أسأل نفسي هذه الأيام بعد ثلاث سنوات من “الهزّان والنفضان” السياسي للقائمين على شؤون البلاد ولا أستثني أحدا…أقول أسأل نفسي هل حقّا رئيس البلاد يحب هذا الشعب؟ هل يمكن اعتبار ما يفعله بنا وبالبلاد حبّا ورغبة في خدمة البلاد والعباد؟ فما يفعله الرئيس وأعي ما أقول منذ جلوسه على كرسي قرطاج لا يمتّ بصلة لأي نوع من الحبّ لهذا الشعب الموجوع…فالرجل لم يظهر إلى يومنا هذا ذرّة واحدة من حبّه لشعب كان ينتظر منه الخلاص والخروج من الورطة التي غرقت فيها البلاد فأغرقنا معه في ورطة أشدّ وأخطر لا يمكن الخروج منها ببساطة…
<strong>محمد الأطرش<strong>
بعد ثلاث سنوات من حكم مولانا حاكم قرطاج وساكنها، وبعد سنة ونصف من الجلوس على عرشها ملكا لا أحد يشاركه الحكم بدأ نصف سكان البلاد في البحث عن مضادات للاكتئاب…فهذا الشعب أصبح يتنفسحقدا… الحقد اصبحدستورنا وشريعتنا…كيف لا ورئيسنا لم يخطب يوما دون أن “يشتم” بعضنا ودون أن “يتهم” بعضنا الآخر…ودون أن يقول ما لم يقله مالك ورفاقه في بعض الخمور المعتّقة…
رئيسنا لم يبتسم يوما في وجه الشعب…فكيف تريدون من الشعب أن يسعد بكلمته ويهنأ بها ويتمنى أن تطول…كيف لا تريدونه أن يغيّر القناة حين يخطب الرئيس صارخا مهددا مولولا متوعدا…كيف تريدون منه أن يحبه وهو لا يبادله هذا الحبّ…وهنا أتحدى الجميع أن تأتوا لي بخطاب واحد لا وعيد فيه ولا تهديد وأن تأتوا لي بخطاب من جملة ثلاثة خطب لا يحتوي كلمة “احتكار”…فيا رئيس البلاد هل حقّا جئت لتوحدّنا وتصلح حالنا وتصلح ذات بيننا…أم جئت لتشتّت شملنا وتعيدنا إلى عهد العشائر والقبائل والعروش وغزوات النهب والسلب والغنائم والسبايا…
الرئيس الذي يريد خدمة شعبه لا يتّهم بعضه بما ليس فيه، وحتى وإن كان في بعضه بعض ما قيل فيه… القضاء هو الذي يتهم، وهو الذي يفصل فيه بما فيه وما ليس فيه…الرئيس الذي يريد حقّا خدمة شعبه لا يفرّق بين بعضه وبعض بعضه، حتى وإن امتلأ صدره حقدا على بعض بعضه…الرئيس الذي يريد حقّا خدمة شعبه لا فرق عنده بين من هم معه ومن هم ضدّه… ومن هم ضدّ من هم معه…ومن هم معه ضدّ من هم ضدّه…الرئيس الذي يريد خدمة شعبه يبحث عن وبكل الطرق كيف يُصلح بين مكوّنات هذا الشعب…كيف يجمع بينهم …كيف يوحّد أهدافهم لتكون في صالح الوطن… كيف يوحّد وجهتهم… نحو مستقبل أفضل لهذا الوطن ولأبناء هذا الوطن…
فالرئيس الذي ليس له في برنامجه من مفردات غير معاقبة…ومحاسبة… والملاحقة أرضا، وجوا وبحرا، وتحت الأرض وفوق فوق الأرض…وتحجير السفر…والوضع في الإقامة الجبرية…والإعفاء والطرد لكل من حكموا قبله … لن ينجح في إصلاح حال البلاد والعباد، ولن يجدّ الوقت للتفكير في ما يصلح بالبلاد…الرئيس الذي يأتي لهدف واحد محاكمة التاريخ لن ينجح في صناعة حاضره، فمن يحاكم ماضيه يفشل في مسايرة حاضره وسيحاكمه مستقبله…فهل فكّرت يا رئيس البلاد كيف تصلح حاضر البلاد والعباد دون أن تسيء لتاريخها ورجالات تاريخها؟ لا … لم تفكّر في ذلك لأن من هم حولك هم أيضا يريدون الثأر والانتقام من الماضي لأنهم لم يكونوا فيه ولم يكونوا من صانعيه…
