مفارقة عجيبة تخترق مجتمعنا وربما سائر المجتمعات العربية مفادها عموما أنه بقدر ما يتطوّر العالم وتُجنى ثمار الذكاء البشري في كل مجالات الحياة مثل تحسين جودة النوم وجبر العِظام وتيسير الولادة ودحر الأمراض والأوبئة واختصار المسافات وإتاحة المعرفة المجانية للجميع وتوفير الفرصة أمام الأمهات لتتفقّدن بناتهن أو أبنائهن لحظة بلحظة وبالصورة والصوت والقُبل الحيّة على بعد عشرات آلاف الأميال…
<strong>منصف الخميري<strong>
بقدر ما يجني العالم هذه الثمار ويتصاعد نسق توظيف العلم والتكنولوجيات الجديدة في تنمية رفاه الناس وتحسين ظروف عيشهم، بقدر ما نستثمر نحن بكل ما أوتينا من مخزون وجداني في إشاعة الخُرافة وتأصيل التخلف ورجم العقل وزرع الوهم المقدّس في صفوف المعوزين والمحتاجين ذهنيا وماديا. (تذكّروا جيدا آلاف الضحايا الذين أطاح بهم الجنّ العاشق على يد المشعوذ بلقاسم وصاحب البرّاد كمال المغربي، الحاصل على رخصة عمل رسمية كحكيم روحاني من وزارة الداخلية !).
كأننا اليوم أمام مظاهر جديدة للتوجيه الجامعي الموازي نحو مراكز عالمية متخصصة في تخريج أطباء نبويّين في علاج جميع الأسحار واضطرابات الأداء الجنسي وعلاج الربط بين الزوجين، أو نحو أكاديميات مشبوهة تدّعي الخِبرة في تكوين المدرّبين والكوتشات بكفاءات عالية في اختصاصات نادرة مثل تصنيع السعادة وتوليد الأمان وتحرير الانسان.
أطباء في علاج السّحر والمسّ من أكاديمية الطب الإسلامي العالمية (فرع تونس)… في انتظار الحصول على معادلة الشهائد من التعليم العالي !
لاحظوا أولا الدقة المدروسة بعناية في اختيار الاسم المسند إلى هذه المؤسسة، فهي أكاديمية وليست مجرد مؤسسة عادية، وليست متخصصة في العلاجات التقليدية العامة أو التمريض أو مرافقة المرضى بل مُتجرّئة على ادّعاء التخصّص في الطب كأحد أرقى العلوم وأدقّها وأكثرها تمتّعا بصورة إيجابية جدا في سلّم المهن في كل المجتمعات، ثم يُزجّ بالإسلام في التسمية لدغدغة إيمان الناس ومغازلة حسّهم الديني وإضفاء نوع من القداسة على مشروعهم… قبل أن يُضاف إلى كل ذلك صفة “العالمية“من أجل الإيهام بالعظمة والكونيّة واتساع رقعة الإشعاع. ثم يُشار ثانيا إلى أن هذه المؤسسة تُسند صفة الطالب إلى مرتاديها وتُمكّنهم من شهائد تخرّج مختومة وممضاة من قِبل المدرّب الشيخ ومدير الفرع بتونس …شهائد غير منقوصة إلا من عرضها على إدارة المعادلات بوزارة التعليم العالي لنيْل المعادلة العلميّة، كما يحصل مع خرّيجي مؤسسات التعليم العالي الخاص والجامعات الأجنبية.
شعوذة بثوب ديني أحيانا أو برداء التنمية البشرية أحيانا أخرى
هؤلاء لم يبنوا للأسف على تاريخنا المشرق في مجال الطب والعلوم بصفة عامة بل لجؤوا إلى السهولة والشعوذة وما يشبه النّصب والاحتيال في أحيان كثيرة.
وحتى يكون الجواب حائزا على أكبر قدر من الموضوعية، سألت تطبيقة “محايدة” ( تشات جي بي تي) عن أبرز أسماء الأطباء العرب والمسلمين الذي أسهموا بشكل كبير في تطوير الطب الكوني والعلوم القريبة منه (والذين تأثروا بدورهم بما كُتب في لغات أخرى مثل الفارسية واليونانية والصينية…) فأمدّتني مشكورة بقائمة طويلة من الأطباء العرب والمسلمين اكتفيت منها بالأسماء التالية :
ابن سينا الذي ظل مرجعا ثابتا في العلوم الطبية لمدة قرون بفضل تأليفه للموسوعة الطبية “القانون في الطب”،
ابن النفيس الذي اكتشف الدورة الدموية الصغيرة قبل ويليام هارفي في أوروبا.
أبو بكر الرازي الذي تميّز خاصة في مجال الصيدلة والعقاقير.
أبو القاسم الزهراوي الذي يعتبر أبا الجراحة الحديثة، صاحب كتاب “التصريف لمن عجز عن التأليف” وهو مؤلَّفٌ في الطب والممارسة الطبية يُعدُّ مرجعا في اختصاص الجراحة.
ابن الهيثم الذي نبغ في علم البصريات وطوّره تطويرا جذريا.
ابن زهر الأندلسي صاحب “كتاب التيسير في المداواة والتدبير”، ومما اشتهر به جراحة البلعوم ومعالجة أمراض الرئتين.
