تابعنا على

جلـ ... منار

كل الحياة عطاء … كل الحياة امتنان

نشرت

في

أعزائي القراء:

يحكى أن روحانيا مختصا في علاج الأرواح المضطربة Spiritual healer

كان يعيش على قمة جبل صخري، وفي يوم من الأيام احتج مرضاه: لماذا لاتعيش عند السفح، فتوفر علينا مشقة تسلق تلك الصخور؟

رد الروحاني:من ليس جاهزا ليتسلق الصخور ليس جاهزا لأن يشفى من جروحه الروحانية!

وفاء سلطان
<strong>وفاء سلطان<strong>

كذلك يحتج بعض قرائي على أن بعض البوستات طويل جدا، ويصعب عليهم قراءته.وأن بدوري أقول: من ليس جاهزا ليقرأ بوستا طويلا ليس جاهزا أن يتعلم منه!

مع بداية عام جديد سأستأنف نشر فصول جديدة من كتابي “دليلك إلى حياة مقدسة”،وعليه أعيد نشر آخر فصل كنت قد نشرته، لأذكركم بأنني انتهيت عند الحديث عن معنى العطاء وأهميته، وساستمر في الموضوع نفسه لعدة فصول لاحقة!شكرا من القلب لمتابعتكم

** ** ** **

إذا سألتني: كيف سأحلّق في عالم من الخير والوفرة؟

سأردّ بلا تردد، وبكثير من الثقة: على جناحي الإمتنان والعطاء!

يجب أن تكون ممتنّا لما بين يديك من خير، حتى ولو كان باقة بصل في ثلاجتك، وكلما امتننت كلما ازددتَ خيرا وازددتَ رغبة في العطاء…

حادثتان أذكرهما كما لو أنهما حدثتا البارحة، أذكرهما كلما واجهني موقف عليّ أن أمتن من خلاله، أو أن أعطي.

في بداية حياتي الأمريكية دعتني صديقة ايرانية إلى حفلة عيد الشكر التيي تتصدّرها عادة الديك الرومي.بعد الغداء، وددت أن أجامل زوج صديقتي عندما أعلن أنه مَن طبخ الديك، وأشكره من خلال بضع كلمات:(لقد سبق وتناولت الديك الرومي مرات لا تحصى، ولكن لم أذق طعما أطيب من هذا الديك. ماهي الطريقة التي تطبخه بها؟)

رد بعنجهية: سألني قبلك الكثيرون ورفضت أن أعطي طريقتي لأحد!

ظننته يمزح، فعاودت السؤال.أصر على موقفه: لا أعطيها لأحد!

بعد أكثر من خمس وعشرين عاما، ومنذ فترة ليست طويلة كنت في مجمع عزّاء،أعزي صديقة لي بوفاة والدها، وإذ بي وجها لوجه مع سعيد! لم أعرفه في البداية، إذ لم يبق منه إلا الخبث الذي يشع من عينيه.حاربته السنين حتى أنهكته وسلبته محاسن نفسه، قبل أن ينهكه التقدم في العمر… خسر زوجته وأولاده بعد الطلاق، وانتهى وحيدا يعد الملايين في حسابه البنكي، بينما يحترق قهرا من شدة الطمع والبخل!

هل تستطيع أن تتخيل مخلوقا يضِنّ عليك بطريقة تحضيره لوجبة طعام،بينما تغص بها الآلاف من كتب الطبخ في أمريكا؟ لم يكن طلبي إلا نوعا من الإمتنان والشكر، وكان أقل ما يعنيني أن أعرفها…

………

عام 2007 وقعت الحادثة الثانية.

كانت يومها أسعار البيوت في أمريكا قد تضاعفت ثلاث مرات في غضون سنوات قليلة… اشترت زميلة لي بيتا بسعر خيالي، ودعتنا إلى حفل الانتقال إليه… الحديقة الخلفية كبيرة جدا، وجزء كبير منها يغص بنباتات “قرن الغزال”.

عشرات القرون تشرئبّ بلونيها الجميلين الأخضر الغامق والفاتح… لقد رأيت أشكالا كثيرة لهذه النبة لكنني لم أر أجمل من هذا الشكل… تستطيع أن تدرك من خلال نظرة بسيطة أن الحديقة كانت مهملة، ولم يتم تشذيبها بطريقة دورية، ولذلك نمت القرون بشكل اعتباطي وكثيف.

في نهاية الزيارة التفتّ إلى زميلتي وطلبت بأدب أن آخذ قرنا منها لأُكاثره.ردت هي الأخرى بطريقة عنجهية: ليس الوقت مناسبا لقلع أي منها، سأعطيك واحدا في الخريف!!

مرّ أكثر من عشرة خريفا ولم أرها….لكن في الخريف الذي تلا لقائنا هذا، سقط سوق البناء في أمريكا وضرب القاع،فهبط سعر البيت إلى أقل من ثلث قيمته… خسرت ليلى بيتها، فاستولى عليه البنك وطارت معه القرون!!!

القضية هنا ليست قضية بخل وحسب، إنها قضية لؤم وخبث…إنها قضية أرواح خبيثة وشحيحة، تريد أن تحتكر الكون لها،فراحت تنشد المزيد ولا تعطي…

………

تحضرني هنا قصيدة “التينة الحمقاء” للشاعر إيليا أبو ماضي، التي وصف فيها شجرة تين توقفت عن الاخضرار والإثمار، كي لا يستمتع أحد بجمالها وثمارها، فقال على لسان الشجرة:

“بئس القضاء الذي في الأرض أوجدني….عندي الجمال وغيري عنده النظر

لأحبسنّ على نفسي عوارفها….فلا يبين لها في غيرها أثر

ولست مثمرة إلا على ثقة….إذ ليس يطرقني طير ولا بشر”

ولأنها يبست من شدة اللؤم، انهال الفلاح عليها بفأسه، وحوّلها إلى حزم من الحطب.

ثم يختم شاعرنا المبدع قصيدته ببيت القصيد:

“من ليس يسخو كما تسخو الحياة به……فإنه أحمق بالحرص ينتحر”

لقد انتحر سعيد انسانيّا، وانتحرت معه ليلى!!!

كلما حرصتَ على ماتملك شحّ وتلاشى، وشحّت معه روحك.بينما كلما قبلتَ أن تكون معبرا له، ومن ثم مصبّا كلما ازداد نبعك غزارة ودفقا! عندما يفتح الكون يده عليك أن تفتح يدك، وإلاّ سيشحّ ضخه، وكلما ازدادت يدك رحابة ازداد هو دفقا!

………

كما تعلمت من أخطاء غيري، تعلمت أيضا من أخطائي، إذ لم أكن منزّهة عنها.

كان لنا صديق سوري “بخيل” جدا جدا، وكنا نحن أصدقاؤه نروي طرائف عن بخله، ونجعله موضوع ثرثراتنا في أكثر اللقاءات…

عندما اشتريت بيتي الأول عام 1999، دعيت شلة من أصدقائي إلى حفلة الانتقال إليه … كالعادة في امريكا.جاؤوا محملين بالهدايا….دخل سليم وفي يده قِدر صغير بحجم فنجان الشاي، وفيه شجيرة صغيرة،طولها عدة سنتميترات.ناولني اياها وهو يقول: أعرفك تحبين النباتات، فاخترتها لك كهدية!

كانت حديقة البيت مهندسة بطريقة فنية للغاية، إذا كان البيت نموذجا مصمما ليكون دعاية لشركة البناء، ومما يطلقون عليهThe model لم يكن في الحديقة شبر من الفراغ كي أزرع فيه الشجيرة،

فرُحت استهزئ أمام الأصدقاء وأتمسخر معهم على هدية سليم، حتى نسيت مع الأيام ما فعلته بها.

بعد حوالي عامين حشرتُ نفسي داخل حرج من أحراج الحديقة، ورحت أقلّم بعض الأغصان، وأتخلص من كثافتها التي حجبت الكثير من الأزهار والورود. وإذ بي ألمح بين تلك الأحراج شجيرة صغيرة طولها أكثر من قدم، تبدو أوراقها جميلة جدا تلمع تحت أشعة الشمس، وكأنها مدهونة بالزيت.

أمعنت النظر فيها حتى تأكدت أنها شجيرة سليم…

بعد حوالي خمسة عشر عاما، اشرأبت تلك الشجرة حتى تجاوزت سقف الطابق الثاني، وغطت بغصونها الجميلة وظلالها الوافرة الحديقة الخلفية بكاملها.

عندما عرضنا البيت للبيع، دخل المشتري الجديد على الحديقة ووقف مذهولا أمام تلك الشجرة، ثم قال:هنا سأقضي معظم أيامي بعد أن أتقاعد. ستكون هذه الشجرة صديقتي!

بالمناسبة، بعنا البيت بمبلغ ثلاثين ألف دولارا زيادة عن السعر المطلوب، لأن الشاري تنافس مع ثلاثة عروض اخرى…وربّما كانت شجرة سليم “حبة البركة” التي كسبناها فوق الكعكة…

اليوم وكلما تذكرت سليم، أرسل له بطاقات حب وتيارات من طاقات ايجابية، وأتمنى له طول العمر وسعادته…..ثم أغطي وجهي خجلا منه ومن نفسي!!!

لقد تعلمت من تجربتي معه أن زيارة أي انسان هي أعظم هدية يقدمها لي،وخطوته داخل عتبتي هي جلّ ما يسعدني.

باختصار، كل إنسان يزورني يباركني…لا لأنني مكتفية ماديا، بل لأنني مشبعة روحانيا ومنتشية إنسانيا.وتعلمت أيضا أن أمتنّ لباقة بصل في ثلاجتي، فأنحني إجلالا وتقديرا لجهود الفلاح الذي زرعها وقطفها!

بناء على ذلك، غصّت ثلاجتي وعبقت حياتي بكل طيوبها….

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

للحياة أوّلا

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان:

كنت أراقب مرّة فيلما وثائقيا عن حياة الإرهابي أبو مصعب الزرقاوي.

الفيلم صوّر البيت الذي ولد وتربى فيه،

وجاء في التقرير المرافق:

شرفة البيت كانت تطلّ على مقبرة!

ويتابع: ماذا تتوقعون من طفل قضى طفولته كلها لا يرى من شرفته إلا القبور!

***

يبدو أنه محكوم على السوريين أن يعيشوا داخل مقبرة

القاتل والمقتول فقد سلامه، ولا يمكن لأحد منهم أن يكون سعيدا، فالسعادة لا تنبع من روح مضطربة،

والقتل والإنتقام هما عوامل الإضطراب

كنت في الصف الثامن عندما راحت معلمة العربي تتغزل بقول الشاعر محمود درويش:

للطلقة في صدر فاشستي سأغني

فانتصبت وقلت برباطة جأش:

قد اضطرّ أن أقتل فاشستيا، لكنني لن أغنّي للطلقة في صدره، فستموت الأغنية في قلبي في اللحظة التي أقتله !

لم نعد نسمع أغنية سوريّة، فلقد اختنق الصوت في صدر الجميع قاتلا ومقتولا.

لا أذكر من قال:

The world is beautiful outside when there is stability inside

(العالم الخارجي سيكون جميلا عندما يكون عالمك الداخلي مستقرأ)

لكنني أذكر أن شاعرة الحب الإنكليزية Percy Best Shelley هي من قالت:

Nor peace within nor calm around

(مالم يوجد سلام في داخلك لا يمكن أن توجد سكينة حولك)

الواقع المعيش في أي بلد على سطح الأرض هو انعكاس لطبيعة الروح “الجمعيّة” لذلك البلد!

فما بالك عندما تكون تلك الروح وليدة لثقافة: نعشق الموت كما يعشق عدونا الحياة؟

***

منذ أنا وعيت تلك الحقائق وأنا أغني للحياة..

وللسلام…

وأذرف في الوقت نفسه دمعة على القاتل

قبل المقتول

أكمل القراءة

جلـ ... منار

أنا لم أتغير !

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د. أحمد خالد توفيق

هناك ناقدة أمريكية كانت تحب فيلم “ذهب مع الريح” وشاهدته عشرات المرات، فجأة شاهدته عندما تقدمت في العمر.. أثار دهشتها أنها لم تنفعل وبدا لها سخيفًا مفتعلاً، وكتبت تقول: الفيلم تغير .. لم يعد نفس الفيلم الذي كنت أشاهده قديمًا!

