“خيرٌ لك أن تُشعل شمعة، من أن تلعن الظلام”؛ في هذا السياق، شهدت الأكاديمية الدبلوماسية بالعاصمة تونس، يومي 3 و4 فيفري 2026، انعقاد الندوة الوطنية لإطلاق “الخطة الوطنية لتحصين المؤسسة التربوية من العنف”. وهي خطوة استراتيجية انتظمت تحت إشراف وزارة التربية وبمشاركة وازنة لممثلينعن 13 وزارة وهياكل وطنية، وبدعم منمنظمة اليونيسيف. ورغممناخ التذمر العام وحالة “الانتظارية” التي تُخيم على المشهد الاجتماعي العام، يظل الرهان معقوداً على وعينا الجماعي بضرورة الكف عن “لعن الظلام”. إن البديل الحقيقي يكمن في اجتراح “سياسة الانتصارات الصغيرة” عبر مساهمات ميدانية ملموسة، عوض الارتهان لانتظار حلول كبرى قد يطول أمدها.
الهدف هو تجديد تربوي حقيقي، يستند إلى جذور في التاريخ ويتجه نحو التحدّي، مع التزام عملي بالمسؤولية الأخلاقية: «هنا والآن»، كما يعبّر عنه شعار الخطّة: “كلنا مسؤولون”.
ولعل التجلي الأبرز لعمق هذا الرهان هي تلك المشاركة النوعية للتلاميذ؛ وهي سُنّة حميدة يجب تثمينها ومأسستها، فالتلميذ هو صاحب الحق الأول والمعنيّ المباشر بكل مسارات الإصلاح. لقد حضرت تلميذتان من المعهد النموذجي بنابل ثلاث ساعات كاملة من النقاش الحماسي والمتوقد داخل إحدى الورشات التي كنت مُيسّرها. ولم يكن وجودهما مجرد حضورٍ بروتوكولي، بل بلورت إحداهما جوهر المسألة في صرخةٍ مدوية وجّهتها للحاضرين: “أنصِتوا إلينا.. ثم أنصتوا.. ثم أنصتوا…”
فيما حرصت التلميذة الثانية، حين تعذر حضورها في اليوم التالي، على تكرار نفس المطالبة الجوهرية عبر رسالة تضمنت قراءتها لواقع المدرسة والمربين، محمّلةً إياي أمانة تبليغ صوتها إلى المسؤولين وعلى رأسهم السيد وزير التربية.. إن هذا “الإنصات” يبقى هو المقاربة الحقيقية التي تفتقدها مدارسنا؛ فالعنف المدرسي ليس قدراً حتمياً، بل هو نتاج طبيعي لغياب “الاحتضان”. وكما يقول المثل الإفريقي العميق: “الطفل الذي لا يجد من يحتضنه، سيحرق القرية لكي يشعر بالدفء” [1]
أرقام تدق ناقوس الخطر: نحو “أنسنة” الفضاء المدرسي
إن الحاجة لإيقاد شمعة الإنصات تفرضها لغة الأرقام الصادمة التي كشفت عنها الدراسة الميدانية؛ التي تم عرضها خلال الندوة، فحين يشير التشخيص إلى أن المعدل العام لتعرض التلاميذ للعنف الجسدي بلغ 28.4%، وأن 61.4% منهم يعانون من السخرية أو الإهانة، فنحن أمام حقيقة تؤكد ما وصفته تلميذة السنة الثالثة ثانوي في رسالتها بـ “عصر مادي يفتقر للتعاطف“. إن وقوع 57% من حالات العنف داخل أسوار المؤسسة التربوية، ليس إلا وجهاً من وجوه المدرسة المشحونة بالأجواء المتوترة التي يغيب عنها الدفء الإنساني.
هذه الأرقام تضعنا أمام ضرورة تجاوز الحلول الزجرية نحو “أنسنة الفضاء المدرسي”؛ فالمدرسة التي تتحول إلى فضاء طارد يفتقر للتفهم، تدفع التلميذ للبحث عن كيانه عبر العنف. الرهان اليوم هو الانتقال من منطق “التسلط باسم التربية” إلى “السلطة التربوية” القائمة على الاحتضان والحوار؛ فالمؤسسة لا تحصنها الأسوار، بل يحصنها شعور التلميذ بأنه “أثمن الأشياء“ في قلب العملية التربوية”، وهي القيمة الجوهرية التي دافعت عنها التلميذة في مراسلتها للمسؤولين.
مدرسة خارج الزمن: التقادم البيداغوجي واغتراب المتعلّم في العصر الرقمي تصطدم حاجتنا للإصغاء بمدونة تربوية تعاني “اغتراباً زمنياً” حاداً؛ فأغلب الكتب المدرسية المعتمدة حالياً، والتي صدرت طبعاتها الرسمية بين عامي 2003 و2005، لا تزال رهينة نصوص وتصورات تعود في أصولها إلى حقب أقدم بكثير من تاريخ صدورها. وهنا يبرز تحذير بيان اليونسكو 2023 الذي أشار إلى أن“الكتب المدرسية التي عفا عليها الزمن تضع التنمية المستدامة في خطر”. [2]
بمنطق لافوازييه: “لا شيء يفنى، ولا شيء يُستحدث، بل كل شيء يتحول”، (Rien ne se perd, rien ne se crée, tout se transforme) فإن طاقة التلميذ لا تتبخر بل تتحول إلى عنف حين تصطدم بوساطة بيداغوجية متقادمة. فمن المفارقات أن نطلب الاحتضان من “مواطن رقمي“، يعيش في عام 2026بينما يقدّم له كتاب الجغرافيا للثامنة أساسي، طبعة 2003المعتمدة حاليا، الصين كدولة نامية، في حين يراها هو عملاقاً يغزو العالم! إن المتعلم اليوم يواجه ‘عتبة تقادم بيداغوجي مزدوجة’ تجمعه بكتاب مدرسي متجاوز ونصوص تعود في أصولها إلى حقب ما قبل الثورة الرقمية. هذا الاغتراب الزمني يطرد المتعلم قسراً من منطقة التعلم النشط ويضعه في قطيعة معرفية ومجتمعية مع مؤسسته.[3]
من “المأسسة الشكلية” إلى “المأسسة الاجتماعية“
لا تكمن المعضلة في غياب الأطر المرجعية؛ فبالعودة إلى “القانون التوجيهي” (2002) و”الأمر المنظم للحياة المدرسية” (2004)، نجد نصوصاً جعلت التلميذ محور العملية التربوية. ورغم وجاهتها، إلا أنها بقيت رهينة “المأسسة الشكلية”، وتعثر تحويلها إلى “مأسسة اجتماعية“ تتغلغل في “الهابيتوس” (Habitus) المهني اليومي. الحاجة اليوم ليست في تشريعات جديدة، بل في تفعيل وتطوير المرجعية لتحرير القوانين من الرفوف البيروقراطية وتحويلها إلى سلوك يومي.
مكاتب الإصغاء والإرشاد: نحو مأسسة العمل التشاركي المتعدد الاختصاصات [4]
كان محور مداخلتنا في الندوة هو العمل التشاركي حول مكاتب الإصغاء والإرشاد، مستنداً إلى تجربتنا المهنية كمستشار في الإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي (من 1998 إلى 2014 على المستوى الميداني).
