؟

أوصلني “الوسواس” رغم أني قرأت فجرا “قل اعوذ بربّ الناس من شرّ الوسواس…” إلى أمر أخطر أيضا…فالصمت الغريب لبعض الدول العربية في منطقة الشرق الأوسط يثير ظنوني أحيانا وشكوكي أحيانا أخرى…فأغلب هذه الدول لا تريد خيرا بالحركة الغزّاوية، وبعضها يريد إبعادها تماما عن المشهد الشرق أوسطي فالحركة أصبحت حجر عثرة امام عديد التوافقات مع الكيان أمام البعض …وهي خصم سياسي من رحم خصم سياسي لدى البعض الآخر…فحين يصل الجبن ببعض قيادات المنطقة إلى عدم الاعتراض عن ضرب الحركة الغزّاوية، والاكتفاء بالمطالبة بعدم تعرّض المدنيين إلى القصف وعدم المساس بالمرافق الحياتية الأساسية، فهذا يعني ان هؤلاء ومن يرفعون هذه المطالب لا يريدون خيرا بالحركة ولا يهمهم إن أبيدت على آخرها من قبل جيش الكيان…

لا أظنّ أن العرب مرّغت رؤوسهم وكرامتهم في التراب كما يقع معهم اليوم…ولا أظنّ أن العرب ضعُف عودهم كما هم عليه اليوم…ولا أظنّ ان العرب تشتّت شملهم كما تشتّت اليوم…ولا أظنّ ان العرب انطفأت شعلتهم كما انطفأت اليوم وهم يشاهدون إخوتهم ورضّع إخوتهم ونساء إخوتهم وشيوخ إخوتهم يُقتلون وينكّل بهم أمام العالم…فالعرب اليوم في الحضيض ووصلوا إلى القاع بسبب خذلانهم لإخوتهم واكتفائهم بالفرجة…والتزام الصمت…فالعرب اليوم يتجرعون الهزائم والفرقة والذل والاستعمار السياسي والاقتصادي بسبب عمالتهم وخيانتهم لبعضهم البعض ولأهمّ قضاياهم…ففلسطين أصبحت ملهاة لكل قيادات العرب يخرجون ملفها يوم يحتاجونه انتخابيا وسياسيا ويساومون به دول الغرب لغاية في نفس مصالحهم…

فما أتته الحركة الغزّاوية هو شرف لكل العرب حتى وإن كان غير مدروس أو بـ”إيعاز” من طرف آخر مستتر تقديره “هو” له مصلحة في ما يقع اليوم…ما اتته الحركة الغزّاوية يعتبر حقّا إنجازا تاريخيا مقارنة بتاريخ الدول العربية في مواجهتهم للكيان سابقا…وما أتته الحركة الغزّاوية يمكن أن نفاخر به جميعا رغم حجم الدمار والمأساة التي عاشها ويعيشها أهل غزّة، ورغم الألم والتنكيل والفقدان واليتم والقهر والتشريد الذي عانته وتعانيه غزّة وأهل غزّة …فلا أحد من جيوش العرب التي تكدّس السلاح منذ عقود خوفا من الكيان وشعبها يموت جوعا، أقول لا احد غامر بالدخول مترا واحدا داخل الأراضي المحتلّة من الكيان…فبعضهم لا يعرف من الردّ حين تقصف مطاراته غير جملة واحدة تذاع في وسائل الانباء الرسمية “نحتفظ بحقّ الردّ…” فكم من مرّة وإلى يومنا هذا احتفظت بعض دول المواجهة بحقّ الردّ وهي تُدَكُّ بصورايخ الكيان ليلا نهارا؟

والسؤال الذي وجب طرحه اليوم هل يمكن مقارنة جيوش نظامية مدججة بكل أنواع الأسلحة، مع مجموعات مسلحة بأسلحة فردية وبصواريخ من صنع محلي وقع تطويرها رغم الحصار والمراقبة المستمرة والغارات التي أصبحت خبزا يوميا لأهل غزّة؟…هذه المجموعات محاصرة منذ أكثر من عشرين سنة ونجحت في تخطّي حاجز الخوف من كيان غاصب وهاجمته في عقر داره لتقلب كل المفاهيم وتخلط كل الأوراق داخليا وخارجيا ولتصبح الرقم الصعب في فصائل تحرير الأرض من مغتصبها…فالحركة نجحت داخليا في كسب تعاطف كل الفصائل الفلسطينية ونجحت في افتكاك موقع متقدّم في المشهد السياسي والعسكري الفلسطيني… ونجحت خارجيا في فرض نفسها كرقم لا يمكن استثناؤه من كل حوار أو اتفاقية مستقبلا…

أغلب البلدان العربية التي هللت فعلا لما أتته الحركة الغزّاوية لا مصالح لها في ما يقع وتبعد آلاف الكيلومترات عن حدود فلسطين المحتلّة…ولا تبحث عن غير صالح الشعب الفلسطيني …أما من التزموا الصمت ولم يسعدوا ولم يرفعوا ساكنا ولم يصرخوا في وجه الكيان أن “أوقف الحرب وإلا…” ولم يستدعوا سفراء الكيان للمساءلة حفظا لماء الوجه…هم من لا يريدون خيرا بالحركة الغزّاوية ولا بقضية الشعب الفلسطيني…هم على حدود الأرض المحتلّة…ولهم من السلاح ما يشبع كل الشعوب العربية من جوع… لكن وللأسف، هم من ارتموا في حضن الكيان وهم سبب الهزائم والخذلان…هؤلاء ملوك ورؤساء العرب الذين بنوا أسوارا عالية بينهم وبين شعوبهم…وبين ما تريده شعوبهم فلا أحد منهم استمع إلى ما يطالب به شعبه…جميعهم نكّلوا بشعوبهم وأرغموها على الانصياع لمزاجهم وما يريدون…

هؤلاء يذكرونني بقصّة عجوز روسي سأله احد الصحفيين بعد خروجه من السجن: “لماذا اعتقلتك الحكومة ثلاث مرات؟” قال العجوز: “كنت شاباً حين انضممتُ إلى الحزب، وكنتُ أرافِق مفوض الحزب الشيوعي وهو يشرح تاريخ الحزب ومبادئه، وعند مرورنا أمام الكرملين قال لي المفوّض: (إن سور الكرملين عالٍ جدا؟) سألته: (لماذا هو عالٍ؟) فأجاب: (كي لا يقفز الحمير من فوقهِ)…قلت له: (من الخارج للداخل أم من الداخل للخارج؟) فاعتقلوني ولم يفرجوا عني حتى مات ستالين…وحين أفرجوا عني فَرِحتُ، ووضعتُ صورة خروتشوف بجانب صورة ستالين، فجاءني مفوض الحزب وسألني:(هل لا زلتَ تضع صورة هذا الحمار؟) سألته: (أيّ منهما؟) فأعادوني إلى السجن، ولم يفرجوا عني حتى مات خروتشوف…وفي المرة الأخيرة كنتُ أحتفل بعيد ميلاد أحد أحفادي، فاتصل بي مفوض الحزب وقال لي: (لماذا لم تأتِ إلى اجتماع الحزب الأخير؟) أجبته: (لو علمتُ أنه الأخير، لكنت جئت مع كل عائلتي واحتفلنا… فاعتقلوني للمرة الثالثة)”…

 هذا ما تعانيه بعض الشعوب العربية من حكامها…يُعتقلون في كل العهود وكأنهم ولدوا ليكونوا سكانا للسجون ووقودا للمعتقلات …فماذا تنتظرون من حكام يستبدون بشعوبهم ولا يستمعون إلى انتظاراتهم وما يريدون…هكذا هي شعوب دول المواجهة التي تفوق تكاليف تسلحها تكاليف كل غذاء العرب…كل العرب…

لهذا ولأكثر من هذا علينا ان نعلم حقيقة ما جرى ويجري…هل تصرّفت الحركة الغزّاوية بمفردها ودون التشاور مع أي طرف آخر؟ وإن كان ثمة أطراف أخرى في هذا الذي يجري فمن هي…أهي إيران…روسيا… بعض الدول العربية…العمّ سام…أم هو الكيان الذي دبّر كل شيء واوقعنا في هذه المأساة لغاية في نفسه ونفس الماما…أم هو الكيان الذي جنى ثمار ما أقدمت عليه الحركة الغزّاوية بإيعاز من أحدهم…فمن يكون الـ “أحدهم”…إن وُجد…؟؟ وأعود لأقول في كل الحالات ما أقدمت عليه الحركة الغزّاوية فخر سيسجله التاريخ في الوقت الذي نسمع فيه شخير بعض حكام العرب على بعد آلاف الكيلومترات…من بلادنا…وعلى بعد أمتار من حدود الأراضي المحتلّة…

والسؤال الأهمّ من كل ما وقع من همّ وغمّ…لماذا يصرّون على تزوير حاضرنا…ألم يكفهم تزوير كل تاريخنا…؟؟ فصبرا يا أهل غزّة…وإلى بعض حكام العرب…ألا تبّت اياديكم…وانفجرت دمعا مآقيكم…

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار