تابعنا على

جور نار

ما أنصح به ونحن على مشارف التوجيه الجامعي … بعض التوصيات

نشرت

في

ينطلق الناجحون الجدد في باكالوريا 2022 يوم الجمعة 22 جويلية (وإلى غاية يوم 26 من نفس الشهر) في عمليّة تخيّر  أي مسلك دراسي جامعي يُلائم أحلامهم وطموحاتهم ومشاريعهم في الحياة …

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

و يلائم أيضا رغبات أوليائهم ومستويات اقتدارهم الذهني وميولهم النفسية ومستوى المجموع الذي سيتنافس بموجبه مع نظرائه وتصوّراتهم حول عروض التكوين وآفاقها… وإن تعدّدت العوامل والإكراهات التي يتعيّن على المترشح أن يأخذها بعين الاعتبار هي التي تجعل من عملية الاختيار مهمّة صعبة ومتسبّبة بشيء من التوتّر والقلق والحيرة… وهو في حدّ ذاته مؤشّر إيجابي حسب رأيي لأنه ينمّ عن حرص وجديّة في التعاطي مع “تقرير المصير”.

أردت من خلال هذه الورقة التقدّم بجملة من التوصيات المُساعدة على تبديد هذه الحيرة ولو بشكل نسبي أولا وتوضيح عدد من المسائل التي قد تكون خافية عن بعض التلاميذ وسائر المهتمين بهذا الشأن.

أوّلا :

إن توجيهك الجامعي الذي ستتحصّل عليه يوم 01 أوت ليس إلا نقطة انطلاق أوّلية نحو آفاق جديدة ستُتاح خلالها فرص ومُمكنات متعددة أخرى، وبالتالي، فإن المسار الجامعي الواحد في البداية يُصبح متعدّدا أثناء الدّراسة وبعد التخرّج. فلا تنزعج من البدايات مهما بدت متضائلة وأدنى مما تطمح إليه.

ثانيا :

عند اختيارك لشعبة ما، يتعيّن عليك الانتباه إلى “التخصّصات” التي تُفضي إليها تلك الشعبة الجامعية بعد السداسيّات المشتركة الأولى لأن نفس المسلك الذي تُدرّسه عديد المؤسسات بتسمية موحّدة لا يُفضي بالضرورة إلى نفس التخصّصات هنا وهناك. فعلى سبيل المثال إجازة علوم التصرف بالمعهد الأعلى للتصرف بباردو تُفضي إلى تخصصات إدارة الأعمال والتسويق والمالية والمحاسبة والتصرف في الموارد البشرية (كمسالك توجيه ممكنة تُلوّن الشهادة النهائية في علوم التصرف) بينما نفس هذه الإجازة بمعهد الدراسات التجارية العليا بصفاقس لا تُتيح إلا الهندسة الاقتصادية والمالية … والإجازة في الحقوق التي تدرّسها عديد المؤسسات تُفضي إلى تخصصات القانون العام والقانون الخاص باستثناء صفاقس وقابس حيث يُدرج القانون العقاري كتخصص ممكن مع القانون العام والقانون الخاص بعد السداسيات الأولى،  إلخ …

ثالثا :

التطبيقة الإعلامية المخصّصة لمعالجة اختيارات الطلبة الجدد على درجة عالية من الإتقان بحيث تسمح بترتيب كل الناجحين في الباكالوريا والمترشحين للتوجيه الجامعي في كل باكالوريا على حِدة وفي كل الاختيارات التي عبّروا عنها (أي بعض مئات الآلاف من الاختيارات) قبل الشروع في أي تعيين. ثمّ يُنظر إلى كل شعبة مطلوبة على حِدة وإلى مجموع من طلبها في المقام الأول ثم من طلبها في المقام الثاني…إلى غاية المقام العاشر. تُعطى الأولوية بطبيعة الحال إلى من رتّب تلك الشعبة كاختيار أول ولكن بعد مُقارنته بمن طلبها في الاختيار الثاني على سبيل المثال. ويتحصل عليها هذا الأخير في حالتين اثنتين : إذا كان مجموع من رتّبها كاختيار أول أدنى من مجموع الذي رتّبها في المقام الثاني وإذا لم يتحصل صاحب الاختيار الثاني على اختياره الأول. بمعنى أنه على المترشح للتوجيه الجامعي أن يستغل كل حظوظه مهما كانت جزئية في الاختيارات الأولى ويترك “المؤكّد” إلى نهاية الترتيب لأنه في كل الحالات لا يمكن أن ينتزعه منه من رتّبه في بداية بطاقة اختياراته بدون توفّر شرط مجموع النقاط المُقارن.

رابعا :

في إطار “حماية المُشرّع لنفسه”، تضاعف هذه السنة التضييق على المترشحين للتوجيه الجامعي من خلال “احتفاظ وزارة التعليم العالي لنفسها بالحق في عدم الاستجابة لمطالب إعادة التوجيه حتى وإن توفّر شرط مجموع نقاط آخر موجّه (لسنة 2022) “بتعلّة استنفاد طاقة الاستيعاب” (وهو في رأيي منطق مردود على أصحابه سنعود على تفاصيله في ورقة أخرى). وهذا المُعطى الجديد والجائر يُحتّم على الطلبة الجدد مزيد الانتباه والتدقيق في ترتيب اختياراتهم ووضع كل شروط الحصول على تعيين منذ الدورة الرئيسية إلى صفّهم درءًا لأيّة مفاجآت قد تحصل في دورة إعادة التوجيه.

خامسا :

بالنسبة إلى الذين ينوون ـ لسبب أو لآخرـ  إهمال التوجيه الجامعي التقليدي لفائدة الدراسة بالخارج أو الدراسة بمؤسسات التعليم العالي الخاص، يُنصح بأن تتمّ المشاركة في دورات التوجيه الجامعي العادية والحصول على تعيين ثم القيام بإجراءات الترسيم بشكل طبيعي في مفتتح السنة الجامعية قبل التقدّم بمطلب في تأجيل الترسيم في ظرف شهر من انطلاق الدروس، والاحتفاظ بشهادة التأجيل القابلة للتمديد سنة أخرى ريثما تستقرّ وضعية الطالب المعني في الوضعية الجامعية الموازية ومواصلة دراسته فيها أو العودة إلى المسار الأصلي.

سادسا :

المجهود الذاتي مطلوب جدا وبشكل مضاعف مقارنة مع ما بذله التلميذ من جهد للحصول على الباكالوريا وذلك في مستويين على الأقل :

  • الاطلاع على أدق التفاصيل المتصلة بملامح عروض التكوين في التعليم العالي وآفاقها العلمية والمهنية وضوارب المواد فيها والقواسم المشتركة مع شعب أخرى في تونس والخارج (الفرق بين شعبة أجهزة جراحة العظام وأدواتية قاعة العمليات الجراحية على سبيل المثال، والفرق بين الصحافة والاتصال، والاختلاف بين المرحلة التحضيرية العادية والمرحلة التحضيرية المندمجة، وبين السياحة والفندقة الخ…).
  • الجامعة لا تكوّن تماما بل تؤطّر التكوين وتوجّهه وتؤسس لمنهجية البحث وتفتح آفاقا للمتكوّنين وتُنير سبيلهم في كيفية تمتين تكوينهم القاعدي … لذلك يقول بعض الجامعيين المطلعين جيدا على ما نُدرّسه مقارنة بما يُدرّس في الجامعات العالمية إن الجامعات التونسية تعطي ما يعادل نصف ما تعطيه الجامعات الأخرى في نفس الاختصاص المعني وفي إطار الوحدات التي تدرس داخل ذلك الاختصاص…بما يعني أن المضامين والمهارات الفالتة والتي يتعين تداركها كبيرة جدا يما يفرض على الطالب التونسي أن يدعم تكوينه بصورة ذاتية من خلال عمليات الإشهاد (المُكلفة ماديا أحيانا) ودراسة الوحدات المجانية المفتوحة على شبكة الويب والمُتوّجة بشهائد رسمية من الجامعات العالمية التي تُسديها واستغلال المراكز الثقافية الأجنبية ببلادنا وما توفره المكتبات المختلفة من مصادر ومراجع ذات قيمة نادرة…

سابعا :

ما هي إمكانيات تعديل المسار بعد الحصول على توجيه جامعي ؟ في حالة عدم تلاؤم التوجيه المتحصّل عليه مع ميولات الطالب الجديد ورغباته ومشاريعه، تتوفّر عادةً الإمكانيات التالية لتجويد هذا المسلك المتحصل عليه أو استبداله :

  • المشاركة في دورة إعادة التوجيه والنّقلة بناء على مجموعه الأصلي (وتسمى حالات إعادة التوجيه لأسباب عادية، أي لا تتطلب وثائق مُرفقة) أو بناءً على ملف طبي أو ملف اجتماعي أو ملف مهاري (بالنسبة إلى شعب الصحافة والإبداع الفني والسينمائي عموما).
  • بعض المقاعد التي تفتح (بشكل متغيّر من سنة إلى أخرى) بعد الإعلان عن نتائج الدورة الرئيسية في جامعات أجنبية (إفريقية ومغاربية في إطار التعاون الدولي وتبادل الطلبة) في اختصاصات الطب وطب الأسنان والصيدلة والهندسة وبعض الاختصاصات الأخرى، وتتمّ عملية الانتقاء على قاعدة مجموع النقاط وتعمير استمارة في الغرض بعد صدور بلاغ رسمي في الغرض.
  • الاستعداد بشكل مبكّر لاجتياز مناظرات إعادة التوجيه بالاختبارات الكتابية التي يتمّ الإعلان عنها خلال شهر جانفي من كل سنة ويقع تنظيمها خلال شهر مارس (باستثناء المراحل التحضيرية للدراسية الهندسية)، وهي فرصة حقيقية لتعديل المسار لأن طاقة الاستيعاب المفتوحة أمام المترشحين لهذه المناظرة مهمّة نسبيا (في حدود 15% من عدد المسجّلين بالسنة الأولى من كل شعبة) ولأن اختبارات السنوات الماضية متوفّرة بعديد المواقع للاستئناس بها، خاصة أنها مُستلهمة من البرامج الدراسية لسنوات الرابعة ثانوي.