لقد عايشنا نجاعة هذه المكاتب في تقديم الدعم المبكر، رغم حيّزها الميداني المحدود وغياب السند التحفيزي الكافي؛ حيث لم يتجاوز عددها 108 مكتباً سنة 1999، ليتطور تدريجياً ويصل إلى 183 مكتباً سنة 2001. ومع ذلك، فقد استطاعت هذه التجربة أن تشكل حجر الزاوية لديناميةٍ متعددة الاختصاصات، صهرت جهود المستشار والطبيب المدرسي والأخصائي الاجتماعي في بوصلة واحدة. وقد تدعمت هذه النواة الهيكلية بتجربة ‘مجموعات الحوار الإقليمية(2001- 2006 ). وبالنسبة إلينا، كانت هذه المحطات مختبراً ميدانياً تعلمنا منه آليات تحليل الممارسات المهنية’ والكتابة حولها؛ مما أتاح لنا تحويل الخبرة اليومية إلى تراكم معرفي يخدم الإصلاح التربوي. لقد مكنت هذه الدينامية من ترسيخ ‘إحالة متبادلة’ ناجعة، حمت الكثير من التلاميذ من الانزلاق نحو العنف أو الفشل الدراسي.
مقترح عملي: مأسسة مبادرات الإصغاء المسبق
تفرضُ الخبرة المتراكمة اليوم ضرورةَ تحويل «الإصغاء المسبق» من ممارسةٍ اختيارية إلى إجراءٍ مؤسساتي قار. والغاية أن يعمل هذا الإجراء صمّامَ أمانٍ تربويًا، فلا يُفتح ملفّ التلميذ أمام مجلس التربية إلا بعد استنفاد مسارات الإسناد النفسي والاجتماعي الموثّقة بتقرير مختص. فالمقصود نقل الإصغاء من «فعلٍ تطوّعي» إلى مسارٍ قانوني منظّم يتيح فهم الدوافع السلوكية قبل ترتيب الجزاءات. غير أنّ ترسيخ ثقافة الإصغاء لا يُلغي الحاجة إلى الانضباط، بل يُعيد تأطيرها على قاعدة الفهم والإنصاف؛ إذ إنّ التحصين الحقيقي لا يتأتّى بالانغلاق أو بالاكتفاء بإجراءات زجرية، ولا بممارسة التسلّط باسم التربية، وإنما بجعل الإصغاء كفايةً مهنية ومؤسساتية تُذيب الجليد بين الأجيال داخل فضاءٍ تربوي يحتاج إلى التفهّم بقدر حاجته إلى قواعد واضحة تضبط السلوك وتضمن مناخًا تعلّميًا آمنًا.
ختاماً، لن يجدي نفعاً الاستمرار في لعن سنوات الخطط المعطلة. المسؤولية اليوم جماعية أفقية وتشاركية. لنبدأْ بإنصات حقيقي لصغارنا، ولنجعلْ من هذه الخطة بداية زمن “الفعل الميداني” الذي يحوّل المؤسسة التربوية إلى حصن منيع بالإنسانية، لا ساحة للانتظار أو التذمر.
[1]كانت صرخة التلميذة الأولى ورسالة التلميذة الثانية (من السنة الثالثة ثانوية بالمعهد النموذجي بنابل) هما القادح الأساسي لكتابة هذه السطور؛ حيث يهدف هذا المقال إلى استكمال تبليغ صوتيهما إلى فضاء الرأي العام. كما تناولتُ هذه الرسالة أيضا في الحوار الإذاعي يوم 5 فيفري 2026 والذي يمكن متابعته عبرهذا الرابط:”https://youtu.be/l5nOShz-C4s
[3]يتجلّى أثر هذا التقادم بوضوح في تمثيل التكنولوجيا والواقع المهني داخل الكتب المعتمدة؛ كقصيدة الراديو، وجهاز الفاكس (نص ص170 من “مسالك القراءة”، السنة الخامسة، يعود أصله إلى 1993)، ومهن آيلة للاندثار كـ “الساعاتي” (نص ص13 من “مسالك القراءة”، يعود أصله إلى 1983).
[4]إن المراوحة بين مصطلحي الإنصات والإصغاء مقصودة؛ ففي حين نلتزم بلفظ “الإنصات” وفاءً لخطاب التلميذتين، نعتمد “الإصغاء” باعتباره المصطلح التقني المرجعي في الممارسة الميدانية والمؤسساتية.