أسألك يا رئيس البلاد هل فكّرت يوما واحدا في مصالحة شاملة بين مكونات الحاضر، وبين الحاضر والماضي كما فعل مانديلا؟ لا لم تفعل…أتستصغر ما فعله مانديلا يا رئيس البلاد؟ ألم يفعل مانديلا الزعيم ما يصلح بالبلاد والعباد؟ ألا تريد أن يكتب في كتب التاريخ الزعيم قيس سعيد؟ أيضيرك في شيء أن يحبك الشعب كل الشعب إن أحببته طبعا؟ هل انتقم مانديلا يوما ممن نكّلوا بشعبه ونكّلوا به؟ لا…هل ثأر لنفسه؟ لا … مانديلا يا رئيس البلاد احتضن من اساء إليه…وأجلسه إلى جانبه في خدمة البلاد وإصلاح حال العباد…فهل فكّرت انت في المصالحة بين الحاضر والماضي …وبين بعض الحاضر وبعض الماضي…وبين بعض الحاضر وبعضه الآخر…هل تدار شؤون البلاد بالأحقاد…يا رئيس البلاد؟
عمّاذا بحثت وتبحث منذ وصولك قرطاج؟ لا شيء…بحثت فقط كيف تخلّص البلاد ممن حكموها قبلك ومن كانوا شركاء لك في الحكم؟ فكرت كيف تواصل الجلوس على كرسي بورقيبة لعهدة أخرى؟ فهل بالأحقاد ستنجح في ذلك؟ فكّرت فقط كيف تمسح تاريخ كل من بنوا البلاد وحكموها قبلك من ذاكرة الشعب لتبقى أنت في ذاكرته الزعيم الاوحد الذي قسّم البلاد وشتّت العباد ولم يحافظ على إرث الآباء والأجداد؟ كيف تعاقب من نجح قبلك؟ كيف تريد أن تُنسي الشعب من كتبوا تاريخ البلاد قبلك؟ كيف تشكّك في من حكموا البلاد قبلك؟ كيف تطعن في كل ما أنجزوه قبلك، فماذا أنجزت أنت حتى تطعن في ما أنجزوه قبلك؟ أتقبل أنت أن يفعلوا معك هذا بعد خروجك من الحكم؟
سيّدي الرئيس، أنت لم تنجز شيئا واحدا يحسب لك، بل أنجزت فقط ما يحسب عليك… فهل بهذا سيصلح حال البلاد؟ خرجت علينا بشعار لم نر منه شيئا…فنحن لا نريد ما تريد…ومن قال لك أننا نريد ما أنت تريد؟ فنحن لا نريد أبدا ما أنت قلت إن الشعب يريد…يا رئيس البلاد، هذا الشعب ملّ الثأر…وملّ الانتقام…ومل العراك والخصام…هذا الشعب يريد أن يسعد بحياته… يريد أن يسعد بأبنائه…يريد أن يسعد غدا بأحفاده…فهل فعلت شيئا واحدا من أجل كل هذا؟ لا …لا شيء فعلت…بل فشلت في كل ما فعلت…أسأل …لم لا تستمع لمن يقولون لك أخطأت…لم لا تستمع لمن يريدون بك وبالبلاد خيرا…لم لا تستمع لمن لملم شجاعته وجاهر بمعارضتك…وجاهر بفشلك…أتدري أن من يجاهرك المعارضة والنقد اليوم يحبّك أكثر ممن يقولون لك أحسنت…هم يبتسمون لك…ويصفقون…ويزغردون كالنسوة فقط لأنهم ينتظرون نصيبهم ولو بعض الفتات من غنائم حكمك…والغنائم قد تكون جاها …وقد تكون سلطة…وقد تكون قربا منك فقط…وقد تكون كرسيا في أعلى كراسي مجلس النواب…وقد تكون مجرّد تفاخر بالصداقة معك…
سيدي الرئيس، من يجاهرك النقد لا يريد منك شيئا غير إصلاح حال البلاد والعباد…أتدري يا صاحب النفوذ والمراسيم وكاتب الدستور أنك لن تُسكت المعارضة بحقدك عليها…بل بما تنجزه لهذا الشعب…بحبك الحقيقي لهذا الشعب…كل الشعب وليس ذلك الذي تقول انه “يريد ما تريد”…وحبّك لهذا الشعب لا يعني انتقامك له ممن يكرهه…الشعب أنا، وأنت…والبقية…أنا الذي أعارضك لأني أتمنى أن تكون غير ما أظهرت وغير ما أبديت…والشعب أنت…وكل من يعارضك …وكل من يخدعك طمعا في غنائمك…الشعب هو أيضا ذلك الذي يعارضك ليسقطك يوم تفشل ولا تنجز وعدا مما وعدت…وذلك الذي يعارضك ليصلحك…وذلك الذي يعارضك لأنك فشلت ولم تنجز شيئا لأنه يريد أن يأخذ مكانك ليخدم البلاد والعباد أحسن مما فعلت وأتيت… وهو حقّ لا أحد يمنعه عنه ومنه …وأنت فشلت…نعم فشلت في كل ما أتيت وما لم تأت…
أخيرا سيدي الرئيس نسيت أن أواسيك بهروب بعض المئات من الآلاف من أتباعك وأنصارك ومسانديك…فأنت من وفّر للشعب فرصة اختبار شرعيتك ومشروعيتك…فمن يخدعك اليوم بأن هذه النسبة من الإقبال لا تعني شيئا ولا تمس من شعبيتك بشيء لا يريد لك وبك خيرا…فهذه النسبة مخجلة لا تليق بما نريده لك وما نتمناه…فمن خرجوا لم يخرجوا جميعهم من أجلك…فأكثر من نصفهم خرجوا حفاظا على صلة الرحم بمن صوتوا لهم…خرجوا من أجل أبناء وبنات عمومتهم…فكل مترشح وأغلبهم لا صلة لهم بحراكك ولا بفلسفتك السياسية استنجد بعرشه…في الدور الأول…وسيفعل ذلك في الدور الثاني لكن بكل مكونات قبيلته…وأغلبهم لم يذهبوا إلى مكاتب الاقتراع وهم يضعون قيس سعيد نصب أعينهم …هم حرّكتهم النخوة الدموية وصلة الرحم والقرابة …فذهبوا لمؤازرة ابنهم أو ابنتهم ليفاخروا به أو بها أمام بقية القبائل…فلا تستمع لمن يقول لك أن كل من خرجوا لمكاتب الاقتراع خرجوا “يولولون” باسمك…
وهْم 25 جويلية انتهى كما انتهى قبله وهم 17 ديسمبر وكذبة 14 جانفي، فأنت من أختار أن تكون نهاية 25 جويلية على يدّ 17 ديسمبر، فلا يخدعنك هتاف البعض وصراخهم ودعواتهم لك بطول العمر والبقاء على كرسي قرطاج… إنهم يخدعونك وسيواصلون…لأنك الوحيد الذي مكّنهم من فرصة الاقتراب من سدّة الحكم والسلطة…إذن، فنسبة من خرجوا رافعين شعاراتك ومتأبطين منهجك هم نسبة بسيطة ممن خرجوا يوم السابع عشر من شهر قانون المالية…فلا تستمع إليهم…لا تستمع إليهم…إنهم يوقعون بينك وبين الشعب…ويوم ينجحون في إبعادك عن قرطاج سيقولون لك…جربناك ففشلت…وسيضحكون…أنت لا تعرفهم سيدي الرئيس….نحن…نعم نحن بعض الشعب نعرفهم…واكتوينا بنار حقدهم…
فانزع عنك أحقادك…واحتضن شعبك …فالحقد وقود الأزمات…والشعب الذي تقول دائما أنه يريد قال لك يوم 17 ديسمبر انه لا يريد…فأنت سيدي اليوم…الرئيس الذي لا يحبه شعبه…ولا يريد…
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…
عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟
في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…
مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…
تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…
اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…
إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…
قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…
الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟
موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…
قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …
كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.
تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.
سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.
الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.
هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟
أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…
ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟
يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.