هذا هو السؤال الأبدي الذي يطاردك عندما تكون في سني: هل الحياة قد ساءت حقًا أم إنني لم أعد كما كنت؟

في صباي كنت أسمع أبي لا يكف عن استعادة ذكريات صباه.. كانت الدجاجة بحجم الخروف، والخروف بحجم ديناصور، وكانت للأزهار رائحة حقيقية.. زهرة واحدة كانت تغمر بالشذى حيًا كاملا من أحياء دمنهور – حيث ولد- دعك من الفراولة والتفاح.. كان يمكنك أن تعرف أن هناك من ابتاع نصف كيلو تفاح أو فراولة في دمنهور كلها؛ لأن الرائحة تتسرب لكل شيء.. كانت الأغاني أعذب والفتيات أجمل والأفلام أمتع والبشر أنقى..

كنت أستمع – أو أسمع- لهذا الكلام في تأدب، وإن كنت أنقل قدمي مائة مرة في ملل أخفيه… وقد بدا لي خيطًا لا ينتهي من كلام الشيوخ المعتاد: هي الفراخ بتاعتكم دي فراخ؟..

دي عصافير.. كنا بنشتري عربية وفيلا ودستة بيض بنص ريال…. إلخ

حدثني أبي عن أفلام عصره وعن إيرول فلين المذهل وجيمس كاغني العبقري و… و… على الأقل صار بوسعي اليوم أن أرى هذه الأفلام كدليل لا يُدحَض، فلا أرى فيها أي شيء خارق.. التخشب الهوليودي المعتاد والكثير من الافتعال..

نقّبت عن نقاء الناس في ذلك العصر، فقرأت عن ريا وسكينة النقيتين، والبواب النقي الذي اغتصب طفلة في الثالثة من عمرها عام 1933، والفنانة النقية التي ضبطت زوجها النقي مع الخادمة النقية في المطبخ ليلة الدخلة!

وماذا عن الفنان النقي: فلان.. الذي اقتحم مكتب الناقد الذي لم يرُقْ له فيلمه الأخير شاهرًا مسدسه؟ كان هناك حي دعارة شهير جدًا في طنطا اسمه: الخبيزة.. واليوم صار سوقًا شعبيًا محترمًا.. فأين هذا النقاء إذن؟

لكن أبي – رحمه الله- عاش ومات وهو مؤمن بأن الحياة قد صارت سيئة، كأنها صورة صنعت منها نسخة تلو نسخة تلو نسخة حتى بهتت ولم تعد لها قيمة..

اليوم أنظر أنا بدوري إلى الوراء فيبدو لي أن الحياة كانت أفضل في صباي بكثير… قلت لابني إن الأغاني في عصري كانت أعذب والفتيات أجمل والأفلام أمتع والبشر أنقى… أرغمته على مشاهدة بعض أفلام السبعينات على غرار الأب الروحي وقصة حب.. فشاهدها وقال لي بصراحة إنها زي الزفت… أغاني البيتلز والآبّا والبي جيز (خنيقة) جدًا في رأيه.. ولم يحب أية أغنية من أغاني وردة الجزائرية الحارقة في أوائل السبعينات مثل: حكايتي مع الزمان واسمعوني.. طبعًا لم أحاول أن أسمِعه أم كلثوم فأنا لست مجنونًا.. لن يفهمها ولو بعد مائة عام..

قلت له في غيظ إنه بعد عشرين سنة -أعطاه الله العمر- سوف يُسمع ابنه أغاني شاجي وإنريكي إغلسياس وفيرجي ويعرض عليه أفلام: الرجال إكس والفارس الأسود.. لكن الوغد الصغير سيؤكد له أنها زبالة، إلا أن ابني لم يصدق.. يعتقد أن الأخ شاجي خالد للأبد..

نعم كان لرمضان رائحة وحضور في الماضي.. كانت هناك رائحة مميزة للعيد.. تصور أن عيد الثورة كانت له رائحة؟ كان قدوم الربيع يعلن عن نفسه مع ألف هرمون وهرمون يتفتح في مسامك، فتواجه مشكلة لعينة في التركيز في دروسك والامتحانات على الأبواب، بينما الحياة ذاتها قد تحولت إلى فتاة رائعة الحسن تنتظرك..

أذكر يوم شم النسيم وأنا في الصف الثالث الإعدادي، أمشي في شوارع طنطا التي مازالت خالية في ساعة مبكرة، مزهواً بنفسي أوشك على أن أطير في الهواء، وأتمنى لو عببت الكون كله في رئتي.. بينما المحلات تذيع أغنية حفل الربيع التي غناها عبد الحليم حافظ أمس: قارئة الفنجان.. تصور أن الأغنية مازالت طازجة ساخنة خرجت من حنجرة الرجل منذ ساعات لا أكثر… للمرة الأولى أسمع: بحياتِكَ يا ولدي امرأة.. عيناها سُبحانَ المعبود..

أنا شاب.. لقد كبرت.. لن تتغير هذه الحقيقة.. الغد أفضل بمراحل.. الكون كله ينتظرني.. سوف أصير أمين عام الأمم المتحدة وأتزوج راكيل ويلش، وأفوز بجائزة نوبل في الأدب، وفي وقت فراغي سأمارس هوايتي في إجراء جراحات الجهاز العصبي.. هذا قد يضمن لي جائزة نوبل أخرى..

من يدري؟ قد أصير أول رائد فضاء عربي.. بالمرة، ولسوف أصير وسيماً أشقر الشعر أزرق العينين.. لا أدري كيف.. يجب أن تكون في الخامسة عشرة لتفهم..

نعم.. لم يعد شيء في العالم كما كان.. أبتاع الفراولة وألصق ثمارها بأنفي وأشم بعنف.. لا شيء.. لو حشرت ثمرة منها في رئتي فلن أجد لها رائحة… ماذا عن التفاح الذي لا تقتنع بأنه ليس من البلاستيك إلا عندما تقضم منه قطعة؟ عندها تحتاج لفترة أخرى كي تقتنع أنك لم تقضم قطعة من الباذنجان.. أين ذهب جمال الفتيات؟ ولماذا لم أعد أرى إلا المساحيق الكثيفة، حتى تشعر أن كل فتاة رسمت على وجهها وجهًا آخر يروق لها؟

أين ذهبت العواطف الحارقة القديمة عندما كنت تكتب عشرات القصائد من أجل ابتسامة حبيبتك؟ اليوم لو تزوجتها وأنجبت منها عشرين طفلاً فلن تجد في هذا ما يأتي بالإلهام!

الإجابة التي تروق للمسنّين هي: الحياة تغيرت ولم تعد هناك بركة… لكن الإجابة الأقرب للمنطق هي: الحياة لم تتغير.. أنت تغيرت !!

ربما صار شمّي أضعف.. ربما صار بصري أوهن.. ربما صار قلبي أغلظ.. ربما تدهورت هرموناتي.. ربما صرت كهلاً ضيق الخلق عاجزًا عن أن يجد الجمال في شيء.. ربما مازالت الفتيات جميلات، والفراولة عطرة الرائحة وأغاني هذا الجيل جميلة..

نعم هو المنطق ومن النضج أن أعترف بهذا.. لكن من قال لك إنني أريد أن أكون كذلك؟ أفضّل أن أظل شابًا على أن أكون ناضجًا، لهذا أقول لك بكل صراحة:

“الحياة صارت سيئة ولا تطاق فعلاً.. الله يكون في عونكم.. هيّ أيامكم دي أيام؟”

Motifs 4

أكمل القراءة

جلـ ... منار

لروحك السلام يا آخر العباقرة

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

غادة السمّان:

ماذا يقال في رحيلك وقد قلتَ كلّ شيء.

يخجل القلب من نعيك، ويضيق الحرف برثائك، تفيض المشاعر حزناً وصدمة إنّما لا يتّسع الفضاء الالكتروني لترجمتها.. تربّطت أصابعي عن النقر على لوحة الحروف واحترقت دموعي غزارة في المُقل.

غبت أيّها المتمرّد الأوّل يا من نفضت الغبار عن فكرنا لنستنير وبقينا جهالاً!

هذا المقال أوائل البدايات في الصحافة كتبته في 2018 وكان من أجمل ما كتبت لأجمل من عنه كتبت

تأثّرت بك وانتظرت عودتك لأعاصر شيئاً من فنّك الأسطوري.

كان مقالي حلماً جميلاً لكنّك رحلت دونما وداع كما أعزّ أحبّائي.

ثقُل كأس الموت يا تمّوز، حرقته لاذعة ترفض التروّي فمهلاً على المواجع

شخصٌ بمثابة الحلم تتمنّى إدراك حقيقته و سبر عمق أغواره، إلّا أنّك إن نلت شيئاً عنه تجد أنّك لا زلتَ على البرّ المربِك، الأكثر حيرةً.

لطالما تمنيّتُ أن أفهم من هو؟وكيف يُفكّر؟ ومن أين يأتِ لنا بكلّ تلك الحقائق الصادمة؟ السّاخرة والآخذة.

لِمَ هو بهذا التعقيد وتلك السلاسة في وقتٍ واحد؟!

كلّما صعُبَ عليك فهمه هان، و كلّما هانت كلماته استصعبت.

ذلك السّهلُ الممتنع ممتلئٌ بالشغف وكثير البرود، أستمعُ إلى حواراته القليلة جدّاً فأتمنّى أن أجد لتساؤلاتي أجوبة..

‎ زياد الرّحباني اعترافات مشاكسة عمّا يجول في خاطره، يفاجِئُكَ ببساطة مفرداته وصعوبة تقبّلها في آن، حين يقول ” أنا مائة ألف شخصيّة فايتين ببعض” ويذهلك بحقيقةٍ أمرّ.

‎مضيفاً “بعد 5 دقائق من ولادتك رح يقرّروا دينك، جنسيتك، مذهبك، طائفتك، ورح تقضّي عمرك عم تدافع بغباء عن إشيا ما اخترتا”!! حتّى أنّه علّق وانتقد تغيير التوقيت حيث قال ساخراً:

‎” كل سنة بتقدموا السّاعة وبترجعوا لورا 10 سنين”.

هل هو بهذه العبقريّة التي يبدو عليها أم نحن بتنا جهالاً، لكثرة ما خذلتنا المعرفة في هذا الوطن الكئيب.

لماذا لا نرى ما يراه و نفقه ما يقوله، ونفكّر ولو قليلاً بنهجٍ يماثله؟!!

ليس زياد الرّحباني ذلك الموهوب، المؤلّف المسرحيّ أو الكاتب والملّحن الموسيقيّ فقط.

بعيداً وباستحقاقٍ جدير بالاعتراف يرتقي إلى مكانة المفكّر العبقريّ، والناقد الأشدّ لذعاً بمختلف ميادين الحياة.

هو مَن لا تفوته فائتة في السياسة والأدب والفن والموسيقى والمجتمع ودائماً ما يُفصّلُ اعتراضات واتّهامات للجميع دون استثناء..

إنّه المشاكس الحذر، الصامت طويلاً ولكن إن حكى، أبكى التخلّف وأحبط مفاعيل الجهل، وصبَّ لينَ الزّيت على أفواه النار.

من هنا فإنّ المسرح اللّبناني في غياب زياد ناقصٌ وعند مستوى خطِّ الفقر!!

إلّا أنّه يغيب فجأةً وينقطع عن محبّيه عمراً. ليمنَّ علينا مؤخراً بعودةٍ خجولة أطلق فيها الوعد بالبقاء.

وها نحن هنا بعد سنوات من القطيعة المجحفة تلك، لا نُريدُ رحبانيّات متفرّقة، بل تتملّكنا رغبةٌ جامحة بلوحةٍ عنوانها فيروز وزياد الرحبّاني يغنيّان معاً، ويكسران كبرياء أفقٍ مثقّلٍ بانحطاط موسيقيّ!

ها هو المجنون العبقريُّ يحطّم صومعته ويُلقي علينا بسحر التراتيل.. بذكاءٍ فطري يضبطُ التوقيت الذي يراه مناسباً. مهما انتظرنا يبدو العناء مستحقّاً أمام جنون العظمة.

حين تدرك أنّ وحدَها النّسور من تغرّد خارج السّرب، وحين تقرّر تعود إلى أحضان فيروزها لتصبح الأغنية صلاة..

أكمل القراءة

صن نار