أعتقد أنه من بين العيوب الهيكلية التي توارثناها تحت تأثير الفرنكوفونية، يحتل التفكير الأحادي المُنغلق وعدم القدرة على تجاوز النموذج الفرنسي تحديدا مرتبة متقدمة. وكأنهم وضعوا لنا “غمّامات” كتلك التي توضع على عيون خيول السباق “بهدف حصول الحصان على تركيز عالٍ فينصبّ نظره على المضمار وتقلّ الانحرافات البصرية ويكون أداؤه مثاليا” كما تقول القواميس، من أجل أن نظل نُفكّر دوما داخل نفس الصندوق ووفق نفس المقاربات المُعدّة لتهيئة عقولنا و “ديار الخبرة” لدينا كما تُهيّأ الحواسيب.
لذلك لم يتسنّ لنا كتونسيين الاطلاع على تجارب المجتمعات الأخرى في كل المجالات تقريبا إلا بمجهودات فردية خارقة …من أدب وفلسفة وعلوم ونظريات في التنمية وأساليب حوكمة اقتصادية وتربوية الخ…
فكلنا يعرف هوغو ولامارتين وفولتير ولكن لا أحد تقريبا يعرف الشاعرة والروائيةالنيكاراغوية كلاريبيل آليغريا أو الأرجنتيني بورخس أو الإفريقية الجنوبية نادين غورديمار. وكلنا يعرف ما قاله بورديو وباسرون في التربية … لكننا لا نعرف الروسي فيغوتسكي ونودينغز الأمريكي والبرازيلي باولو فرار…
في مجال التربية والتعليم تحديدا، مهمة البناء صعبة وعملية إصلاح انحرافات عمليات البناء الأولى أكثر تعقيدا لأنه لا توجد وصفات جاهزة ولا وجود لأنظمة تربوية حققت كل أهدافها و”التربية هي المشكل الأكبر والأصعب الذي يمكن أن نطرحه على الانسانية” كما يقول كانط، ولكن انتهاج المرونة والحرية في تقييم كل ما يحدث في العالم بعد إجراء استقراء موضوعي لما أفرزته مدرستنا من مكاسب ونجاحات علينا أن نُثمّنها ونبني عليها … قد يسمح لنا في المستقبل عدم ارتكاب نفس أخطاء الماضي وترصيد ما حقّقته البشرية من تقدّم في المجال خاصة إذا نحن تخلّينا عن غمّاماتنا وقبلنا النظر في كل الاتجاهات.
في هذا السياق، بدت لي مقاربة البيلدونغ الألمانية مبحثا تربويا مهمّا قد يكون لنا فيها بعض ما يمكن استلهامه لتجاوز المناويل التقليدية ومقاومة المناحي الحديثة التي تُسلعنُ فعل التعليم أكثر مما تؤنسنُ.
البيلدونغ مفهوم مركّب يطرح أسئلة ذات أبعاد سياسية وفلسفية وإيتيقية
مقابل سيطرة التوجّه الاستعمالي الوظيفي وهيمنة الطابع العملي والمنفعي المباشر الغالب على التصور الفلسفي العام الذي يؤثّث الأدبيات الأكثر تداولا في مجال التربية (مثلا ربط التكوين بالتشغيل أو تهيئة الأجيال لضمان الاندماج…)، هنالك نظرة أخرى لا نجد لها أثرا كبيرا في الأدبيات والبحوث المتداولة اليوم. واختصت بهذه النظرة الفلسفية التربوية المختلفة خاصة ألمانيا والدانمارك من خلال مفهوم la bildung الذي تمّ تطويره بداية القرن 19على يد هيردير وشيلر وفون هامبولت ووصلوه بالنمو الوجداني والأخلاقي والذهني والثقافي وبالتربية والتكوين.
بين 1840 و 1850 استدعى الدانماركيون هذا المفهوم وابتدعوا الفولك بيلدونغ أي التكوين والتربية لا فقط لفائدة الطبقات الثرية بل كذلك لفائدة الشباب الريفي في بلادهم، بما خلق ديناميكية جديدة جعلت الفقراء يشعرون بنوع من التوقير وردّ الاعتبار وسمح لهذا البلد بالتحول من نظام ملكي شمولي فقير وزراعي، إلى ديمقراطية مزدهرة ومصنّعة.
يرتبط البيلدونغ بالتقليد الألماني في مجال الثقافة الذاتية حيث تترابط التربية مع الفلسفة على قاعدة تأسيس مسار للنضج الشخصي والثقافي في نفس الوقت أو هو “المزج بين التربية والمعارف من أجل الترقّي داخل المجتمع من ناحية، وبين النضج المعنوي والوجداني في نفس الوقت باتجاه صنع فكر جماعي مع المحافظة على الخصوصية الفردية”.
وهكذا يتبيّن أن مفهوم البيلدونغ له سُمك فلسفي وإيتيقي مهم. وهو كذلك مفهوم حرون لأنه يستعصي على النّقل والترجمة نحو لغات أخرى، فيعطي على سبيل المثال في الفرنسية ترجمات مختلفة ومتباعدة (فلا هو بالتربية أو التعليم أو التكوين أو الثقافة أو التعلّم مدى الحياة أو التكوين الذاتي أو متتالية تعلّم أن …تتعلم أن تكون وتتعلم أن تعيش مع الآخر … بل هو ربما كل ذلك في نفس الوقت). المهم أنه يتعيّن على التربية أن تلعب دورا حاسما في التطور الذكي والمستدام والدّامج والنقدي لأجيال قادرة على إشباع كل حاجياتها رمزيا وماديا.
يُحيلني شخصيا هذا المفهوم على ضرورة أنسنة منظومة التوجيه في بلادنا بما يسمح بالقطع مع المنطق الضمني غير المعلن “دع الانتقاء الطبيعي والاجتماعي يفعل فعله داخل المدرسة وخارجها”، دون اعتبار للواجب الأخلاقي للدولة وللقائمين على التربية تحديدا الذي يتعين تفعيله والمتمثل في ضرورة اضطلاع المدرسة بأداء دورها كاملا في توفير فرص حقيقية لجميع رُوّادها. وهذا ممكن إلى حدّ كبير حتى وإن قدم هؤلاء بأرصدة غير متكافئة.
أُنهي أخيرا بما قاله عالم الانتروبولوجيا والاجتماع الألماني أرنولد غيهلن بأن “الفكرة ليس لها من وقع أو أثر في التاريخ إلا إذا تجسدت في شكل مؤسسات” …وعليه نقول إنه محمول على دولة تعي كل هذه الإشكاليات والرهانات أن تبعث المؤسسات الضرورية لتجسيد ما تتبيّن صحّته ووجاهته في هذه الأفكار… من قبيل جعل مفهوم البيلدونغ – بما هو رؤية تُبجّل توازن الفرد وتحقيق إنسانيته قبل أي اعتبار آخر- مخترقا لكل الوزارات والهياكل المعنية بالتربية والتكوين، ووضع استراتيجية وطنية متوسطة وبعيدة المدى تبني خارطة جديدة للتعلمات والمناهج تواكب العصر وتقلّص من حجم جمهور غير القادرين على امتطاء المصاعد الكهربائية والرقمية المعقّدة بعد تعطل المصعد الاجتماعي التقليدي.
وهذا مُوجزٌ لبعض خاصيات مقاربة البيلدونغ :
البيلدونغ قطار يُبطئ السير في محطات معيّنة لكنه لا يتوقّف : هو مسار للتعلم مدى الحياة ولا يقتصر على التعليم النظامي بل يُدمج التجارب المهارية والبراعات المختلفة ومكتسبات السّفر والقراءة والعمل ضمن النوادي والجمعيات. ويُعطي أهمية للمكتسبات المُجمّعة من خلال التعليم غير النظامي حيث يقوم التلاميذ ببناء بيلدونغهم الخاص (خاصة في الدانمارك) بصورة ذاتية حرة.
البيلدونغ يقطع مع تلقين المعارف وتوزيع العلامات الجزائية على مستحقّيها نحو هضم هذه المعارف بعد تفكيكها وإعادة تركيبها ذاتيا.
البيلدونغ يؤكد على أهمية التعلم الذاتي الذي يُنمّي الفرد بصفته شخصا مستقلا ومسؤولا منذورا لأن يصبح إنسانا مثقفا ومُفكرا وذا سيطرة على مساره ومستقبله وحتى على نمط الفضاء المدرسي الذي يتواجد فيه.
القيم الإنسانية في مقاربة البيلدونغ ركن مثل التسامح والعدالة والمثاقفة والتفكير النقدي (وهي قيم يدوسها الرسميون الألمان اليوم في علاقة بما يحدث في غزة للأسف).
البيلدونغ يجنح إلى تنويع عروض التكوين والتنافذ بين المواد وذلك من خلال إدراج مواد ذات علاقة بالثقافة والتاريخ والفن والفلسفة ضمن البرنامج الدراسي.
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.