ثامنا وأخيرا :

احذر اللغات الأجنبية المختلفة والثقافة العامة. التكوين الخصوصي الأساسي مهمّ ولكن مهما كان مستوى اقتدارك في المجالات الخصوصية قويا وعتيدا فستكتشف عندما تبدأ بالتعامل مع مواقع أو منصّات متخصصة أو جامعات أو مراكز بحث أجنبية، أن “وحيد اللغة” و “المتنصّل” من سعة الاطلاع على ما يجري في العالم وما يحدث من تطورات واكتشافات (يتعين عليك التعبير عنها في لغة سليمة تشد اهتمام سامعيها) لا مكان لهما في اقتصاد المعرفة الذي سيسود العالم مستقبلا.

وبالتوفيق للجميع

أكمل القراءة
تعليق واحد

تعليق واحد

  1. نجاح

    18 يوليو 2022 في 19:58

    أقول رائع وعلى غاية من الدقّة والأهمّية

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

جور نار

الدنيا ليست بخير كما يزعمون…

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

سؤال يقلق راحتي: لماذا يحنّ أغلبنا إلى الماضي…؟؟ لماذا حاضرنا أصبح ثقيلا لا يطاق…؟؟ ولماذا نخاف المستقبل أيضا؟؟ والإجابة في غاية البساطة…

هل نحن اليوم ما كنّا عليه وفيه سابقا؟؟ لا…هل قبلنا ببعضنا البعض رغم اختلافنا؟؟ لا… هل اعترفنا بما أتيناه من أخطاء في حقّ بعضنا البعض؟؟ لا… هل قمنا بمراجعات في ما أخطأنا فيه وطلبنا الاعتذار ممن أخطأنا في حقّهم؟؟ لا…هل أصبحنا اليوم نقبل بأن يكون بعضنا أفضل منّا وأرفع درجة؟؟ لا… هل أصبحنا كما كنّا نسبيا سابقا نسعد لسعادة بعضنا؟؟ لا… هل نحزن لوجع بعضنا أو خصومنا إن نزلت بساحتهم مصيبة؟؟ لا…هل نتضامن مع المظلوم وأن كان خصمنا ونختلف معه؟؟ لا…هل نتمنى السلامة لمن نختلف معهم وننافسهم في شأن من شؤون الحياة؟؟ لا…إذن نحن لسنا نحن … ولا يمكن أن نكون نحن؟؟ فهل الدنيا اليوم بخير كما يزعم بعضهم ويفاخرون؟؟ لا ليست بخير أبدا…

فكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يُظلم ونحن لا نحرّك ساكنا وحتى السنتنا أصابها شلل الجبن والخوف من أن يقع معنا ما وقع معهم…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والعاطل لا يزال عاطلا والفقير لا يزال يئن تحت ثقل معاناة الفقر…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ونحن فرّطنا في ثقافة العمل ولا عاد يهمّنا أي شأن من شؤون البلاد…؟؟وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعض مرضانا لا يجدون في صيدلياتنا الدواء…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وكفاءاتنا تغادر البلاد بالآلاف؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ولا يزال بعضنا يكذب على بعضنا؟؟

وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يهتك عرض بعضنا ظلما وعدوانا؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يكره بعضنا دون سبب فقط لأنه ليس من القطيع؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يتّهم بعضنا فقط لأنه يختلف عنه ؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يضمر لبعضنا شرا فقط لأنه لا يتفق معه في بعض شؤون الوطن؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يختلق الأكاذيب على بعضنا فقط لأنه كان أجدر منه بالمقام والمكانة؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والنفاق أصبح جزءا من الهواءالذي نتنفس؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا لا همّ له غير الانتقام ممن سبقوه ؟؟؟ وكيف يمكن ان تكون الدنيا بخير وأغلبنا ممن لم يحترفوا التصفيق والهتاف يعيشون القلق والخوف والاحباط والياس؟؟

فهل أصبح شعبنا غير قادر على النسيان…غير قادر على المصالحة…غير قادر على تغليب خطاب التسامح…غير قادر على العيش مختلفا…وغير قادر على الحب…هل أصبح التسامح والحبّ للجبناء …وأصبح الحقد والانتقام للشجعان؟؟؟

هل يعلم بعض هذا الشعب أن الدنيا ليست بخير كما يزعمون…فإن كانوا يعلمون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون فهذه كارثة…وإن كانوا يعلمون ولا يهمّهم ما يعلمون فتلك مصيبة المصائب…

أكمل القراءة

جور نار

ملاّ ليلة كلبة!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…

سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…

جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة  ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…

نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”

ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”

نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي  منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”

هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”

نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”

همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…

نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….

شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…

ملا ليلة كلبة…

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار