نعيش مع كل عودة مدرسية تهليلا بدور المربّين (معلّمين وأساتذة بالخصوص) وإشادة بتضحياتهم وتشهيرا بالظروف الصعبة التي يعملون فيها وتنويها بدورهم في تربية الأجيال مع استجلاب مكثّف لأقوال طيبة ودالّة، لكننا مججناها من فرط المضغ واللّوْك، فأصبحت مبتذلة ولا تعكس حقيقة ما يجري في مدارسنا من قبيل “المعلم أعظم مهنة على وجه الأرض …إذ تتخرج على يده كل المهن الأخرى” أو “لو لم أكن ملِكًا لكنتُ معلّما” أو “تقوم الاوطان على كاهل ثلاثة : فلاح يغذّيه، وجندي يحميه، ومعلّم يربّيه” الخ…
<strong>منصف الخميري<strong>
كل هذا سجلّ محمود لا أملك كمربّ سابق إلا أن أبتهج له وأؤيّده بل وأزيد عليه بأنه لو كان محصول الفعل التعليمي قابلا للقيس الكمّي الدقيق مثل إنتاج الحبوب أو تعليب السّردين أو تركيب أسلاك السيّارات، لأدرك المجتمع وأهل السياسة أن فعل المربّين يُقاس بنسبة تواجد المنحرفين في المتر مربّع، ونسبة المقبولين سنويا في مناظرات وطنية حديدية لا يطالها التشكيك من حسن حظّنا، وحجم الطلب على خرّيجي جامعاتنا التونسية خاصة في مجالات دقيقة بعينها وطنيا ودوليا. (يُذكر هنا أن كلمة “بطالة أصحاب الشهائد العليا” لا تصف الحقيقة كاملة بل تغطّي جزءًا أساسيا منها وهي أن مؤسسات كثيرة تبحث دائما عن مئات الخرّيجين الذين يكونون بملمح معيّن ومهارات محدّدة ولا تجدهم في صفوف الباحثين عن شغل من أصحاب الشهائد الجامعية !).
اخترتُ أن لا أتحدث ضمن هذه الورقة عن المربّين الذين يجتهدون في إفادة تلاميذهم وفتح عقولهم على معارف جديدة ومعلومات سديدة … فذاك واجبهم، ولن أتعرّض للمربّين الذين يبحثون ويكدّون ويتجنّدون ويفنون أعمارهم لجعل تلاميذهم ينجحون بتميّز في الاستحقاقات التي تنتظرهم… فهذا دورهم الطبيعي، ولن أصفّق طويلا للمربّين الذين يسعون إلى عدم التغيّب إلا متى كانوا مُجبرين على ذلك لأسباب قاهرة، أو الذين يحاولون قدر الإمكان تحييد الظروف المحيطة الصعبة المُعيقة للإقبال بشراهة على التحصيل المدرسي… لأن ذلك يندرج في صلب عملهم وأخلاقيات المهنة التي اختاروها لأنفسهم ولم يفرضها عليهم أحدٌ. ولأنهم محمولون على ذلك بالقانون وبالأخلاق، أخلاقيات عمل المربّي.
يقول المثل الشائع “المتابع لا يهتمّ بالقطارات التي تصل في مواقيتها المحدّدة” !
سأحاول التنبيه دون أي تحامل إلى بعض الظواهر غير الطبيعية المساهمة في قتامة المشهد التربوي في بلادنا، وجعل شريحة هامة من تلاميذنا ينفرون المدرسة ويعجزون عن التصالح مع إكراهاتها وواجباتها ونسق التعلمات فيها. … لأن هذه الجوانب رغم هامشيتها النسبية أحيانا مقارنة بما تأتيه أغلبية المربّين من فعل جبّار، لا نجرؤ دائما على إثارتها خوفا على صورتنا من مزيد التحلّل في المرآة.
وقد يتساءل البعض لِم تناول قطاع المربّين بالذات والحال أن كل القطاعات بدون استثناء من أمنيين وقضاء وإداريين ووزراء … تعجّ بالمارقين والسّفهاء والنّعاج الجرباء والرؤوس الجرداء؟ ببساطة لأنني عايشت طويلا فئة التبشيريين (كما كنت أسمّيهم، نسبة إلى مادّة الطباشير ووظيفة التبشير لا على معنى التنصير بل على معنى التبصير). وأزعم أنني أعرف الكثير ممّا نصمت عنه بجُبن خوفا على مستقبل أبنائنا، ومن ناحية أخرى، فإن نسبة 4 % أو 5 % فقط في قطاع يضمّ أكثر من 150 ألف مدرّس بين الابتدائي والثانوي عمومي تُعطي جحافل من المدرّسين غير الأسوياء والذين يشكلون خطرا حقيقيا على أجيال بكاملها.
وهذه هي حسب رأيي بعض الفئات ذات السموميّة العالية التي على مدرستنا محاربتها دون مواربة وبجرأة ووضوح :
المتغيّبون على الدوام والمُغلّبون لتفاصيل حياتهم الخاصة على تفاصيل دروسهم العامة.
الحاجبون لمعلومات أساسية في صميم الدرس من أجل غصب التلاميذ على استكمالها بمقابل في البيوت المُهيّأة للغرض.
النقابيون الفاشلون الذين يلوكون الشعارات البالية من قبيل “مدرسة شعبية وتعليم ديمقراطي وثقافة وطنية” ويعلّقون كل هِنات نظامنا التعليمي على شمّاعة تردّي ظروف التدريس وغياب المستلزمات وتلكّؤ الوزارة في إجراء “إصلاح تربوي عاجل وشامل”… وأبدا على حبل أداء المدرّسين ومستوى تكوينهم ومسؤوليتهم الفردية في الارتقاء بفعلهم البيداعوجي داخل الفصول.
الممتنعون بإصرار خرافي عن القراءة والمُقسمون بأغلظ الأيمان على تطليق الكتاب بالثلاث واعتبار أن الكتاب كتابٌ أوحد أو أن الحياة أكبر كتاب (كان يقولها أستاذ فلسفة في “مدينة الشرارة الأولى” عندما يُعرض عليه عنوان جديد له علاقة ببرنامج الباكالوريا).
المحافظون على نفس الكراريس ونفس الدفاتر الصفراء التي تظل ترافقهم من المهد إلى اللحد في ظل التطور اليومي المتسارع للعلوم والنظريات والمقاربات.
المتمارضون الذين يعرفون أن الشهائد الطبية التي يسندها بسخاء بعض الأطباء النفسانيين يصعب الطعن فيها ولا تخضع عادة إلى العيادات المضادّة.
المعلّمات اللواتي توظّفن براءة الأطفال للنبش في خصوصيات العائلات والسؤال عمّا إذا كان الأب من الصائمين أو المفطرين أو السؤال عمّن كان يصلّي ضمن أفراد العائلة. (حصل هذا معي شخصيا).
المتأدلجون السّاعون دوما إلى تلغيم العقول لتتفجّر يوما في وجه رسّام بريء (فولينسكي وكابو) أو كاتب متميّز (نجيب محفوظ وفرج فودة) أو سينمائي كبير( العقّاد) أو سياسي شاهق (شكري والبراهمي) … أو عاشقيْن في ريعان شبابهما لا علاقة لهما لا بالدين ولا بالمتديّنين بل فحسب بالحب والمحبّين (ضحايا مسرح الباتاكلان في فرنسا)…
المُربّون المسطّحون (نسبة إلى نظرية تسطيح الأرض عند شيوخ الدين) الذي يجرؤون على التشكيك في ما بات يُعرف بمسلّمات العلم في سائر مدارس المعمورة (ضد ما تقوله برامجنا الرسمية المعتمدة) مثل كرويّة الأرض ونظرية النشوء والتطور واكتشاف الكواكب الأخرى والتفسير العلمي للزلازل والكوارث الطبيعية.
الدّاعون إلى القفز على بعض الدروس غير المتطابقة مع “قناعاتهم المقدّسة” خاصة إذا تعلّق الأمر بوسائل منع الحمل أو الوقاية من الأمراض المنقولة جنسيّا أو الحبّ في أبعاده الحميميّة.
الحائزون على إقامة دائمة “متميّزة فوق الرتبة” في دهاليز الفايسبوك ومنعطفاته يردّدون ما تيسّر من الحِكم المُستهلكة والأقوال المنسوبة لدوستويفسكي وجلال الدين الرومي ولا يجدون لا الرغبة ولا الوقت للإبحار في عشرات محرّكات البحث لإخصاب دروسهم وتدقيق معلوماتهم والنّهل من نفائس المراجع والقواميس.
الرّافضون للتمييز بين مهنة سُوّاق الحافلات أو عمّال المخابز من ناحية (وهي مهن ثابتة يؤدّيها أصحابها وفق قواعد محدّدة لا تستدعي كثيرا من الاجتهاد أو الابتكار) ومهنة التدريس من ناحية أخرى التي تتطلب تطويرا يوميا وتفاعلا حينيّا مع ذوات تلمذية متحركة وبحثا دائما عمّا يُغني ويُثري وعينا ساهرة تنظر صوب “ما يجب تحصيله حتما من قِبل الجميع لمواجهة المراحل اللاحقة”.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…
عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟
في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…
مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…
تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…
اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…
إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…
قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…
الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟
موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…
قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …
كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.
تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.
سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.
الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.
هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟
أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…
ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟
يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.