ابن رشد صاحب كتاب “الكليات في الطب” المترجم إلى اللاتينية تحت اسم Colliget الخ…
(غريب أمر اللاتينيين الذين يحوّلون كليّات إلى كوليجات وابن رشد إلى أفيرواس وابن زهر إلى آفنزوار…)
وعلى هذا الإرث العظيم الذي أبهر العالم وأغناه بل وأحياه، أسّسنا طبّا وهميا أشبه ما يكون بـــ “الدڨازة وقراءة الكفّ” أهم عناوينه الرّقية والرُّقاة والعين والحسد وعالم الجن والسحر والمس والصرع والحجامة النبوية (التي تعتبر ممارسة علاجية قديمة جدا استخدمها الصينيون والمصريون قديما واليوناني أبوقراط دون الحاجة إلى إكسابها طابعا نبويّا أو امبراطوريا).
أقول ببساطة إن الطب علمٌ إنسانيّ لا دين له، وأن الدّين ليس بحاجة إلى الطب ليكون دينا، لذلك ترى على سبيل المثال أطباء تونسيين يندمجون بشكل سريع جدا في أية بيئة طبية أجنبية تضعهم فيها، وأطباء صينيين يعملون في بعض مستشفياتنا التونسية دون صعوبات تذكر رغم عائق اللغة وتباين الثقافات، ومخابر طبية عالمية تعمل فيها باقتدار عالي كفاءات علمية من كل جنسيات العالم.
دكاكين التنمية البشرية عبارة عن مركّبات جامعيّة متعدّدة الاختصاصات
من نكد حظنا أن نرى اليوم أباطرة التنمية البشرية يدْعون الشباب إلى عدم إجهاد نفسه والبحث في مسالك التعليم الأكاديمي لبناء مستقبله إذ يكفيه دفع معاليم حضور دورات تدريبية سريعة (ويصل سعر الساعة التدريبية إلى حوالي ألف دولار في بعض بلداننا العربية) يشرف عليها مُدرّبون لا شهائد عليا لهم ولا بحوث علمية أنجزوها ولا إسهامات معترف بها في الدوريّات المُحكّمة (أكبرهم حاصل على شهادة شكر من وزارة الأوقاف كما في الحالة المصرية !!!) ولكن أغلبهم يتميّز بقدرة كبيرة على سلب عقول الحاضرين بواسطة التنويم والتنغيم وبث خطاب “ما يطلبه المستمعون” من قبيل”أنت عظيم ابحث عن الكنز الذي بداخلك” ! .
ومن أخطر ما عثرت عليه في هذا الباب وأنا أجوب صفحات التنمية البشرية على الويب، التحريض على الاستسلام ومعاداة بذل الجهد وبالتالي تبخيس العلم والمعرفة وثني الشباب عن إجهاد النفس في سبيل تحقيق مشاريعهم في الحياة. يقول أحد “المدرّبين” من مركز تونس الدولي للتنمية البشرية بتاريخ 15 سبتمبر 2020 :
“إن أجمل مراحل الوعي هي السّلام. فالحياة معركة تدور بين أناس قرروا أن يحاربوا بكل ما أوتوا من قوة لتحقيق سعادتهم، وفي النهاية لا أحد من المحاربين ينتصر، بل يكون النصر للذين لم يحاربوا من الأصل. استسلم، لا ترهق نفسك في التفكير، لا تقاوم ما يحدث لك، لا تعترض عليه، لا تنتقده، دع كل شيء يسير كما أراده الله وستفاجأ بالدنيا تأتيك وهي راغبة“.
والغريب أن كلاما مهزوما ومنكسرا مثل هذا يجد له جمهورا يُنصت إليه وينخرط بحماسة في انهزاميته ويدفع من أجله الأموال الكثيرة.
هذه الدكاكين المزدهرة تعلّم شبابنا أنه بدلا من متابعة دراسات جامعية مُؤَهّلة أكاديميا ومشهود بصدقيّتها عالميا في علم النفس على سبيل المثال، بإمكان أي كان أن يصبح مدرّبا (كوتش أفضل لأنها معصرنة ومُغرية أكثر ) في فوائد الضحك، ولماذا يكذب الرجال وتبكي النساء وكسر العادات السيئة وكيف تصبح انسانا شجاعا لا يمكن إيقافه أو مقاومته في كل مجالات حياتك، وفن الإغواء واكتشاف القوة السحرية لتصبح ثريا (هذه كلها عناوين كتب حقيقية في التنمية البشرية مبيعاتها بملايين النسخ).
وبدلا من دراسة الطب لمدة تفوق عشر سنوات قبل إدراك درجة التخصّص الأوّلي، بإمكانك دراسة “سرّ الشفاء بالطاقة الحيوية“. .. إذ يكفي “ترديد لقد شفيتَ.. لقد شفيتَ! والسّرّ هو.. أن تقولها بيقين!”.
يتبيّن كذلك أنه لا فائدة من دراسة علوم التصرف وإدارة الأعمال في المدارس العليا للتصرف والتجارة، لأن التنمية البشرية تُغنيك عن ذلك فهي تُعنى بالقدرة على “تحليل الأمور والابتكار في حل المشاكل وعلاجها والقدرة على تحمل أعباء العمل الميداني والمهارات القيادية”.
والصحافة وعلوم الاتصال يُعوضها “تعلّم أصول الفصاحة والبلاغة والقدرة على الخطابة والعمل في وكالات الأنباء …” كما يدّعي شيوخ التمنيات البشرية (والّي يتمنّى خير ملّي يستنّى).
أما شعبة التربية والتعليم، فالدعوة تكاد تكون صريحة لحجبها من عروض التكوين في التعليم العالي مادام مدرّبو التنمية الأشاوس يعلّمونك كيف “يتمّ استخدام أنماط تعلّم مختلفة : نمط التركيز، والنمط المنتشر… وكيف يجزّئ الدماغ المعلومات والتعرف على تقنيات الذاكرة ووهم الكفاءة والتعامل مع التسويف والتأجيل…”.
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.